مسؤولية المترجم

نقول إن الترجمة إحدى أفعال التواصل الحضاري، وإنها تسهم في نضج الهويات الثقافية عبر إتاحتها معرفة الآخر والتفاعل معه. ونعلم أن الترجمة في حاضرها الراهن صارت من الضرورات في عصر الاتصالات والقرية الكونية؛ العصر الذي تكشّف عن ميل إلى بروز الخصوصيات وليس انمحاقها. فما كان متوقعاً من سيادة لغة واحدة وثقافة واحدة بفعل العولمة وتأثيراتها صار إلى نقيضه وهو التعددية وإدراك أهميتها، ومن ثم انكشاف الحاجة إلى الترجمة والوعي بهذه الحاجة لإقامة الجسور بين الثقافات وفتح النوافذ في جدرانها المغلقة.
هذا الدور المناط بالترجمة يربطها بالمسؤولية برباط وثيق. والمترجم طرف رئيسي في تحمل هذه المسؤولية.
تتجلى مسؤولية المترجم في أن يمتلك، لا الإيديولوجيا، بل الهوية والموقف. فالمترجم لا يعمل "بالفاعل" بل وفق نظرة إلى العالم وإلى شؤونه وضروراته. إنه ذات ثقافية. ثمة كثير من المترجمين الأكفاء وغزيري الإنتاج لكننا لا نلحظ لديهم التوجه أو الوعي الناظم لعملهم، وكأنهم محض آلة تترجم ما يُعرض عليها.
إن إدراك المترجم لأهمية دوره يجب أن يكون على الدوام حاضراً لديه ومنطلقاً لمساعيه وجهوده. وعبر هذا الإدراك، وعبر مواقف المترجمين وذواتهم المتنوعة التي تنعكس في اختياراتهم نحصِّل التعددية الكامنة في العمل الثقافي الذي تمثّله الترجمة.
ولأن الترجمة ليست محض نقل لغوي بل هي بحث معرفي-ثقافي، فإن موسوعية المترجم تبدو عنصراً أساسياً في المسؤولية التي تقع على عاتقه. صحيح أننا عشنا طوال القرن العشرين عصر الاختصاص بفعل الانفجار المناهجي، لكنْ ثبت بما لا يدع مجالاً للريب أن الإغراق في الاختصاص هو إغراق في البلاهة. فالتكامل بين الفروع المعرفية صار هدفاً وممارسة وتجلى في عبور المفاهيم بين الفروع المعرفية وعبور الأفكار بين الثقافات. وهذا يجب أن ينعكس لدى المترجم سعياً إلى الموسوعية التي تتيح له فهم التطورات المعرفية والوعي بمحمولاتها وتأثيراتها ومن ثم يكون أقدر على ممارسة دوره في عملية الترجمة/المعرفة.
حديثنا عن مسؤولية المترجم لا يعني بأي حال أن المسؤولية عن عملية الترجمة تقتصر عليه بل ثمة أطراف أخرى تشاطره ذلك، ولهذا حديث آخر.

مدير التحرير

إغلاق
يلزمك برنامج Adobe Acrobat للتمكن من تصفح العدد