الموسيقا والغناء عند العرب ثنائية أم تبعية؟

عرّف أبو نصر محمد الفارابي (874ــ950م)الموسيقا في مؤلَّفه كتاب (الموسيقا الكبير)انطلاقاً من اللحن melos، أو ما اصطلحنا على تسميته اليوم: الجملة اللحنية. وهذا اللحن يمكننا التعبير عنه بالآلة الموسيقية عزفاً، أو بالصوت البشري غناءً، ويفضّله الفارابي مؤدّىً بالصوت البشري. وأغلب الظن أن تفضيل الفارابي للصوت البشري وترجيحه له على الآلة الموسيقية لم يكن سوى صدىً للأفكار والآراء التي كانت سائدةً رائجةً في العصر الوسيط والتي كانت ترجّح الغناء وتفضله على العزف على الآلة الموسيقية. وهذه ناحية هامة نشترك فيها مع الغرب، لكن الغرب استطاع أن يتخلص من تبعية الموسيقا للكلمة، وأسس موسيقا آلية تطوّرت حتى تسوّدت عالم الموسيقا كله، وما زلنا نحن حتى اليوم أسرى الكلمة والغناء لا نستطيع منهما فكاكاً. وما كتب للآلة عندنا متواضع جداً بالكم والمضمون قياساً إلى إرثنا الهائل من الغناء. والأخبار التي حفلت بها الأغانيلأبي فرج الأصفهاني خير دليل على ما قدمنا، إذ فيها من قصص المغنيين والمغنيات الكثير، في حين لم يُذكر الموسيقيون إلاّ لماماً. والسؤال الذي يمكن أن نطرحه على أنفسنا هنا: أيرجع ذلك إلى صناعة آلة العود البدائية وقتئذٍ التي لم تمكنه من فرض نفسه تقنياً أمام إمكانات الصوت البشري، أم أن الذوق السائد هو الذي كان يفرض ذلك؟ هذا الرأي كان سائداً عاماً ضمن إطار فلسفي جمالي بآنٍ معاً، وقد تطرق الفارابي إلى هذه المسألة وتصدى لها في إطار تقعيده للموسيقا وتنظيرها إنطلاقاً من الوصف والتحليل. فالآلة المصاحبة وقتئذٍ كانت، بحكم قلّة دقّتها جعلتها من الناحية التقنية الصنعية، غير قادرة على الإتيان بما كان الصوت البشري بقادر على الإتيان به "كآلةٍ" مطواعة خطيرة الشأن تدعمها الكلمة المؤثرة في مضمونها المحرّضة المثيرة الآسرة الباعثة على التأثير.
كانت المعادلة إذن غير متكافئة. لكن العود تطور منذ ذلك الوقت صناعةً تطوراً كبيراً، فلم يعد تلك الآلة الخجولة البدائية الصنع والإمكانات. وتطورت طريقة العزف عليه تطوراً صُبت فيه أساليب بعضها من عندنا وأبعاض كثيرة جاءَتنا من عند جيراننا الفرس والترك الذين نشترك وإيّاهم ونتقارب بالمقامات والإحساس والمزاج.
كان المغنون العرب، وأخبارهم وسيرهم كثيرة في الأغاني، يغنون بمصاحبة العود، أو بمصاحبة الدُّف، فالمصاحبة كانت إذن لحنية أو إيقاعية. والغناء([1])كان شعرياً حصراً عماده الكلمة الموزونة المحمّلة بشحنة دلالية سياقها اللساني يعزّز من حضورها العقلي والحسيّ عند المتلقي.
يحتاج الاستماع إلى الموسيقا الصرفة إلى أذن متمرّسة وذوق خاص مستقبِل، بل وتدريب وممارسة تعتمد التعلّم، فضلاً عن أن الأمر يترجم ثقافة أمة بأكملها. فالمؤلفون الموسيقيون العرب لا تعوزهم المخيلة اللحنية ولا المعارف الموسيقية اليوم لكي يؤلفوا أعمالاً آلية، لكن نتاجهم منها في أحسن الحالات هتامات قياساً إلى نتاجاتهم الغنائية([2]).
