الإلياذة الكنعانية في افتتاح المهرجان

مساء يوم الاثنين 27 تشرين الثاني 2010 وبمناسبة افتتاح مهرجان دمشق المسرحي الخامس عشر قدمت فرقة "أورنينا" للرقص المسرحي الملحمة التاريخية الغنائية "الإلياذة الكنعانية" وذلك على مسرح الأوبرا في دار الأسد للثقافة والفنون وهي من تأليف محمود عبد الكريم الرؤية الإخراجية ناصر إبراهيم توزيع النصوص الموسيقية وليد الهشيم .

 

برزت خاصية هذا العمل جليّة في تركيب معادلات جمالية وفنية وتاريخية، تدور كلها حول فلسطين والقدس.. فيها يتقاطع الإبداع بالتاريخ بجملة من الرموز والدلالات التي أنتجتها الفرقة زمن العرض وهي تقدم صوراً مليئة بالأحداث التاريخية والصراعات، فأنتجت بشعرية هذا التركيب شعرية العنف والتسامح الديني والدعوة إلى تحرير القدس .

هذه الملحمة التي صيغت قيمُها الإنسانية بالمادة التاريخية عرضت بالرقص التعبيري والموسيقى كل ما يقرِّب المتلقي من جمالية الخطابات الملونة بألوان الحلم والواقع والمأساة .

في هذه الملحمة يتجلى البعد الغنائي الشعري في الفضاء النغمي للعرض في معادلة توليف المتناقضات المستمدة من مرجعيات مختلفة، حيث أوجدت لها الفرقة مبرراً بالخيط التاريخي الرابط بجوهر القضية الفلسطينية، وهو خيط ينسج دلالاته في معادلات تاريخية صعبة، لا يمكن حل إشكالاتها وتقريب عناصرها وإدماج دلالاتها المتفرقة في الدلالة الواحدة أو الرؤية الواحدة إلا بالجمع بين جمالية الجمال في العرض المسرحي والموضوع الفلسطيني الذي يريد لهذا الجمال أن يكون صلة وصل دلالي يربط ما بين بناء التيمة والتعبير عنها فنياً .

هذه المعادلات لا تخلو من الغرابة المستحبّة فنياً، ولا من متعة جمالية بعد تحقيق هذا التزاوج، وهذا راجع إلى كفاية الاختصاصات المختلفة، كتصميم الإضاءة والسينوغرافيا وتصميم الديكور والاكسسورات، وهي اختصاصات اشتغلت على هذا الجمال وهو يعيد تركيب المتناقضات المستمدة من التاريخ الفلسطيني واستكشاف بلاغة الجسد الصامت بإيقاع الحركة الفنية، سواء أكانت حركة في سياق فردي يقنع بالقوة الدلالية للرمز التاريخي، أو تعبيرات جسدية تنخرط في صيرورة جماعية تولد محتملها الدلالي من جماعية التعبير وتبني رؤيتها وإيحاءاتها الظاهرة والخفية في هذا الجسد على الرمزية التاريخية والواقعية لأحداث موصولة إلى الأحداث المعروفة تاريخياً وبناء المعادلات المدهشة برمزيتها، القادرة على توليد لحظة المتعة والأمل والحلم أثناء تجاوز لحظات السكون والصمت المطبقين على الرموز التاريخية العربية .

لقد راهنت الفرقة على تكوين حياة نص غنائي، شعري، ملحمي، ودرامي، قوامه اللغة الناطقة ببلاغة الصورة، والمتكلمة بشاعرية جسد إشكالي بدلالاته بعد أن أصبح جامعاً لكل العناصر التي تنجز الوحدة الموضوعية والبنائية لكل الأنساق والمشاهد الفرجوية بعد أن عادت كل أنساقها الفنية تنتمي إلى تجربة فنية وجمالية تؤرخ بالعرض المسرحي لكل بلاغات الواقع المستمد من أرض كنعان ومن الزمن الفلسطيني ومن المعيش والمستوحى من الماضي والحاضر والمتنبئ بغموض المستقبل ووضوحه .

