مهرجان دمشق المسرحي الخامس عشر

للندوات الفكرية المرافقة لدورات مهرجان دمشق المسرحي وهج فكري وألق حضاري وإشكاليات فنية، والنقاش فيها يثير العديد من الأسئلة، ويغني القضايا المسرحية من جوانبها المتعددة ويطرح قضية المنهج وتطبيقه على بساط جدل وحراك ثقافي وفني بين النخب المسرحية والثقافية .
ولو تعمّقنا في قراءة عناوين هذه الندوات منذ الدورة الثانية للمهرجان (لم تُعقَد في الدورة الأولى ندوة فكرية) سنجد أنها ناقشت موضوعات ساخنة، امتزج فيها الموضوع الثقافي والفني والاجتماعي بالسياسي والاقتصادي، بمعنى أنه لا يمكن عزل القضايا المسرحية والثقافية عن بعدها السياسي والاقتصادي والاجتماعي طالما أنها لخدمة الإنسانية، لذلك ارتأت إدارة مهرجان دمشق المسرحي الخامس عشر أن تعقد ندوتها الفكرية حول "المسرح والشباب" وقد أقيمت على مدى يومين ضمن محاور هي :
1-المشروع الفكري والفني الجديد والشاب .
2-إشكاليات التمويل بين المؤسسات الرسمية والمؤسسات الريعية الراعية .
3-جمهور المسرح الشاب ولغة المخاطَبة .
4-الأشكال الفنية الجديدة التي يقترحها المسرح الشاب .
5-معايير التقييم الجديدة وإمكانية وضع أسس نقدية لتصنيف المسرح الشاب .
وقد جاء في ورقة عمل الندوة : "المسرح في عالمنا العربي يمر بمرحلة حرجة وحساسة ومنافسة قوية تؤثر على مكانته، بل وحتى على وجوده، وأحد أهم أوجه هذه المنافسة يكمن في مستقبل هذا المسرح والذي يقع على عاتق الشباب المسرحي وهم الضمانة الحقيقية لإخراج المسرح من أزمته وعودته ليكون فاعلاً على الصعيد الفني والفكري والثقافي، ومتواجداً في ذاكرة الثقافة الوطنية والمتطلبات الروحية لدى الإنسان العربي وأحد أوجه التعبير عن قيم المجتمع وأخلاقه ورؤاه" .
اقترح المهرجان موضوعاً فكرياً ناقش قضايا مستقبل المسرح انطلاقاً من الواقع، لكن ما جرى مناقشته في الندوات كان ينتمي إلى مسرح الهواة والمنظمات الشعبية أكثر من انتمائه إلى مسرح الشباب، إذ نوقشت هذه القضية في ندوتين سابقتين: الأولى في مهرجان دمشق المسرحي الثالث عشر، والثانية في مهرجان الشباب الخامس في حلب، فالموضوع إذاً ليس جديداً، وإن دلّ هذا على شيء إنما يدل على اهتمام المهرجان بهذا الجيل الشاب واحتوائه، أو إلى استسهال الموضوع المطروح سابقاً .
وقد اقترحت ورقة عمل الندوة المبادئ التالية:
-المسرحيون الشباب هم الذين يتصدون للعمل المسرحي ولم تتجاوز أعمارهم الخامسة والثلاثين عاماً .
-العروض المسرحية الشبابية هي عروض مسرحية احترافية، تقدمها فرق مسرحية أو تجمعات مسرحية ناشئة، وهدفها الأساسي مخاطبة الجيل الشاب والتعبير عن طموحاته وإمكانياته .