يدل هذا كله، والأمثلة أكثر من أن تُحصى، على سطوة الصوت البشري والغناء في الموسيقا العربية إلى حد نجد غريباً جداً، توخياً للدقة الدلالية، أن نقول الموسيقا العربية وليس الغناء العربي!
القصّ الكثير الموجود في كتاب الأغانييشهد على نشاط غنائي شعري مكثّف في المرحلة العباسية البغدادية تحديداً، فقد نشأ ولع بالغناء في نجوة من عيون الدين وبتشجيع من بعض الخلفاء بلغ حدّ الرعاية الكاملة والحماية بل والمشاركة في الاستمتاع والحث على الإبداع للاستزادة منه.
ما هي معايير الصوت البشري الجميل القادر على الغناء والإمتاع؟ هذا سؤال محيّر إذا ما نظرنا اليوم مثلاً إلى الأصوات التي تصافح أسماعنا أو تصفعها وتلقى رواجاً محيراً جداً عند العامة وتفتقد في أحايين كثيرة إلى أبسط مقومات جمال الصوت البشري المغني ودقته! هل هي مسألة جديدة طارئة في مجتمعاتنا العربية سببها ضحالة الثقافة الموسيقية العامة عند الناس، وضعف الذائقة الفنية، في ظل غياب كلي لتربية موسيقية عامة وخاصة ترتقي بالأذواق وتقوّم النتاجات؟!
عندما توفي إسحاق الموصلي كبير موسيقيي بغداد وأستاذ أساتذتها في عام 850م بكاه الخليفة المتوكّل، رغم ما كان يقال عن قلّة شأن صوته وضعف أهميته كمغنٍ! فقد ذكرت الأخبار أن صوته كان مخنثاً لا طلاوة فيه ولا حلاوة إذ كان أول من استخدم الصوت الكاذب المستعار من بين سائر مغني العرب، لكنه استطاع أن يغطي عيوب صوته وخرجه بحذقه ومهارته وكفاية صنعته وذوقه وحسّه المرهف، وبزّ سائر المغنين المجيدين في عصره([3]).
النماذج التي ذُكرت في الأغانيمن المغنين ينطبق على معظمهم تصنيف الملحن المغني، تماماً على النحو الذي نراه سائداً حتى اليوم، ولو كان في شكله هذا اليوم يعد بقايا قياساً إلى عصر الأغنية العربية الذهبي في القرن الماضي. وأمثلتنا على هذه الفئة من الملحنين المغنين كثيرة، أمثال محمد عثمان وعبده الحمولي وسيد درويش ومحمد عبد الوهاب وفريد الأطرش ومحمد فوزي... وكلهم لحنوا وغنّوا.
بين جمع الملحنين المغنين الذين تغص بهم أخبار الأغانيعازف واحد برع في الضرب على العود هو زلزل، وهو لم يُذكر في الأغانيلبراعته في العزف، وإنما لسعة علمه ومعرفته ومساهماته في نظرية الموسيقا العربية.
المنعطف التاريخي خطير الشأن، الذي حصل في هذا التمييز بين الصوت البشري والآلة: بين الغناء والموسيقا، جاء مع اعتلاء العثمانيين عرش الخلافة الإسلامية في عام 1517وانتقال مركز الخلافة الإسلامية من بغداد إلى إستانبول. ظهرت على الفور مشكلتان أساسيتان: الأولى تتصل بالغناء، إذ لم يعد يؤدى باللغة العربية وحدها وإنما انضمت التركية إليه مادةً لسانيةً صوتياً ودلالياً. وتتصل الثانية بالموسيقا الآلية لولع الترك واهتمامهم الواضح بالعزف على الآلة: كمنتشة، طنبور، عود، قانون، ناي، بزق.