وبما أن هذه الملحمة فعل إنساني، والعرض المسرحي إنجاز لهذا الفعل، فقد عاشت "الإلياذة الكنعانية" ميلادها الأول مع الأسطورة الكنعانية، وبعد اكتمالها بعد هذا الميلاد أعادت الفرقة النظر في المسلَّمات التاريخية لتكوّن تواريخ رمزيتها الجديدة، وتعمّق فيها النظر، وتبني بها المُغاير، وتتخطى المألوف، وتنسج موضوع الرسائل التي سترسَل إلى المتلقي زمن العرض وقد أينعت من عشقها لموضوعها الفلسطيني، فكتبته من نبض ولهها بالحياة، وفهمها لكل المعادلات الصعبة، كما كتبته من عشقها للأزمنة المتخيلة المطلقة وهي تستنطق الجسد بعشق ما تقوله الذاكرة الفردية والجمعية الفلسطينية .

بهذه الكتابة صارت "الإلياذة الكنعانية" أكثر قدرة على إعطاء المعنى الإنساني للمعنى التراجيدي الفلسطيني المحدَّد بخطابات موحية بعمق القضية تارة، والناطق بعنف اللحظات تارة أخرى، فكان موضوع شعب هو الشعب الفلسطيني، وكانت قضية علامة هي قضية مدينة القدس، يساعدان الإبداع الإنساني على إنتاج هذه الملحمة، ويشدّان أزره كإبداع كي يمتلك القدرة على تفعيل التاريخ والمتخيل، وتحريك التراث المعروف، والإفصاح عن الواقع المجهول، والاقتراب من الحال المتداول والمنسي، والتدرج بالمعنى للوصول إلى المحال الذي يزعزع أركان الغموض في الواضح ويهدم الواضح في الملتبَس، وصولاً إلى كتابة حيوية اللحظة الفلسطينية بحيوية ما تبنيه هذه الملحمة وما تؤثثه من دلالات لا يمكن أن تكون بريئة ولا أن تكون دون خلفيات وبلا مرجعيات وأهداف، ذلك أن استراتيجية الإبداع الملحميالعربي بهذه الملحمة ظل مشروطاً بفعالية إعادة فهم هذه المعادلات التاريخية الفلسطينية لإدماجها في سياق المماحكة الأبدية بين الجمال والفنون واللغة أثناء تجريب ما تريد الفرقة تجريبه بهذه المماحكة بغرض الوصول إلى الشكل المقترح لهيئة وبنية هذه الملحمة .

وفي هذا السياق يتأكد الإبداع في هذه الملحمة وهي تتكلم بالتاريخ الفلسطيني وبالقضايا الكبرى، وتعود إلى المغزى من إعادة تمثّل الأحداث، وتقوم بتبئير موضوعها على موضوع فلسطين والقدس، وتسعى إلى الاقتراب أكثر من الأحداث التي كتبها التاريخ العربي والحكاية والشعر والسرد، ووثّقت لها الوثيقة، وحرّكتها الصراعات حول ميلاد فلسطين والقدس وكيف بدأ المشروع الصهيوني يخطّط لمحو وجود هذا المقدس من القدس وإزالته من روح القدس ومن الزمن والتاريخ، ومن إيمان الناس ومن المدينة ومن الحياة .

ومن التاريخ القديم ومستجدات التاريخ الحديث وسّعت الملحمة من معنى النص وتتبعت نشوء الحضارة في أرض كنعان وكيف صار الصراع على أشدّه بين الوجود الفلسطيني ونقيضه في الزمن المعاصر كما كان في الزمن الفائت .

في هذه الملحمة يُطرَح حول عناصر العرض ومكوناته السؤال التالي : "هل تأتي شعرية تكوين الملحمة كعرض استعراضي راقص للاحتفال بنشوء الحضارة في أرض كنعان من صيغة النص ذاته ومن القدرة على إنطاق المسكوت عنه في التاريخ الفلسطيني أم جاءت من خطابات محايثة لمرجعيات أخرى ساهمت في تأثيث زمن العرض بمعلومات تولّدت معانيها مما هو غير متداول حول القضية الفلسطينية وغير متداول حول مدينة القدس؟" .