قدمتد.ميسون علي مداخلتها في اليوم الأول تحت عنوان "اللغة في البحث عن جمهورها" ضمن محور جمهور المسرح الشاب ولغة المخاطبة، فقالت : "شهد العقد الحالي في سورية، وتحديداً مدينة دمشق، حضوراً مكثفاً للكتابة المسرحية وإنتاجها من خلال نصوص كتّابها من الشباب، وبعد أن بدأت هذه المبادرات خجولة ومبعثرة بدأ هاجس الكتابة يظهر بآليات مختلفة تعززت بتشكيل مجموعات كتابة وبرامج طويلة الأمد للكتابة المسرحية وورشات عمل تخصصية وقراءات مسرحية، وما يلفت النظر بشكل أساسي في هذه النصوص رغبة كتّابها في اختيار الكتابة المسرحية بوصفها أداة للبحث في بنية المجتمع ومحاولة رسم تفاصيله وقراءته والكشف عن زواياه الضيقة، ولتكون المحاولات الجديدة فردية في الإطار العام، إلا أنها ملتزمة بحاضرها وهمومه، مثل جرائم الشرف وعلاقات المدينة والمكون الديني في الحياة والمثلية الجنسية والعزلة المجتمعية" .
وكانت مداخلتها في اليوم الثاني حول الكتابة المسرحية الجديدة انطلاقاً من موضوعات تناولها الكتّاب الشباب لكسر التابوهات والاقتراب من المحرمات، فنص مثل "الفيروس" يقدم إدانة للمجتمع فيما يخص موقفه من الجنس خارج مؤسسة الزواج، بينما يركز نص "آخر العشاق" على أسباب الكبت الجنسي وموضوع الأهل، ولا يبتعد نص "مولانا" عن فكرة التمرد على البنى التقليدية للدين، وهذه الموضوعات لم تغُص في عمق المشكلة بل عولجت بشكل سطحي، ولم تُربَط بسياقاتها، بينما كانت من حيث البنية الفنية لا تنضوي تحت أي شكل مسرحي جديد، بل تنتمي إلى قوالب تقليدية نموذجية، إذا استثنينا نص "خيل تايهة" الذي يبني الحكاية عبر لوحات يتناول فيها السرد والغناء ويغيّب الحوارات ويتعدد فيه الرواة.
الجيل الجديد لم يولِ اهتماماً للبعد الإيديولوجي والقضايا الكبرى، إنما ركّز على الأنا الضائعة والمتمردة والمضطربة من دون البحث عن هوية الشباب أنفسهم .
في حين كانت مداخلة د.طلال درجاني من لبنان حول المشروع الفكري والفني الجديد والشاب، فرأى أن المسرح منذ القِدم كان شبابياً، وأن الأزمة موجودة منذ وجِد المسرح في التربة العربية لأن قوانين النشأة كانت غير أكاديمية، لذلك أكددرجاني على عدم وجود مسرح عربي إلا من خلال بعض التجارب القليلة، وفي الوقت نفسه يشك بوجود نهضة على مستوى المسرح العربي، ويعلن أنه على المسرحيين العرب أن يعملوا على إيجاد ولادة جديدة للمسرح العربي على أسس أكاديمية وعلمية، انطلاقاً من الجامعات والمعاهد والمناهج العالمية .
وفرّق درجاني بين الشباب عامةً والشباب الذي يعتمد المنهجية أساساً لبناء الفنان، ويرى أننا نستطيع صياغة السؤال حول كيفية الوصول إلى المشروع الفني والفكري الجديد مع الشباب من خلال المخرج الشاب والممثل الشاب والجامعة، وهم نقطة انطلاق نحو عرض مسرحي ناجح .
واستعرضدرجاني منهج ستانسلافسكي وقوانين الفن المستمدة من قوانين الطبيعة الإنسانية، وأكّد أن الممثل يبني الشخصية على الخشبة وفق منهج محدد بعد التمارين اليومية المشابهة للأفعال، وقال : "يجب أن نعي أنه بولادة المنهج تنتهي الفوضى في العمل المسرحي والارتباك الحاصل بسبب مزاجية في الرأي الضعيف والعفوية الناتجة عن الضياع في فهم الكاتب وإدارة الممثل والتخطيط في تنظيم العرض، وهذه من أهم الأسباب المؤدية لعدم وجود مسرح عربي" .
