هاني الراهب- أديباً

كما النسمات القطبية في النهارات الحارة، تهب على صفحات الأدب والتاريخ والشعر وتبدد عنها ما تراكم من غبار أغشى العيون عن رؤية سطورها عقداً من الزمن، تعود السطور هذا العام إلى التوهج من جديد ويعود إلى الذاكرة أدب هاني محمد علي الراهب ليدخل دائرة الاهتمام الذي يستحق.
هاني الراهب لم يمت وكأن جثمانه لم يدفن بعد بل كأنه لن يموت، فإرثه الأدبي الخالد سيبقى منارة لأجيال القرون القادمة، وسطوعاً يملأ الأفق بالشعاع والعبقرية والفن. إن تطلع هاني أبداً إلى الشمس في توجهه على تحرير الإنسان من استبداد رواسب الموروث التي تطبق على العقول وتشل قدرتها على الإبداع، سيظل نشيداً تترنم به شفاه قرّائه، وتعزفه قيثارة الحياة وربابة الخلق الحزينة. فمجرة شهريار وعيسى بن هشام وشهرزاد وأبي الفتح الإسكندري وأفق زاد ودهريار ستظل ترفل بنجومها المشعة هدى للتائهين في دروب الفقدان والتضليل. ولئن شبت الرواية العربية خلال القرن العشرين وارتقى العديد من الروائيين العرب أشد الميول صعوداً إلى قمة الأدب، ونال أحدهم جائزة نوبل، إلا أن فن الرواية وتقنيتها وربط الأزمنة عبر العصور بالشخصيات التي عاشت تلك الأزمنة مدرسة لم يستطع روائي أن يكون معلماً فيها بكفاءة هاني الراهب.
ولد المرحوم هاني الراهب عام 1936 في بيت من بيوت الأحياء الفقيرة في مدينة اللاذقية، وفتح عينيه على النور في مطبخ مشترك لساكني دار التمرات عندما كنت في السادسة من عمري، وكانت طبول الحرب العالمية الثانية تقرع بعنف منذرة بدمار الأرض وفناء البشر. أمه نزهة كانت أمية، وأبوه الشيخ محمد علي الراهب كان أصماً وأبكماً لا يسمع ولا يتكلم. لكنه كان قادراً إلى حد الإدهاش على التحاور مع الآخرين بإشاراته المعبرة ومعرفته بالقراءة والكتابة. كان يكتب أسماء كل الأشخاص والأشياء والمخلوقات التي يعرفها أو رآها من قبل، ويرسم على الورق ما لم يعرف اسمه من الأشياء. عائلته الكبيرة المكونة من أب وأم وتسعة بنين وبنتين، أثقلت كاهله وأجبرته على العمل بمهنتين الفلاحة وخياطة الثياب. وبعدما مات ثلاثة من أبنائه قبل أن يبلغ أي منهم السابعة عشر من عمره كان ابنه علي قد شب وتولى مسؤولية الإنفاق على العائلة بكاملها.
لكن الزمن لم يمنح عليّاً من العمر سوى واحد وعشرين عاماً فمات حباً وشغفاً بفتاة رفضتها أمه أن تصبح زوجة له. فعاد الأب بأولاده من اللاذقية إلى قرية مشقيتا، وراح يكدح من جديد إلى أن توفي عام 1940 بينما ظلت الأم تلازم قبر ابنها علي وتمكث في جواره ساعات كل نهار تكفيراً عما ترسخ في اعتقادها بأنها التي تسببت بموت ابنها، إلى أن لحقت به عام 1956 ودفنت في جوار قبره وهكذا تيتم هاني أباً وأماً وهو ما يزال طفلاً.
في عام 1951 عينت معلماً في مدرسة القرية الابتدائية، فاطمأن هاني إلى أنه سيتمكن من متابعة دراسته، لكن التحاقي بالكلية العسكرية عام 1954، أرغمه على الانضمام إلى أسرة أخيه المرحوم سليمان، المكونة من ثلاثة عشر شخصاً يعيشون على القروش اليومية التي يتقاضاها أخوه من غسل وكيّ الثياب.
حصل هاني على شهادة الدراسة الثانوية ومنح لتفوقه مقعداً دراسياً في جامعة دمشق، وراتباً شهرياً قدره 175ل.س وفي العام ذاته 1975 تخرجت من الكلية العسكرية وعينت ضابطاً في أحد تشكيلات قطنا العسكرية. استأجرت منزلاً في دمشق، وأخرجت هاني من أقبية الشعلان ليسكن معي.
لكن البحبوحة المستجدة كانت طارئة ولم تدم طويلاً، فما أن قامت الوحدة بين مصر وسورية حتى نقلت إلى القاهرة مع عدد من الضباط العقائديين، ولم يعد أي منا إلى سورية إلا بعد وقوع كارثة الانفصال عام 1961، وعندما عدنا لزمنا بيوتنا إلى أن صدر القرار بتسريحنا من الجيش.