إن السؤال حول الكيفية التي تروي بها هذه الملحمة تاريخ نشوء الحضارة على أرض كنعان لتكون القضية الفلسطينية مركزها جمالياً، وتكون القدس محورها دلالياً، وتكون مأساة شعب فلسطين حقيقتها تاريخياً، تقدم الجواب عنه ثمانية عشر مشهداً قائماً على تركيبات مختزلة ومركّزة، لكل مشهد خاصيته التي يختص بها دلالياً، لكن الناظم بينها جميعاً هو التركيز وتكثيف الزمن والمكان في الدلالة المضغوطة بكل معاني إبلاغ الخطاب بعلامات تشتغل في نفس اللحظة التي تشتغل فيها جمالية إبلاغ كل المشهد، وهذه الكيفية تمثّل المهمة الأساس في تفعيل زمن تلقي هذه الملحمة بعلامات نشوء هذه الحضارة وتطورها وتناميها كعمران تمّ تركيبه بمنطق التناقض والصراع وفرز أصوات المؤيدين للقضية الفلسطينية من طبيعة النص ذاته، ليكون مرمى هذه الملحمة تقديم ما جرى على أرض كنعان، بدءاً من البدايات، وصولاً إلى النهايات، وما بينها، حيث تتشخصن الأحداث وتتحدث الأساطير وتتشابك الأحداث أثناء الصراع في برنامج سردي يتحقّق وجوده بهذه المشاهد التي اكتفت بقضيتها الصغرى التي هي مكون أساس وفاعل في تكوين القضية الكبرى للملحمة الفلسطينية حسب الوظائف التالية :

-كل مشاهد العرض تقوم على إعادة بلورة قضية فلسطين وتقديم تاريخ القدس وتشخيص العذاب الفلسطيني وإظهار المقاومة العربية في كل الأزمنة .

-في النصوص الواردة في كل مشهد من مشاهد الملحمة هناك رهان قوي على أن تظل فضاءات كل مشهد مفتوحة على كل التناغمات الممكنة بين الحوار والصور المتتالية والرقص التعبيري .

-في كل المشاهد يتم توليد التوترات الرائعة في المعارك وترتيبها بما يناسب شعرية العنف وتوكيد التسامح الديني الذي دعت إليه الديانات السماوية وتحرير القدس، وهي التيمات المركزية في الملحمة التي أنتجتها عن وعي التزم بهذه القضية حتى لا تفقد هذه المشاهد بلاغتها الموسومة بجمالية الدلالة، والمتصفة ببلاغة الإيماء، والمتميزة بتكثيف إشارات الإيحاء .

-في جامع مشاهد هذه الملحمة يتعلم المتلقي كيفية النظر إلى تاريخ فلسطين والقدس والعالم بشكل مختلف لأن النص المقروء يمثل المعنى الفلسطيني في توليفاته البصرية، بينما الرقصات التعبيرية تبوح بمعنى الرموز الفلسطينية .

هذه المَشاهد تمّ تركيبها بتركيب القضية الفلسطينية نفسها، وتمّ تطعيمها بمعطيات تاريخية ترقى ببلاغة حكايات النص إلى مستوى الحدث الواقعي المستمد من التاريخ الفلسطيني، حيث يصير كل مشهد مكتف بذاته، ويغدو كل حدث تاريخي داخل المشهد يشتغل بعلاماته، لكن هذا الاكتفاء بالموضوع الواحد لا يحيل إلا على إيقاعه السريع ضمن البناء الزمني للزمن الكلّي للملحمة، فيدخل ضمن التغيير المتسارع لدلالات المكان وتغيير دلالات الشخصيات وتغيير الدلالات الجماعية للجماعات حفاظاً على معاني ورموز الشخصيات التاريخية وكلامها وكلام الوثيقة التي تنطق في كل مشهد من مشاهد الإلياذة بتاريخية أحداث يعاد ترتيبها حتى لا تخرج عن سياقها وهي تحيل على تاريخ فلسطين .

هذا ما تبرره البطاقة التقنية لفرقة "أورنينا" وهي ترسم الغاية من هذه الملحمة، وتبرر بمسوّغات فنية وتاريخية استراتيجية إنتاج هذه الإلياذة، فتقول إن هذه الملحمة موقف قومي فني ينهض على "تقديم عمل ملحمي يبقى في الذاكرة الشعبية برؤية معاصرة تعرّف بالقضية الفلسطينية، فقد سميّ العمل بالإلياذة الكنعانية لأن لكل شعب إلياذته التي تمجّد وتروي صموده وهو الذي وقف منذ حوالي ثلاثة آلاف عام في حمى صراع لا يتوقف من أجل الأرض والحياة والسلام والحرية، وهي ملحمة لم يخضها شعب في التاريخ بهذه الديمومة والصبر والإصرار والبطولة، وفوق ذلك يملأ قلب خصومه بالغيظ المميت" .