وأكد درجاني أن المسرح ليس مجرد صور فوتوغرافية للحياة، وليس تسجيلاً حرْفياً للغة الشارع اليومية، وليس تركيباً هندسياً منسقاً ومنظماً للحركة والإيقاع، وليس واقعاً مصطنعاً من ناحية التجديد في الشكل والمضمون، بل انعكاس الحقيقة الواعية للحياة وامتلاك الحق في ابتداع الأشكال من الخيال وتحقيقها بأشكال خاصة بالمسرح وليس بأشكال الحياة نفسها كما رآه المخرج بوريس زاخافا .
وأعطى درجاني الحق للمتلقي -بعد مشاهدته للعرض- في طرح أجوبة على أسئلة مقنعة مثل : "لماذا طرحت هذه المشكلة بالذات؟ وما هي الطريقة الفنية والفكرية التي سلكها العرض؟ وما هو الحدث المميز؟ وما هي طريقة معالجته فنياً من قبل شخصيات النص على الصعيد السياسي والاجتماعي والفكري؟ بم تتميزون عن الناس؟" ولا يعرف درجاني أن كان المخرج الشاب يستطيع الإجابة على هذه الأسئلة أم لا؟ لكنه يحفّز خياله في إثارة هذه الأسئلة بعد خروجه من العرض، ويؤكد أن معظم الأعمال المسرحية العربية في حالة ضياع كون الممثل لا يمسك بعمق خيوط الشخصية .
واختتم درجاني مداخلته مؤكداً : "لإنجاح المشروع الفني، وليكون الفكر جديداً لدى الشباب عليهم أن يعتمدوا الأكاديمية كمبدأ أساسي، والكلاسيكية كقاعدة لا بديل لها للّغة المعاصرة، والانفتاح على ثقافة الآخر ومعرفتها جيداً كهدف رئيس، والعمل على تطوير الذات وبصورة مستمرة، فيصبح هذا خبزهم اليومي" .
بينما كانت مداخلة د.يونس لوليدي بعنوان "عندما يثور مسرح الشباب على النص الدرامي"، وعنوان المداخلة يشير إلى تهميش دور النص المسرحي أو التقليل من شأنه لدى المخرجين الشباب الذين تيقّنوا من موت المؤلف المسرحي والاعتماد على رؤيتهم وعلى جسد الممثل فقط كمكوِّنين أساسيين للعرض المسرحي، وبالتالي الاعتماد على الجسد من خلال الصورة البصرية، فيما العرض هو جسد وروح وفكر .
بيّن لوليدي أن المخرجين الشباب تأثروا بعدد من منظّري المسرح الذين أكدوا أن الحوار كنص هو كلام ميت لا معنى له، وأن النص خارج العرض لا معنى له عند اوبرسفيلد، فالمخرج الشاب يقتطع جزءاً من الكل خارج السياق بحيث يفسر كما يريد، ويستشهد لوليدي بـ إيكو في تعريف النص بأنه آلة كسول يتطلب من القارئ عملاً مضنياً من أجل ملء الفضاءات الفارغة، وكذلك يرى برنارد دورت أن العمل المكتوب لا يتحقق وجوده إلا من خلال اللعب، فالعرض هو الذي يؤسس المسرح وليس العكس، وهنا لابد للمرء أن يطرح جملة من الأسئلة : "ما الذي جعل الكتّاب العظام خالدين إلى الآن؟ نصوصهم أم عروضهم؟ ما الذي جعل المسرحيات خالدة حتى الآن؟ هل ما تحمله هذه الشخصيات من بعد إنساني وما ترسمه من قيم وأفكار أم بفضل الممثلين الذين أدّوا هذه الأدوار؟ كم من المخرجين أنجزوا نصاً لهؤلاء الكتاب؟ هل نسينا المخرجين أم نسينا نصوص الكتاب؟" .
وانطلق لوليدي من النص الذي يعتبره نواة العرض وأنه مليء بقيم عاطفية وجمالية لن تظهر إلا بواسطة اللعب، ثم يركز على ثلاثة أشياء في النص والعرض هي الفكر والروح والجسد كمنطلق لأي عمل فني .
