الموجة الجديدة

أطلقت تسمية "الموجة الجديدة" على حركة سينمائية فرنسية ظهرت في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي، وكانت بداياتها على يد فرانسوا تروفو وزملائه ومن خلال المجلة السينمائية الفرنسية المعروفة باسم "دفاتر السينما" والذي كان من بين مؤسيسها الناقد السينمائي المشهور أندريه بازان، وقد أطلقت هذه المجلة سهام نقدها باتجاه السينما التقليدية، مؤكدة على دور الجيل الجديد أي جيل الشباب، حيث مهدت الأبحاث والدراسات المنشورة في مجلة "دفاتر السينما" الطريق لظهور الموجة الجديدة في السينما الفرنسية. وعلى هذا الأساس يرى المؤلف أن الموجة الجديدة حركة متماسكة محدودة زمنياً، شجعت على ظهورها سلسلة من العوامل المتزامنة، حصلت في أواخر الخمسينيات أي بين عامي 1958- 1959 تحديداً.

ويرى أن هذه التسمية انطلقت في الأساس من خلال مجلة " اكسبريس" حيث أطلقت هذه المجلة في آب 1957 استقصاءً استهدف ثمانية ملايين من الفرنسيين والفرنسيات تتراوح أعمارهم بين 18 و20 عاماً حول فكرة تعاقب الأجيال، وهذه الفكرة أساسية في السينما أيضاً، ظهر نتائج الاستقصاء مع شعار مكتوب على وجه فتاة باسم "الموجة الجديدة قادمة" ومن هنا أتت تسمية الموجة الجديدة في السينما، وهكذا أخذت هذه الحركة تشق طريقها شأنها شأن أي جديد في الحياة مع ما رافق ذلك من صعوبات وتحديات. وبدءاً من شباط 1959 ظهرت عبارة الموجة الجديدة وتكررت بانتظام في الصحافة غير المتخصصة، ورافق ذلك العرض التجاري لفلمين طويلين لكلود شابرول وهما " سيرج الجميل" و " أبنا العم" من أفلام الموجة الجديدة.

أحد المعايير الأولى للانتماء إلى هذه الحركة هو الخبرة النقدية. فهؤلاء السينمائيون الشباب قد اكتسبوا ثقافة سينمائية تعينهم على تحديد خياراتهم الجمالية ومواقفهم الأخلاقية.

يطرح المؤلف تساؤلاً عما إذا كانت الموجة الجديدة مدرسة. وفي الإجابة يقول: لابد من التمعن في معايير عدة قبل أن نطلق على هذه الحركة اسم مدرسة جديدة . من هذه المعايير:

  • نشر بيان يصرح علناً بهذا المذهب ويشرحه.
  • برنامج جمالي ينبع من استراتيجية مفترضه.
  • وسيلة نشر تسمح بالتعريف بمواقف المجموعة.
  • مجموعة من الفنانين والفنيين.
  • مجموعة من الأعمال تتفق مع هذه المعايير.
  • كيان لمذهب نقدي في حدوده الدنيا، مشترك بين مجموعة من الصحافيين  أو السينمائيين.

يرى المؤلف أن هذه المعايير يندر وجودها عملياً وإن وجدت فإن ذلك دليل على متانة وتماسك المدرسة المعينة، وعلى هذا فإن الموجة الجديدة هي إحدى المدارس الأكثر رسوخاً والأكثر تماسكاً في تاريخ السينما.

بعد ذلك ينتقل بنا المؤلف إلى رؤية الجانب الاقتصادي في هذه الحركة من خلال طرح السؤال التالي:

هل الفيلم ذو الميزانية الصغيرة أسطورة أم واقع؟

لقد استخدم في الواقع هذا المعيار ـ الميزانية الصغيرةـ لتحديد هوية الحركة، فعندما شرعت آنييس فاردا في مغامرتها الأولى بإنتاج فيلم " لابوانت كورت" خفضت ميزانيتها الأولية من 12 مليون فرنك إلى 7ملايين، وقد اعتبر الفيلم من صنع هواة، ولم يأخذ طريقه إلى الاستثمار التجاري.

الدرس المستقى بخصوص الفيلم ذي الميزانية الصغيرة لم يكن مقنعاً بالشكل الكافي.