إن معنى التاريخ الفلسطيني في هذه الملحمة هو العمل على تتبع بداية نشوء الحضارة في أرض كنعان وتقديم كل أشكال الصراع من أجل البقاء ضماناً للعيش بكرامة وتقديم صور هذا الصراع وحدّته بمصوغات جمالية كانت تقدَّم فوق الركح وكأنها تحدث على هذه الأرض الكريمة، وكان كنعان يواجه برمزه وصوته وحضوره عبر العصور كل المواجع والآلام، ويتصدى .

بهذا المعنى التاريخي تسلط الملحمة الضوء على نضال الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال، وتهدف إلى إعطاء المعنى الإنساني والسياسي والتراثي لفضاء اللعب الفني ليصير هو الأرض الفلسطينية الواقعية التي تجري فوقها كل أنواع الصراعات من أجل بقاء الشعب الفلسطيني، كما تهدف أيضاً إلى إعطاء الدلالة الواضحة للزيّ المسرحي للإيحاء بدلالته التاريخية، وهو الزي الذي صممه ناصر إبراهيم ومحمد رحال ونفَّذه ماهر الصفدي وفراس مراد .

وفي هذا التركيب أيضاً برنامج سردي لحضور الجسد يبرر كيفية تطويع لغة هذا الجسد ليصير علامات ناطقة بتيمة القضية الفلسطينية وتمكين علاماتها المسموعة والمنظورة من إبلاغ جمالية المعنى والدلالة إلى البنية الكلية للملحمة وفق معادلات الرؤية الإخراجية التي تربط عنف اللحظات وغنائيتها وفرحها وحزنها بكل مشهد من مشاهد الملحمة، جاعلة النصوص الموسيقية التي نسّق وظيفتها التصويرية الفنية وليد الهاشم جزءاً مفصلياً وعضوياً، يسهم في التصوير المشهدي للمشاهد، ويثري العرض بجمالية تلقي الموسيقى، ويدرج تراث الأخوين رحباني توسيعاً لدائرة فهم ما يقوله النص المنطوق، أو ما يقوله نص الجسد بالرقص التعبيري .

إن ما ينشده النص الشعري لـ محمود درويش، أو ما يسرده النص التاريخي الذي يعتمد على المرجعيات التاريخية أو العلامات التي تحيل على الهوية الفلسطينية، الزيّ، والرقص الجماعي بالدبكة، والتعبير الجسدي، كان من بين المعادلات الوظيفية التي وضعت دلالتها في صيرورة إبداعية كتبت الزمن الملحمي بالزمن الفلسطيني نفسه .

لقد حددت فرقة "أورنينا" تيمة كل مشهد يجري تقديمه مشخَّصاً بالرقص والغناء والمسرح، وكان كل مشهد في الملحمة يتحرك بالعناصر التي تكوّنه وتفعّل وجوده جمالياً بوظيفته الدلالية، دون الإخلال بالمنظومة التاريخية التي تحكم صيرورة الزمن الفلسطيني، وكانت معادلة التاريخ تعني إعادة قراءة التاريخ الفلسطيني ملحمياً، والرهان على تحقيق التواصل مع جمالية المشاهد وفق كل تيمة حددتها هذه الفرقة كالتالي :

-تقديم رمزية شخصية كنعان وأرض كنعان، ودورهما في تقديم حالات المعاناة الإنسانية الني يعانيها الشعب الفلسطيني .

-تصوير أحداث الملحمة يعني أنها رحلة مضنية أرادت أن تقف على أهم مراحل ومحطات الصراع في التاريخ الفلسطيني .

-الاحتفالية الدينية بميلاد السيد المسيح .

-الفتح الإسلامي لفلسطين ونهاية الحكم الصليبي بعد تحريرها على يد صلاح الدين الأيوبي وتحريره لمدينة القدس .