إن أي نص يحمل فكر المؤلف وفكر مجتمعه وفكر عقيدته وفكر التيار الأدبي أو الفني الذي ينتمي إليه وفكر القضية التي يدافع عنها، فالمؤلف يعبر عن الفكر، والكتابة ليست هدفاً في حد ذاتها، بل وسيلة، وكل خطاب موجه إلى المشاهد هو خطاب يحمل فكر المؤلف حتى ولو حملته الشخصية على الخشبة .
المخرج ينطلق من فكر المؤلف، وفي الوقت ذاته يحمل فكره الخاص الذي يناقض أحياناً فكر المؤلف لأن فكر المخرج الشاب هو فكر عصره، فكر جمالي وهندسي يسعى إلى التعبير والتحقق بالأحاسيس والمشاعر التي تعكسها لغات سمعية وبصرية، بينما الممثل يحمل فكر المؤلف وفكر المخرج وفكر الشخصية التي يقدمها وفكره الخاص، وبالتالي يعكس فكر مجتمعه كونه الحاضن الذي يحتوي على جميع الأفكار ويعكسها إلى الجمهور .
الروح هي الأحاسيس والمشاعر والدوافع والنفس والوجدان والسلوك الفطري والمكتسب، لكن العمل الدرامي يحمل سراً وجانباً غامضاً من هذه الروح.. وفي المسرح الروح هي روح الشخصية وروح الممثل، روح العرض هي تلك اللحظة السحرية والمقدسة التي ينتفي فيها الزمان والمكان والحدود وتنصهر فيها كل ذوات المبدعين والشباب وتتحقق فيها الهلوسة الجماعية.. في هذا السياق تختفي الأجساد (كجسد المخرج والمؤلف، وحتى المتفرج) ويظهر جسد الممثل وحيداً في العملية الإبداعية حضوراً وروحاً وثقافة وفكراً .
واختتم لوليدي مداخلته قائلاً : "لا مسرح من دون نص، ولا مسرح من دون فكر وروح وجسد".
مداخلة الفنانة رغدة الشعراني كانت حول حقوق وواجبات مسرح الشباب، وتساءلت فيما إذا كان لدينا مسرح شباب، لكن ما هو مسرح غير الشباب /الآخر/؟ الكهولة أم مسرح الكبار أم المحترفين؟ وترى أن المسرح هو مسرح بغض النظر عن التسمية، وأية تسمية هي منح ميزة إضافية إليها .
وقد لاحظت الشعراني من خلال التجارب أن مسرح الشباب يعامَل كالتالي : هو غير مستقل بل تابع لتنظير وتقييم الكبار، وهو مازال تحت الاختبار، وقليل الميزانيات.. ورأت أن مسرح الشباب هو تسمية للمسرح الكادح المجرد من أية ميزة إضافية، وأن الحل هو وضع الثقة في الشباب وإعطاء الحق لهم في تقديم رؤاهم ودعمهم لإطلاق مغامراتهم ووقف حالة التشكيك بقدراتهم، واختتمت مناشِدة الكبار : "دعونا نعيش تجربتنا كما نريد لا كما تريدوننا أن نعيشها" .
بينما دارت مداخلة الفنانة نورا مراد حول العمل الثقافي المستقل وإشكاليات التمويل، معتبرةً أن الجزء الأكبر من العمل الثقافي المستقل مرتبط بعمل الفرق والتجمعات المسرحية الشابة وبإتاحة فرص التمويل المتاحة وبالآليات المتبعة، ولاحظت غياب سياسة معلَنة تطرح أجندة واضحة يتم من خلالها تفعيل وتنظيم آليات العمل، وأكدت أننا نستطيع أن نجزم أن المؤسسة الرسمية هي التي تخطط وتشرّع وتموّل كل النشاطات الثقافية .