ذكر المؤرخ الفرنسي ﭬولنيVolney في كتابه رحلة إلى مصر وسورية عن التفاضل بين الغناء والموسيقا عند أهل البلاد أواخر القرن الثامن عشر بقوله:
"موسيقاهم غنائية كلها، فهم لا يعرفون ولا يقدّرون العزف على الآلات الموسيقية، وهم محقّون في هذا لأن آلاتهم، إذا ما استثنينا منها آلة الناي، كريهة سقيمة. وهم لا يعرفون أيضاً المصاحبة الموسيقية، فموسيقاهم أحادية السطر اللحني، ويصاحبون الغناء بنغمة مستمرة على آلة أحادية الوتر (الربابة). وهم يحبون الغناء بالصوت الطبيعي الظاهر جواباً، ويلزم لمثل هذا الغناء صدورٌ واسعةٌ عميقة النفس كصدورهم ليتمكنوا من تحمل عناء غناء ربع ساعة من الأداء"([4]).
هذه ملاحظات أوربي يسمع غناءً بعيداً عنه من الناحية الثقافية والحسية، يرى ويسمع من ذاكرة ثقافته وإحساسه. ونحن هنا لا نبرر أو ندافع عن شيء وإنما نقلنا مشاهدات مؤرخ جاب البلاد أواخر القرن الثامن عشر وكتب ما شاهده وعن ما سمعه. وما نستخلصه من هذه الشهادة هو التأكيد على فكرة تسوُّد الغناء على الموسيقا، وضعف إمكانات الآلة الموسيقية، وأسلوب الغناء في العربية. ولعل ما سمعه فولني وما يصفه هو غناء الموال يشحذ المغني في غنائه ملكاته وأدواته الصوتية كلها وما يتبعها من تلوين وتزيين وزخارف صوتية. إذ إن إشارة فولني إلى أن المغني يبدأ غناءه جواباً يجعلنا ننحو إلى الاستنتاج بأنه استمع إلى مغنٍ يؤدي موّالاً.
أما احتقاره للآلات الموسيقية العربية فيمكن فهمه من باب مقارنته بما شاهده منها وما سمعه من أدائها، وهو ما لا يمكن مقارنته بأي حالٍ من الأحوال، بإمكانات وحرفة صنعة ما كان معروفاً وقتئذٍ من آلات موسيقية في أوربا أواخر القرن الثامن عشر!
ما زال الوضع اليوم كما كان عليه بالأمس في العالم العربي والإسلامي، إذ ما زال الغناء هو صاحب المنبر. وحدها تركيا، وبحكم ميلها السابق إلى فنون الآلة عموماً، طورت موسيقا شرقية مقامية إلى جانب الغناء. التجارب الموسيقية الآلية في بقية البلدان تبقى متواضعة في الكم قياساً إلى النتاجات الغنائية. طبعاً ما زلنا نتكلم هنا عن الموسيقا التراثية الآلية، أو ما يُطلق عليه اليوم بالموسيقا الفصحى، ولو أن هذا المصطلح يشمل الغناء والموسيقا معاً.
يبدو أن مقولة الفارابي بأن الموسيقا تتبع الغناء وتخضع لتتطلباته، ونعني هنا الآلة التي تصاحب المغني، سواء كان يعزف هو عليها مصاحباً لصوته أو يغني يرافقه عازف، تبقى صنعة الآلة عزفاً رهينة الصوت البشري المغني. حتى الأعمال الآلية التي كتبت قديماً ونعني بها قوالب البشرف والسماعي واللونغا والتحميل فإنما هي تندرج ضمن سياق الوصلة الغنائية تمهد للغناء وتتخلله لإراحة المطرب والانتقال به وبالوصلة إلى مرحلة إيقاعية جديدة إذ درج العرف أن تبدأ الوصلة بالثقيل البطيء وتختتم بالسريع الخفيف.