-بداية حياكة المؤامرات على فلسطين من طرف الإنكليز ودخول حاخامات اليهود لأرض فلسطين .

-بداية الثورة الفلسطينية والمقاومة على أرض فلسطين .

-رفع شعار أن الحرية لا تستجدى بل تُنتزَع انتزاعاً .

لقد صارت علامات الملحمة الكنعانية تتكلم بكلام التاريخ الفلسطيني، كما صار التاريخ فيها صيرورة فنية في معادلات تاريخية بنت علاماتِه الملحمية كلُّ المشاهد كي يتكلم بكلام مرجعياتها وهو يؤطر حضورها زمن العرض بزمانها وأحداثها وبما يريد أن تقوله هذه الملحمة في عرض بصري متدفق بعلاماته الفلسطينية .

لقد كان الغزو ومقاومة هذا الغزو، وكان الاستبداد ومقاومة هذا الاستبداد، وكانت الهيمنة والإلحاح على كسر قيود الظلم والعسف أساس الصراع في كل مشاهد الملحمة، وكانت الدعوة إلى الحرية والصمود، والتحريض على كسر شوكة العدو على أرض فلسطين أفعالاً تحرّك الفعل التحرري عند الفلسطينيين، وهو ما وضعت له الفرقة اختياراتها على محك التجريب الفني فقالت عن هذه الإلياذة :

"منذ دهور والإلياذة الفلسطينية في لجة الصراع الملحمي، في قلبه وعينيه.. والأجيال جيلاً وراء جيل تدافع عن الهواء والموج والجبال والزيتون والحبق والزعتر البري وقطعان الأغنام، وعن الحق والحرية.. في أرض فلسطين نشوء الرقص الأول، الزراعة، الموسيقى، الحب، تاريخ فلسطين، ومراحل أطماع اليهود في أرض كنعان، بدءاً من ما فعلت أيديهم السوداء في صلب السيد المسيح، وانتهاء ببناء الجدار العنصري وهدم البنى التحتية للأقصى بحجة البحث عن حائط المبكى (هيكل سليمان) وما بين الفترتين تتعاقب الأجيال.. قد تكثر المخيمات والقتل والدمار، ولكن يبقى الحلم واحداً، وتبقى الأرض عربية مهما كلف الأمر" .

هكذا يمتد زمن الملحمة من بداية نشوء الحضارة في أرض كنعان، وينتهي بجدار البراق وما يجري في القدس الشريف من عمليات تهويد، هدفها أسرلة معالم المدينة، وهو زمن تحول من أزمنة كانت موزعة على مشاهد تتمسرح فيها الأحداث بالتعبيرات الجسدية، وكان التعامل مع تاريخ فلسطين أساس مسرحة كل الشخصيات المستمدة من التاريخ الفلسطيني، لتقديمها محملة بدلالاتها المعاصرة ومواصفاتها ودورها في الأحداث، مثل كنعان، أوشع بن نون، هيريدوس، سالومي، صلاح الدين الأيوبي، الجنرال الإنكليزي اللنبي، الحاخامات، وتزيد إيحاءات هذه الشخصيات ظهوراً أثناء ربطها بالمدن والأماكن التي تجري فيها الأحداث، مثل أرض كنعان، أريحا، إيليا، أرض فلسطين .

إن اللعب المسرحي بالرقص التعبيري كان أداة تعبيرية تمثيلية، فيها تنوب الحركات عن الكلام لتصير هي كلام اللعب المسرحي، وأحياناً أخرى يحتل الكلام المنطوق موقعه الدلالي في سياق الكتابة الركحية ليكمل معنى الحركات الإيقاعية وهي تكتب زمن الملحمة بالتراث الفلكلوري والشعري، وبالأناشيد القديمة للكنعانيين وعلاقتها بالبحر وبأرض كنعان الذي هو صلة وصل بين مشاهد الملحمة لأنه يمثّل الذاكرة التي تبدأ بالأسطورة وتستمر في وجودها بتاريخ الصراع وما صاحبه من عنف، لتصل إلى صياغة المأساة الفلسطينية داخل هذه الملحمة الغنائية التاريخية، لتقدم التيمات التي وضعت الفرقة برنامجها السردي كالتالي :

-مذابح أريحا وجرائم أوشع بن نون في مدينة أريحا .