وأضافت مراد : "يتمحور الإشكال الأساسي حول عدم تطوير اللوائح القانونية والإدارية الناظمة للعمل، وتالياً فإن المعاناة تكمن في غياب الصيغة القانونية لشكل التعاون بين المؤسسة الرسمية والفرق المستقلة، وفي الوقت نفسه لا تلعب المؤسسة دوراً تشجيعياً في تسويق عروض الشباب المسرحيين عن طريق المهرجانات العربية والعالمية أو عن طريق الوسائل الإعلامية، كما أن مركزية العمل الثقافي في دمشق تحرم الناشطين الثقافيين الشباب المقيمين في باقي المدن السورية من الظهور الفاعل على الساحة الفنية، لذلك فإن اللجوء إلى تمويل المراكز الثقافية الأوروبية هو الخيار الحالي أمام المسرحيين الشباب، إذ تلعب هذه المراكز دوراً فاعلاً في دعم النشاط المسرحي المستقل ضمن قواعد ونظم واضحة، ونعلم أن هدف دعمها هو تطبيق السياسات الثقافية لبلدانها والتعريف بثقافتها ونشر لغاتها والترويج لمثقفيها" .
إن غياب الأجندات الواضحة للفرق المستقلة هو الإشكال الأكبر، فغياب التمويل يدفع بالشباب إلى تبني سياسة اقتناص الفرص حتى لو كانت على حساب الخيارات الفنية، ما يؤثر على اختيار المواضيع والأشكال الفنية، ثم إن غياب مساهمة القطاع الخاص في الدعم والرعاية اعتبرته مراد أحد أهم الأسباب التي تجعل المستقبل أمام الشباب غامضاً، ورأت أنه رغم إصدار قرار إعفاء ضريبي لكنه اقتصر على المشاريع التنموية والثقافية والطبية الخاصة بالمعوقين ودور الأيتام، ولا يوجد ذكر للمسرحيين، ويشكل غياب هذه الجمعيات التي تدعم العمل المسرحي فراغاً كبيراً رغم أنها داعمة للموسيقيين والتشكيليين، لكن العمل المسرحي لم يغرِ أحداً بعد.. وأخيراً تحدثت عن تجربتها في إدارة فرقة "ليش" المسرحية، معتبرة أن العمل المسرحي يأخذ مكانة أكثر على الساحة الفنية السورية من الإقليمية وبنسب مختلفة على الساحة العالمية .
وقدم الكاتب عبد الله الكفري مداخلة رأى فيها أن اللغة هي خيار متقدم اليوم، تتبنى خطاباً مقتصداً ترافَق مع توجه الاشتغال على نصوص أجنبية ومحاولة إنجازها في المجتمع السوري المعاصر، وعندما بدأت تظهر مفردات لصيقة بالبيئة اتسع مفهوم الحرية الجنسية والاجتماعية والدينية، ولاقى هذا الأمر ردود أفعال متباينة بين الجمهور .
وأضاف : "إن هذه التجارب تهدف إلى الاستمرارية رغم المستويات المختلفة في وضعها وتقييمها وقراءتها وتحليلها، ثم إن إحدى الإشكاليات التي تواجه نصوص الشباب أنها لا تستهوي بخطابها المخرجين، والأسباب تبدأ بشروط الإنتاج، وتشمل العلاقة مع فضاءات العرض من دون إغفال القلق في تلقيه".. وتوقف عند نقطتين هما : المؤسسة الرسمية في تعاطيها مع الشباب وتحليل جمهورها وحاجة المسرح إلى إعادة كسب جمهوره والعمل على تشكيل جمهور جديد كما في تجربة عبد المنعم عمايري ورغدة الشعراني وفرقة "كون" ووجد أن الجيل الشاب استفاد من بعض الفرص الخارجية وبدأ ينجز مشاريع مسرحية بمعادلات جديدة، منها فرق "ليش"و"باب" وتجمّع دمشق الفني وبعض العروض الأخرى التي لا تكون لها صفة التجمع أو الفرقة، وفي هذه العروض كان حضور اللغة على مستوى الخطاب والمعالجة أكثر مشاكسة مع الجمهور، ورأى أن إحدى سمات هذه العروض المراهنة على المضمون والعلاقة مع الممثل بوصفه صانعاً ومرسلاً للخطاب ما يتطلب جمهوراً مثقفاً لا نخبوياً.