وهكذا فإن اسطورة الفيلم ذي الميزانية الصغيرة والقادر على إعطاء مردود تجاري لم تتجسد بشكل كامل إلا بعد نجاح عدة أفلام متتالية من الناحية التجارية ولم تحصل هذه الظاهرة إلا في عام 1959 ولم تدم سوى موسمين.

وفي نهاية الخمسينيات كانت السينما الفرنسية منتعشة اقتصادياً. ففي افتتاحية العدد 71 لعام 1957 من مجلة دفاتر السينما المكرس للحديث عن وضع السينما الفرنسية. أجري حوار مع مدير المركز الوطني للسينما يستشف منه أن السينما الفرنسية بوضع جيد من الناحية الاقتصادية ولكن وضعها الفني مقلق، وذلك بسبب نسبة الارتياد العالية وسيطرة الأفلام الفرنسية بشكل واسع على السوق، وهناك سبب ثالث لا يقل أهمية عن السببين السابقين وهو تدخل الدولة عن طريق " معونة السينما" التي أُقرت عام 1948، ثم جاءت الضريبة الخاصة الاضافية التي تجبى على بطاقات الدخول من أجل تمويل "صندوق الدعم". ولكن مدير المركز الوطني للسينما ندد بالآثار الضارة للمساعدة الآلية التي تضفي على المبدعين عقلية الصناعيين وعلى المنتجين عقلية المصدرين، وهذا ما ذهب إليه ترفو، إذ حث المنتجين على تحمل المجازفات وتجربة ممثلين جدد والتوجه نحو التجديد الفني والمضي قدماً في اتجاه تجديد شباب السينما وتحديثها.

بقي النفور من الانتاجات الضخمة أحد الثوابت لدى الموجة الجديدة، وقد حاول ترفو دائماً أن يتبع الفلم ذا الميزانية الكبيرة بفلم ذي ميزانية صغيرة.

ومن أجل إنجاح هذه التجربة الإنتاجية كان لابد من وجود منتجين جدد، ويعتبر كلود شابرول هو أول من فتح طريق الإنتاج الذاتي، إذ استخدم في انتاج فيلم "سيرج الجميل" إرثاً عائلياً كان قد آل إليه. وقد بدئ في عام 1958 بمشروع تعاونية إنتاجية تجمع بين محرري " دفاتر السينما" وبعض السينمائيين ذوي الخبرة الواسعة. كان الظهور المهني للسينمائي الشاب فرانسوا تروفو قريباً جداً من ظهور زميله كلود شابرول.
وقد تبع تلك التجربتين الفرديتين ظهور ثلاثة منتجين عرفوا كيف يستفيدون من هذه اللحظة التاريخية وهم: بيير براوبذجر ،وأناتول دومان، وجورج دي بوريفار الذين ضمت قوائم أفلامهم ما يربو على عشرات الأفلام الكبرى في سينما الستينيات.

ينتقل بنا المؤلف بعد ذلك إلى رؤية هذه الحركة من الناحية الجمالية، حيث يقول:

ترتكز جمالية الموجة الجديدة على سلسلة من الخيارات تبدأ من السيناريو وتمضي حتى انتهاء العمل بالفيلم، وبهذا فهي تفترض من حيث المبدأ المواقف المسبقة التالية:

  • المؤلف ـ المخرج هو أيضاً كاتب سيناريو الفيلم.
  • لا يستخدم التقطيع الصارم المحدد مسبقاً ويترك مجال واسع للارتجال في تصميم المقاطع والحوار وتمثيل الممثلين
  • يفضل في التصوير الديكور الطبيعي.
  • يفضل الصوت المباشر المسجل في لحظة التصوير على المزامنة اللاحقة.
  • استخدام اضاءات خفيفة.
  • استخدام أناس غير محترفين لتمثيل دور الشخصيات.
  • يفضل اللجوء إلى ممثلين محترفين جدد.

    إن هذه الخيارات تهدف إلى إلغاء الحدود بين السينما الاحترافية وسينما الهواة، وُيعد إلغاء الحدود بين الخيال والتوثيق أحد الأقطاب الجمالية في الموجة الجديدة.