-أفول الحلم أمام واقع العنف الدموي .

-ميلاد السيد المسيح وآلامه الذي هو ميلاد السلام والأمل .

-التآمر على المسيح لقتله في حوار اليهود والرومان .

-الفتح الإسلامي حامل راية السلام والمحبة والتعايش السلمي بين الأديان .

-الحرب الصليبية ودخول صلاح الدين للقدس وتحريرها لتبقى فضاء مقدساً يضمن حرية العبادة لجميع المؤمنين .

-مؤامرة الإنكليز وحاخامات اليهود على فلسطين ودخولهم إليها .

-النكبة سنة 1948 وبداية التهجير .

-آلام الفلسطينيين وإرهاب الصهيونية .

-بداية الثورة الفلسطينية .

-جدار البراق .

-الفرح الذي يعبِّر عن أمل تحرير الوطن .

كل هذه التيمات التاريخية التي وضعتها الفرقة لإتمام رؤية الملحمة الفلسطينية تقوم على إبراز تصادم عنيف بين قوتين متعارضتين سارتا بالفعل الدرامي نحو التأزم المتجدد الذي ولَّدته طبيعة الصراع بين البقاء والفناء، بين الحياة والعدم، بين التسامح والعنصرية، وهو ما شخّصته المعارك والمواجهة بين النقيضين المتصارعين، تمثل القوة الأولى رمزية الحضارة الكنعانية بكل قيمها التسامحية والإنمائية والإنسانية، وتمثل القوة الثانية المعيق الحقيقي الذي يحول دون استتباب السلام ودون تحقيق الأمن والاستقرار الدائمين في المنطقة لأنه معيق ينسف التعايش بين الأديان والإثنيات والحضارات، ويسعى كي تصبح هباء ودماً .

الصراع في هذه الملحمة هو صراع العلامات وما تنتجه من توليدات للمعنى العميق والإيحاءات البليغة للواقع، ولوقائع لها بداياتها ونهاياتها.. البداية هي حضور نظام مرجعي ثقافي وإنساني ثابت في الزمن وفي المكان هو القضية الفلسطينية والقدس، والنهاية هي الإعلان الجديد عن ميلاد جديد لبنية سردية تتكلم في المشهد التراجيدي على الحياة والفعل الذي يمنع الفعل من بقائه أو دوامه، وتظهر شعرية التعبير عن العنف بالرايات الحمراء كدلالة على القتل والذبح والتحريض على قتل المقدس واتخاذ الغدر سلوكاً يومياً لعنصرية لا إنسانية، أداتها ومحركها الآلة الصهيونية وهي تريد نفي وجود إنساني تم توكيد كينونته مع إيليا، المسيح، فلسطين، المدينة المقدسة القدس كنقيض للعنف الذي تفرّخه الآلة الصهيونية .

لقد قام النص على استنطاق الرموز التي وقفت ضد كل من يزدري القيم الإنسانية، ووقف ضد كل من يرفض الدعوة إلى التعايش بين الأديان في فلسطين، أو يرفض الدعوة إلى التعايش السلمي بين الديانات في مدينة القدس مدينة السلام، وهو ما قام به الخليفة عمر بن الخطاب حين دعا إلى حرية العبادة بين المؤمنين دون انتقاص، وجعل باب القدس مفتوحاً أمام المؤمنين على اختلاف مرجعياتهم الدينية لممارسة طقوسهم وشعائرهم الدينية السمحة دون تمييز ودون فرق بين رسالة سماوية وأخرى إلا بالتقوى .

وإذا كانت هناك في هذه الملحمة استغاثة وصرخة ونداء من أجل إنقاذ القدس وإنقاذ المسجد الأقصى والكنائس والتراث الإنساني، فإن صورة وعلامات ذلك ظهرت ملتهبة بشرارات الأمل والنصر العربي بكلام الوثيقة وهي تنطق بسؤال "من ينقذ المسيح ممن قتلوا المسيح؟ من ينقذ الإنسان ممن صلبوا كل نبي؟" .