واختتمالكفري : "يبدو أن تصنيف المسرح الشاب بدلاً من مسرح الشباب هو خطوة أساسية لعلاقة أفضل مع الجمهور، إلا أنه حتى الآن لا يمكن قراءته إلا من خلال مؤشرات أولية لا ترصد العلاقة مع المتلقي بقدر ما هي مشروعة لتبحث عن أطر للتمكين من خلال تمكين الجمهور نفسه واستهدافه بآليات إنتاج وعروض يتعلق بعضها بالتسويق وبالعمل خارج إطار الصالة والخشبة" .
وأشار د.فادي سكيكر إلى تجارب مجموعة شبابية من الأردن، منها تجربة المخرجة لانا ناصر التي تدفع المتلقي إلى حالة مساءلة ومشاركة وجدانية عبر تعاونها مع النساء في المخيمات، وتسعى للحصول على التمويل عبر سفارات غربية موجودة في الأردن، وغالباً ما يأتيها الدعم من أجل إقامة ورشات عمل مع النساء والفتيات في مخيمات اللاجئين، إذ تستمد المخرجة أفكارها من إقامة هذه الورشات .
والتجربة الثانية هي تجربة مسرح "دفا" لـ حسام عابد، وينقسم عمل المخرج فيه في مجال المسرح التربوي إلى عروض مسرحية تجريبية أولاً، وإقامة ورشات عمل مسرح الدمى ثانياً، ويتقاطع هذا العملان عبر ربطهما بمفهوم المقاومة بمعناها الرمزي ضد الاحتلال، ويبدأ كل عرض بجملة ترحيبية : "يسعد مساك يا بنت" حيث تكون هذه الجملة آخر تذكير للمتلقين لحزم الأربطة والانتقال إلى عالم متخيل، قوامه الدمى والموسيقا والحكي الشعبي، بينما أقام مختبر عمان المسرحي عرضاً في شقة جُسِّدت فيها الشخصيات مع الدمى مع عرض لمقاطع فيديو .
واستنتج سكيكر أن الفرق الثلاثة تهتم بإقامة ورش عمل في المجتمعات المحلية وتقديم حالة أدائية من دون الاهتمام بالعروض التقليدية، ولا تهتم بالتمويل الحكومي.. إنها فرق مستقلة، تتعامل مع الفن المسرحي بإحساس اجتماعي فكري على أساس المشاركة، وهي مهتمة بتأسيس شراكة عربية ودولية .
بينما كانت مداخلة الفنان رأفت الزاقوت مرتجلة، فرأى أن أشكال المسرح عديدة ولا نعرف ماذا نريد منها، هل نتوجه للمسرح الحقيقي؟ أم نعمل في المسرح لتقديمه في المهرجانات؟ بمعنى أن المسرح خلال السنوات الأخيرة كان يتجه نحو الشكلانية والإبهار بعيداً عن المضمون الفكري، في الوقت نفسه اشتغل المسرحيون الشباب على التكنولوجيا والمشهديات البصرية خارج سياق العرض وتجاهلوا الممثل الذي يعتبره الزاقوت الحامل الأساسي لفكرة العرض والمشاعر والأحاسيس .