وقبل الانفصال ببضعة أشهر قام هاني مع مجموعة من طلاب جامعة دمشق بزيارة إلى القاهرة حاملاً إلي أولى رواياته المشهورة (المهزومون) قدمها إلي قائلاً: اقرأ فاتحة روايات أخيك التي حازت على جائزة الآداب، لتعرف أن أخاك لم يهدر ما أنفقتموه عليه، ولم يبدد ما شقيتم به لمساعدته. ثم سألني: أفلا تكفي هذه الرواية لتعويض بعض ما قدمتوه إلي؟
لم يكتف هاني بهذا التعويض السخي، بل شق طريقه في وعر يستعصي على العبور. تخرج من الجامعة وعين معيداً فيها، ثم حصل على شهادة الماجستير من الجامعة الأمريكية في بيروت، وعلى الدكتوراه من لندن بعد أن حقق نجاحاً فائقاً في أطروحته المعروفة الشخصية الصهيونية في الرواية الإنكليزية التي ترجمت إلى عدة لغات. ونتيجة لهزيمة العرب في حرب حزيران عام 1967 أطل علينا عام 1970 بروايته الثانية (شرخ في تاريخ طويل) وفي عام 1977 أشرق بقوة على أفق الأدب الروائي بروايته (ألف ليلة وليلتان) واستنفر عام 1983 أقلام النقاد بروايته المشهورة الوباء ثم بروايته (بلد واحد هو العالم) عام 1985 وبين عامي 1985 و1988 نشرت روايته (التلال) وفي عام 1992 قدم الجزء الأول من خضرواته (خضراء كالمستنقعات)، ثم (خضراء كالحقول). وفي بداية عام 1999 (خضراء كالبحار) وفي صيف العام ذاته درته الرائعة (رسمت خطاً في الرمال) إضافة إلى ما كان قد نشره من قصص قصيرة بعنوان (جرائم دونكيشوت) وترجمته لكتاب (الغبار) الذي ألفته يائيل دايان. وثمة روايتان أخريان إحداهما تتحدث عن معاناته خلال عام 1999، لكن الموت لم يمهله لاستكمال فصليهما الأخيرين فتركهما في منزله ورحل وفي روايته (رسمت خطاً في الرمال) تظهر الكنوز التاريخية في ذاكرة هاني ويتجلى مستوى الثقافة والأدب ونجاحه في استخدام الزمن ليس كتاريخ يستند إليه وإنما كحاضر تتجلى فيه رواسب التاريخ وأحداث الماضي في واقع نعيشه ساعة، فعندما يستحضر بديع الزمان الهمذاني وشهرزاد وشهريار وأبا فتح الإسكندري، ويستخدم اسم دهريار وأفق زاد ينقل الزمن الموغل في القدم إلى الحاضر الذي نحياه ويجعل القارئ يعتقد بأن نفوس وعقول وتعامل شخصيات الرواية ينتقلون من القرن العشرين إلى القرون الماضية، وهنا تختلط الحضارة بالتخلف ويطفو التخلف على السطح.
لن أخوض في تحليل ونقد روايات هاني الراهب لأني لست ناقداً ولأن النقاد كتبوا في أدبه كما لم يكتبوا في أديب مبدع من قبل.
لكنني أودّ التنويه إلى أمر هام قد يجهله العديد من النقاد ومن قراء روايات هاني الراهب، وهو أن البيئة التي ترعرع فيها هاني كانت استثنائية وذات أثر بالغ في أسلوبه وتفكيره، وفي التقنية العالية التي اتصفت بها رواياته، فورود العبقرية والإبداع لا تنفتح إلا بين أشواك المعاناة والألم.
لقد نما هاني وترعرع كما لم يكن له أب وأم ومستقر يركن فيه إلى السلام. وجميع الكنوز اللغوية والعقائدية والفلسفية التي تميزت بها كتاباته كان قد امتلكها بتجاربه وتفكيره ومطالعاته وتعمقه في دراسة التاريخ ثم بتفتيت عناصر هذه المكونات وإعادة تجميلها في قالب الحقيقة بتقنية عالية غير مسبوقة وبجرأة لابد لأي أديب أن يتصف بها كي يكون أديباً. إن الفقر الذي عاناه هاني إبّان الحرب العالمية الثانية وموت أخيه وكفاح أبيه وترحاله بين القرية والمدينة وموت أمه وتنقله بين أخوته من بيت هذا إلى بيت ذاك وتعرضه للمهانة والمطاردة بسبب أفكاره وآرائه والانهيارات السياسية والقومية التي عمت الوطن العربي خلال حياته، فتحت عينيه وعقله وحواسه على التخلف الذي تعانيه أمته. فخلع عنه رداء الخوف الذي يشكل العامل الأساسي في أركان هذا التخلف ووضع كل نقطة حيث يجب أن توضع فوق الحروف.
لكن ما يؤلم إلى حد الصراخ وفقدان الوعي أن المرض قد داهمه وهو في أعلى منسوب لفيضان عطائه. ولو أنه عاش عشر سنوات أخر، لما احتسب ما أنتجه سوى غيض من فيض لا ينضب.
بعد استئصال السرطان من جسم هاني، ظل الأطباء عاماً كاملاً يؤكدون بعد كل كشف دوري، أن جسده أصبح خالياً من المرض. وليس عليه سوى أن يتجنب البرد والتوتر العصبي والقلق النفسي. وعندما أنهى إقامته في الكويت وعاد إلى مأواه في دمشق كان مطمئناً إلى أنه يتمتع بكل العافية، وإلى أنه وفر من المال ما يكفيه وعائلته لتأمين حياة مستقرة وكريمة تؤمن له المناخ الملائم للكتابة والتأليف، وسرعان ما نشر روايتيه الأخيرتين (خضراء كالبحار) و(رسمت خطاً في الرمال) ولم يمض طويل من الوقت حتى اكتشف فجأة أن مرض السرطان لم يغادر جسده وتشبث فيه بانتشاره في أعضاء جسده كافة هاني الميت جسداً والحي فكراً كالأبد والخلود، عاش عامه الأخير مغترباً في الحياة ولديه شعور بأنه دوهم ونهش إلى أن تعرى جسداًَ وكرامة، فحمل جراح كرامته الدامية ومزق جسده وهام يبحث عن مخرج له. اعترضته نواتئ الصخور المتشابكة كغابة من أنياب، لكنه استمر في التقدم زحفاً، إلى أن عبر نهر المهانة. وعلى الضفة الأخرى رسم خطاً في الرمال ومات.