وفي ترتيب أحداث هذه الملحمة بصرياً يظهر النصر العربي مع  عمر بن الخطاب وصلاح الدين الأيوبي ومع تحرير القدس التي ستظل أبوابها مفتوحة في مدينة ستظل مجللة بالمقدّس والروحانيات والنبض الإنساني، وتظهر شارات النصر في مشاهد الملحمة في :

-الأعلام البيضاء دلالة على السلم والسلام الذي رفرف على سماء القدس .

-الإعلان عن نهاية الحكم الصليبي لأرض فلسطين ولمدينة القدس .

-السلام للمسيحيين في القدس .

-الحق في العيش الكريم .

-المزج بين الأذان ورنين أجراس الكنائس في بنية صوتية واحدة تدلّ على التمازج الصوتي بين مُقدّسين نابعين من رسالتين سماويتين هما المسيحية والإسلام اللتان ستبقيان تحملان عمق الدلالة الروحية النابعة من مدينة القدس مهبط الرسالات السماوية .

تميزت شعرية كتابة هذه الملحمة بعنف المَشاهد ومقابلة شاعرية الفرح والبهجة بعملية رش بلسم الأمل على جراحات اللحظات وآلامها، كما تميزت بأسلوبها الإخباري حين جعلت التاريخ يتكلم بلغة الوثيقة والحجة والبيان والوقائع، مقابل شاعرية الصورة التي كانت علاماتها انسياباً لدلالاتها بالمعنى الإبداعي الذي يهمس ويتكلم بصوت جهير هو رؤية هذه الملحمة وهي تغوص في أعماق القضية الفلسطينية وفي الواقع الإنساني الذي أوصل الرؤية الملحمية للعالم إلى مأساة التهجير، ورقصة الحقائب السوداء أمام حائط البراق كنذير شؤم يعلن عما سيلحق فلسطين من مآسٍ وويلات .

بداية هذا الشؤم سيعلن عنه المحتلون حين يقول الكلام : "بعد ألف عام ها قد عدنا" بعده سترصد المشاهد عنف الأحداث على الواقع متمثلة في النكبات والحروب واحتلال فلسطين والتخطيط المنهجي للتهجير القسري للفلسطينيين واقتلاعهم من جذورهم إيذاناً ببداية غدر جديد لزمن مأساوي جديد يتجدد معه فعل الصمود والثورة والمقاومة والانتفاضة الطالعة من الحجر الغائر في الذات، فيبدأ التمرد على الإرهاب الصهيوني ضد تهويد القدس، وتبدأ الانتفاضة تبوح بأسرارها وهي تحتفل بعرس فاطمة، ويبدأ تماهي الحب الفلسطيني الفردي بالحب الجماعي للوطن لتبقى مدينة القدس عاصمة أبدية للمرجعية الإنسانية ولكل الديانات .

لقد بدأ عرض الملحمة الكنعانية بالفرح في سديم السحاب المنبعث بين أرجاء الركح، في زمن حالم متخيّل، وبدأ بالبناء، وأعلن عن ميلاد الحياة على أرض كنعان، أما خاتمته فتمّت بمحاصرة التاريخ والذاكرة وتطويق المحتفلين بالزمن الفلسطيني داخل الأسلاك الشائكة التي هي علامة عنصرية على حصار عنصري بجدار عنصري جديد، جعلت الشاعر محمود درويش يهز بصوته الفلسطيني أركان الصمت المريب ليعلن بصوته العروبي عن الدعوة إلى تحرير الإنسان والمكان والمقدّس والزمن الفلسطيني، متحدياً كل لحظات العنف الصهيوني، قائلاً :

"(أيها المارون بين الكلمات العابرة، احملوا أسماءكم وانصرفوا، واسحبواساعاتكم من وقتنا، وانصرفوا، وخذوا ما شئتم من زرقة البحر ورمل الذاكرة" .

هكذا قدمت فرقة "أورنينا" ملحمة تاريخية، احتفلت فيها بشعرية التسامح الديني وأعلت راية تحرير القدس وكأنها تستنهض من جديد الهمم والسواعد والعقول والنخوة العربية من أجل فلسطين والقدس، ومن أجل الحياة بكرامة على أرض الكرامة .

 

***

د.عبد الرحمن بن زيدان

إغلاق
يلزمك برنامج Adobe Acrobat للتمكن من تصفح العدد