 وفي مثل هذه السينما لم يعد للتمييز بين كاتب السيناريو والمخرج أي معنى على حد قول استروك .

ومع ذلك بقي الاقتباس عن الروايات والقصص القصيرة والمسرحيات موجوداً.

تابع إذاً السينمائيون والمنتجون وكتاب السيناريو اقتباس الروايات، وربما أمكننا القول إن الموجة الجديدة تمثل جيلاً بديلاً من كتاب السيناريو أكثر مما هي ترويج حصري للمخرجين المؤلفين، وكان الهدف الأمثل للموجة الجديدة هو السيناريو المرتجل.

إن الخصوصية الأكثر وضوحاً للمسيرة الابداعية في الموجة الجديدة تندرج ضمن حدود الاصطناع المرتجل على النقيض التام من السيناريو المبرمج، وتنتهي إلى ما سمي في عام 1960 " السينماـ الحقيقة".

وجاءت ممارسة مخرجي الموجة الجديدة للاقتباس مختلفة بشكل جذري، فمعظم أفلامهم لا تحاول إخفاء الأصل الأدبي للقصة ولا تسعى إلى إحلال "معادلات" ذات طابع بصري أكثر محل الأحداث المعتبرة على أنها " غير سينمائية".

عممت "الموجة الجديدة " الإخراج الصوتي، ولم تتردد في إدراج أغانٍٍ أو موسيقى شعبية وأغاني شارل أزنافور وموسيقاه. وكان العمل الحاسم للموجة الجديدة هو الخروج من الاستديوهات كما في فيلم "لابوانت كورت " لآنييس فاردا. وعندما صور شابرول "سيرج الجميل " ذهب ليسكن في القرية التي كان قد أمضى فيها كل مراهقته خلال سنوات الاحتلال الأربع، كذلك تقع كل أحداث "أربعمئة ضربة " في حي طفولة فرانسوا تروفو.

ولم تكن تقنيات التسجيل تعتمد على النواظم التي كانت تفرضها النقابات في تلك الفترة، و إنما كانت تعتمد على فرق عمل خفيفة.

أما المونتاج فإنه من أكثر العمليات التقنية التي تتعرض لملاحظات النقاد والمشاهدين، وقد حطم غودار قواعد التشكيل الكلاسيكي للمونتاج مقطعاً في المشاهد الحركية، ويعتبر غودار الأكثر تجديداً في هذا المجال.

وكان للموجة الجديدة نصيبها أيضاً من التجديد في مجال الصوت. لقد كان لسينما الموجة الجديدة تأثيرها الواضح على السينما في العالم... في بولونيا.... وفي تشيكوسلوفاكيا.... الخ.....

وكانت السينما البرازيلية هي التي انطلقت في " السينما الجديدة" بدءاً من اكتشاف الموجة الجديدة، وفي ايطاليا تبقى تأثيرات الموجة الجديدة واضحة في الأعمال الأولى للسينمائيين الشباب كبيرتولوتشي في "بداية الثورة " 1964 ثم فيلم " الشريك " الشبيه جداً بأفلام غودار في 1968. ويمكن ملاحظة هذه التأثيرات في بدايات الشاعر الإيطالي بيير باولو بازوليني السينمائية.

إن بضع عشرات الأفلام التي أخرجها سينمائيون فرنسيون في الخمسينيات والستينيات نذكر منها:

على الرمق الأخير، لغودار ـ أربعمئة ضربة، لتروفو ـ وخلق الله المرأة، لفاديم ـ سيرج الجميل، لشابرول ـ أنا أسود، لروش ـ المجمعة ،لرومر ـ بيرو المجنون، لغودار ـ مصعد إلى المقصلة، لويس مال ـ أبناء العم، لشابرول ـ وداعاً يا فيليبين، لروزييه ـ كليو من 5 إلى 7، لفاردا ـ فهرنهايت 451، لتروفور.

مازالت تعرض حتى يومنا هذا بعد مرور ما يقرب من خمسين عاماً على انتاجها، وباقبال كبير من الجمهور.

ميشيل ماري

زياد خاشوق

إغلاق
يلزمك برنامج Adobe Acrobat للتمكن من تصفح العدد