وكانت مداخلة د.وطفاء حمادي من لبنان حول الحداثة وما بعد الحداثة في ممارسات الشباب المسرحية، وبعد المقدمة الطويلة تطرقت حمادي إلى إشكالية البحث والمنهج، وتساءلت هل تمكّن هؤلاء الشباب من خلال ممارستهم من تقديم خطاب جديد ذي خصوصية؟ أم اكتفوا بتقليد ما وفد إليهم من هذه المؤثرات؟ وهل توصل هؤلاء إلى ترسيخ تقاليد تؤسس لمسرح شبابي على المستوين الفكري والفني؟
وقدمت حمادي بعض المفاهيم ما بعد الحداثية من خلال النص المسرحي وصفاته كأن يكون النص متعدد العوالم والقضايا، وفردي التشظي والتناقض، إذ يرفض الشباب البنية السردية التقليدية في نصوصهم، كما يرفضون فكرة الشخصية المتكاملة من أجل التأكيد على الذات المجردة من الصفات الإنسانية، وفي عملية البحث عن النص ما بعد الحداثي ترى حمادي أن النص السوري الشبابي قطع أشواطاً في هذا التوجه من خلال نصوص عبّرت عن هواجس الشباب ومعاناتهم وقلقهم اليومي، فهم يقدمون هويتهم ويعبرون عن ملامحهم ويبحثون عن علاقة عاطفية سوية .
لقد فتحت مرحلة ما بعد الحداثة الفنون على بعضها وكسرت الحدود، بحيث تم استخدام التقنيات التقليدية والحديثة معاً عندما تم التخلي عن المركزية لصالح الديمقراطية لإفساح المجال أمام الأصوات المهمَّشة للتعبير عن آرائها باستخدام تقنيات الفيديو آرت والتشكيل والاختصار والتوليف والمؤثرات الصوتية والضوئية .
هذه التأثيرات التي شملت الفن المسرحي جاءت متساوقة مع البينة الثقافية والفكرية والسياسية حيناً، ومتجاوزة لها حيناً آخر، ولكن هذا التساوق والتجاوز والتشظي يثير سؤالاً إشكالياً في البحث .
وتحدث الباحث إدوارد زعيتر من أمريكا قائلاً: "إن الأشكال الجديدة للمسرح التجريبيّ في مدينة نيويورك واحتضانها ثقافة جيل الشباب لها أهمية كبيرة كخروج الجمهور من الوقار لمشاهدة أعمال كوميدية، إلى سرقة الأعمال الكلاسيكية الكبرى للجيل السابق والتقليل من أهميتها، وهي ظاهرة تسيطر على هذا المسرح، واستحضر زعيتر تجربة فرقتين مسرحيتين أميركيتين شابتين تعبّران عن تغيير جيل في المسرح العالمي المعاصر، إذ تتمحور أعمالهما حول أفلام سينمائية عمرها نحو خمسين عاماً لم يُشاهدها سوى عدد قليلٍ من الجمهور .
وتظهر ارتجالات المسرح على الخشبة، إلاّ أن الانفتاح على الاحتمالات في المسرح الأميركي أكثر جرأة، خصوصاً مع وجود قاعدة عرض للمسرح القديم أو الكلاسيكي،وهذا غير متوفر بكثرة في البلاد العربية، أي أنّ الحداثةَ العربية في المسرح أتتْ بعد قطيعة مع المسرح الكلاسيكي العالمي .
التجربة الأولى التي أشار إليها زعيتر تستبدل الأفعال الدرامية بالطقوس الخالية من الأهمية الدينية والطائفية، كون أعضائها ينتمون إلى ثقافات متعددة، والتجربة الثانية تستبدل الأفعال الدرامية بمحاكاة، مرة من الأفلام، وأخرى من التلفزيون، مؤكدة على التقنيات بتأثير مختلف .
بينما كانت مداخلة الناقد التونسي عبد الحليم المسعودي حول إشكالية التسمية ضمن واقع التحولات الاجتماعية، فرأى أن مفهوم مسرح الشباب هو مفهوم فضفاض بالنسبة للواقع المسرحي العربي ونقده ومهامه التقييمية والتأويلية والمعيارية، وقد ربط المسعودي مفهوم مسرح الشباب تاريخياً بثورة الطلاب في باريس عام 1968 كما يؤكد جورداي، وتحول المفهوم في البلدان العربية إلى التجديد المسرحي أو إيجاد مسرح بديل على خلفية وجود مسرح قديم مكرس لم يعد يستجيب للتطلعات الجديدة لجيل مسرحي ناهض، إلا أن هذا التجديد غير منفصل عن الحراك الاجتماعي والتحول السياسي في فترة الستينيات في سورية وتونس .