في عام 1970طبع الناقد الموسيقي الفرنسي كريستيان بوخيه في فرنسا أسطوانة لعازف البزق السوري الحمصي مطر محمد المولود عام 1939يعزف فيها تقاسيم في مقامات متنوعة. لم تلقَ الأسطوانة رواجاً لدى العرب رغم موهبة مطر في العزف وجمال مخيلته اللحنية في الارتجال. ثم طبعت له أسطوانة في لبنان يعزف فيها ألحان أغنيات مصرية ولبنانية نالت رواجاً كبيراً! وقد سقنا هذا المثل لنقول، ومثله كثير، إن الأسطوانة الأولى مضموناً أخطر شأناً بكثير من الأسطوانة الثانية من الناحية الفنية والأدائية، في حين كانت الأسطوانة الثانية رديئة المضمون والفكرة ولا قيمة لها فنياً، لكن المتلقي هو الذي صنع هذا الفرق وما زال يصنعه ويتحكم فيه بسبب ضحالة ثقافته الفنية وتدني ذوقه الموسيقي العام.
[1]ــ هناك قصة في الأغانيعلى لسان كبير الموسيقيين الملحنين إسحاق الموصلي، أن مالكاً ابن أبي سمح، وكان من فطاحل المغنين، ويصنّفه الموصلي أحد أهم أربع مغني القرون الإسلامية الأولى، كان يغني اللحن بصوته دون كلم، والسبب في ذلك أنه كان ضعيف الذاكرة خوّانها لم تكن تمكنه من حفظ الأشعار، فكان يؤدي ألحانها بصوته دون كلمها.
[2]ــ ملحنون عباقرة أمثال: سيد درويش ومحمد عبد الوهاب ومحمد القصبجي وفريد الأطرش صنّاع عصر النهضة الموسيقية العربية لم ترقَ أعمالهم الموسيقية الآلية إلى مستوى أعمالهم الغنائية سواء من ناحية الكم، أو من ناحية المضمون. كتب محمد عبد الوهاب خمسة وخمسين عملاً آلياً جعل لها عناوين، وهناك من يرفع هذا الرقم إلى ستين عملاً إذا ما أضفنا أربعة تقاسيم، وسماعيان. لكن هذه الأعمال بمجملها لا تشكل ثقلاً يذكر في ميزان نتاجاته من الغناء له ولغيره من المطربين والمطربات. والقصبجي العملاق يكاد بعض الناس لا يعرفون له سوى مقطوعة (ذكرياتي) أمام الكم الكبير من أعماله الغنائية.
بدأ محمد عبد الوهاب بتأليف مقطوعات موسيقية آلية عام 1930 بمقطوعة أطلق عليها عنوان: (فانتازي نهوند). وإذا قبلنا أن تاريخ ميلاده هو في عام 1897، وهو أرجح التواريخ من بين: 1900ــ1901ــ1910، فهذا يعني أنه بدأ بكتب موسيقا آلية وعمره 33 عاماً بعد أن أطلع على تجارب الغرب في الموسيقا الآلية الخفيفة. تقاس نسبة أعماله الآلية قياساً إلى أعماله كلها بــِ 9،1%.
[3]ــ ظاهرة صوت كهذه يمكن مقارنتها بصوت عبد الحليم حافظ الصغير مساحةً، لكن دراسته التي تلقاها في المعهد مكنته من العزف على آلة: الأوبوا. وإحساسه المرهف، وذكاؤه في استخدام صوته خصائص جعلت منه أشهر مغني عصره وأبعدهم أثراً حتى اليوم في حياتنا الغنائية العربية.
[4]ـ ﭬولني، رحلة إلى مصر وسورية، الطبعة الأولى، باريس، 1787، الطبعة الثانية، باريس، 1959، ص.ص. 391-392.