واستحضر المسعودي مثالاً كي يؤكد أن مسرح الشباب كان فاعلاً في الحياة المسرحية التونسية وذلك من خلال البيان الذي وقّعت عليه مجموعة من الشباب التونسي وسمي ببيان الأحد عشر عام 1966 وتجسد هذا المفهوم في التجربة السورية من خلال بيانات من أجل مسرح عربي للكاتب سعد الله ونوس في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات .
ولاحظ المسعودي صعود عدد جديد من الشباب على خشبات المسارح العربية في العقدين الأخيرين سواء على مستوى عدد الفرق الشابة أو على مستوى المخرجين أو الكتاب أو الممثلين، ما شكّل ظاهرة بارزة على المستوى المؤسساتي وحجم الدعم الذي تخصصه الدولة لتمويل هذه المشاريع، ويمكن ترجمت ذلك إلى عدة نقاط، هي إجبار المؤسسة الرسمية على إعادة مراجعة حجم الميزانية العامة للدعم المسرحي، وزيادة حجم القيمة المالية، ونشوء صراع خفي بين جيلين، والاختلاف في تقييم التجارب الشبابية، بحيث انقسم الجيل القديم إلى محب ومدافع عن هذه التجارب لأسباب منها فكرة الأبوة المسرحية وتسليم المشعل، ونوع آخر متخوف ويطالب بالمحافظة على التقاليد والأعراف المسرحية واحترام مقدسات الكلاسيكيات .
وتطرق المسعودي إلى السؤال النقدي وطرَح إشكاليات منهجية وعلمية وتساءل "هل مسرح الشباب مرتبط فعلاً بفترة تاريخية جديدة؟" وقال : "يمكن الإجابة على هذا التساؤل من خلال إدراك الواقع الجديد الذي تعيشه المسارح العربية وصعود أصوات مسرحية جديدة" .
واختتم جيرار استور محاور الندوات فطرح في البداية بناء جمالية جديدة تؤسس لدخول الجمهور في اللعبة من خلال عملية المشاهدة التي عبّر عنها بيتر ويس بجمالية المقاومة حول شاب ألماني ينخرط في الجبهة العالمية المؤيدة للجمهوريين الإسبان، وهذا التجديد يترافق في المسرح على مستوى الكتابة التي تلامس طبيعة الشخصيات والفضاء والزمن .
وقدم استور نماذج من العروض التي قُدِّمت في الفترة الأخيرة وكيفية تبادل الأدوار بين الرجال والنساء ما يؤدي إلى إزالة القدسية من الشخصيات الكلاسيكية وإخضاعها لمختبر جديد أو صيغة جديدة وإعادة توزيع الأدوار من خلال تركيب الشخصية عن طريق تفكيكها، وإمكانية لعب ممثلة واحدة لست وثلاثين شخصية من دون تغيير في الأزياء، بمعنى الاعتماد على عنصر الروي في العرض، وبالطبع هذا يؤثر على الكتابة المسرحية مما لا يسمح بتجاهل كتابات جديدة لجمهور جديد .
وأكد استور على طرح سؤال العلاقة بين جمهور العمل واللغة المبتكرة، طارحاً فكرة باليه فيرتيج فقال : "لعل الجمهور الجديد لا يمكن له أن يبنى إلا من خلال كتابات جديدة، وبالمقابل لا يمكن أن توجد حقاً اليوم كتابات جديدة إلا بوجود جمهور جديد.. هنا يمكن تقييم الأعمال على أسس نقدية في رسم إعادة النظر في الشخصية من خلال علاقة جديدة بين كتابات جديدة وجمهور جديد حيث توجد أسس تقييم جديدة ونقد جديد .
***


