ماشي أون لاين ... عالم منفي في مسرحية

"ماذا يحمل الإنسان الآن من بقايا القرن العشرين؟ القرن الذي يملأه العنف والحروب في عالم متشظٍ يدور بين عوالم عدّة من حقائق متناقضة، يتوه في غربة تامة عن المكان والزمان والآخر، يحاول لملمة أشلاء ماضيه بحثاً عن نفسه.. كيف تجتاح الحروب هويتنا وذاكرتنا قبل أن تجتاح أجسادنا؟" .
هذا ما قالته المخرجة اللبنانية خلود ناصر في تقديم مسرحيتها "ماشي أون لاين" التي عُرِضتْ في مهرجان دمشق المسرحي الخامس عشر وقام ببطولتها الفنانان اللبنانيان يارا بو نصّار وهاني الخطيب .
تستند المخرجة في تجربتها المسرحية هذه إلى حرفية عالية في الإعداد والأداء والمتابعة، وفي نص اشتركت في كتابته مع الكاتبة التونسية مريم بو سالمي انطلاقاً من رؤى إخراجية معاصرة تمكّنت منها، وأفكار عميقة إنسانية عاشتها وارتبطت في بعض جوانبها بالحروب التي اجتاحت لبنان، وهي تعنى بالتعبير عن قضايا معاصرة تحاصر الإنسان بما يحمله من أوزار وآثام وجرائم بحق نفسه وبحق الآخرين، واقتبست في مسرحيتها بعض الأفكار والنصوص من ثلاث مسرحيات عالمية معاصرة، وعمدت إلى استخدام تقنيات التصوير وشاشات العرض للتعبير عن التواصل عبر سكايب تشات وعن حالة صدام مع زحام من الذكريات الضائعة والمتناقضة، ولاسيما في الانتقال إلى مشاهد الدمار التي تلوح في ذاكرة الممثل، وهو بالتالي يعبّر عن اغتراب فردي يحمل في طيّاته اغتراباً جماعياً طال الناس حين فقدوا هويتهم وأهلهم وأسماءهم وذكرياتهم .
تبدأ المسرحية في ظل أسر العتمة، ومن خلالها يبدو رجل وامرأة يتحاوران عبر "التشات" النافذة الوحيدة التي يطل كل منهما من خلالها على العالم، ولكنها لا تتيح لهما إلا الإطلالة على عالم منفي، أمّا نافذة الحب التي تفتحها المرأة فهو يحاول أن يفرّ منها لأنها تشكّل له عقدة خوف من الاطلاع على العالم مرّة أخرى، ولكنه في الوقت نفسه يجد فيها أمله لإعادة اكتشاف ذاته من خلال الحوار والأسئلة المحرّضة التي تحاصره من كل الجهات، أسئلة بقدر ما تكشف عن حالة الظمأ المستشري في داخلها للحب والمعرفة تكشف بالمحصلة عن جوهر مكنونات ذاته المستترة وراء الحزن والألم والعذاب والذكريات المكبوتة، المسجونة، ضائعة الملامح، الضبابية في إطلالاتها.
لقد دُمّرَ بيته وقُتِلتْ عائلته في الحرب، ولا يستطيع أن يتذكّر شيئاً من ماضيه، وهناك هوّة واسعة تفصله عنه، فهو مقيّد إلى كرسيه ويشعر بالعجز، وحين يقوم يغدو أسير ذكرياته وتستولي عليه صور شتى من الأبنية والجدران الحجرية المشوّهة والمحطّمة التي تعانقه وتلتف حوله، فيستظل بها ظهره وتلتصق بها ذكرياته، ولاشيء يحنو عليه فيها غير القسوة والدمار والعذابات المعشوشبة في ذاته والمتغلغلة إلى أعماق أحاسيسه.. لم يكن هناك أيّ حاجز بين مشاعره وآلامه، ولا بين ذكرياته المشتتة وهويته التي يبحث عنها وسط الحطام الذي بات متشيئاً فيه، فتارة يظنّ نفسه قاتلاً وأنّه من تسبب بذلك الدمار كلّه، وتارة يصف نفسه بالجنون فيقوم بحركات هستيرية انفعالية من فوق كرسي يمثّل له العجز والأسر، وتارة أخرى يقوم بحركات غاضبة وبتمتمات واجفة يتذكر فيها مشهد التحقيق معه ويهرب من مواجهة واقعه ومن معرفة حقيقة نفسه.. إنه فرار من تلك النافذة المفتوحة على الحب، المتعلّق بها في آنٍ معاً.. إنها نافذة افتراضية تتم عبر محادثة صوتية بصرية على "التشات" مع امرأة مجهولة تبحث عن ظلها وعن ذاتها من خلال عزفها إيقاعات الحب كي تخرج من أسر ما هي فيه .
هو أسير مكان ضيق، ويضيق به حتى يصير أسير كرسيه ومرتهناً بماضٍ لا يستذكر منه سوى الآلام، أمّا هي فأسيرة بيت كبير لا تجد فيه سعادة ولا دفئاً، ومن خلال ذاك الحوار الإنساني والإصرار فيه على المتابعة واللحاق بالآخر ومعرفته تتداعى إلى ذكريات طفولتها المفجوعة بها حين تعرّضت إلى تحرش جنسي من أقرب الناس إليها، وتحاول الفرار عبر ممرات الذاكرة والتطلعات والنوافذ الافتراضية إلى تحقيق ذاتها، ولكنها تقيّد نفسها بعشق رجل مجهول ضائع مشتت لا هوية له، وتقيّد ذاتها مجدداً بمن هو عاجز عن منحها الحب والحرية، ففاقد الشيء لا يعطيه، ولا تبحث عن البديل، فهو كل ما لديها، وهو الوحيد الذي تجده أمامها على "التشات" فهو أملها الذي تحاول أن تلمّ شتاته وتساعده على معرفة ذاته من خلال الملاحقة والمتابعة، وإثارته، وقولها "من أنت؟ وأين ذهبت؟ وتعال إليّ واقتلني وأنا عطشانة، فاسقِني" ومن ثم تنكفئ على ذاتها وسجنها وظمئها وتكرر قولها "أنا عطشانة" عدة مرات، وتغدو مقيّدة إلى كرسي تحاول الفرار منه عبر الذكريات والوقوف والمجابهة والصراخ بثورة عارمة في صراعها مع ذاتها، وحين تعود إلى مخاطبة حبيبها الافتراضي تستثير فيها غرائزها الأنثوية، فتسترخي متمددة على الأرض تداعب خواطرها كأية فتاة حالمة عاشقة تبحث عن وجهها الآخر عبر إيماءات جسدها أو بوحها الهادئ، ولكن المواجهة بينهما لا بد منها وهي تتكرر إلى ما لا نهاية، وربما كان الخلاص الوحيد من خلال ذلك البوح ومواجهة الذات انفرادياً وعبر الآخر .
ويؤول بها امتداد نفسها نحوه إلى متاهات تعتصرها هموم مترامية الأطراف، وتنسجها أحلام تتنادى إلى اليقظة ولا تصحو من غربتها، ولقد كان الوصول إلى الشعور العبثي تجاه واقع الحياة وآلامها يتطلب وجداناً نشطاً بانفعالاته وما يصاحبه من ذكريات.. لقد كان جوهر ذلك كله السؤال عمّا هو مفقود، ومتابعة اكتشاف الآخر تشبه متاهة الغربة، فهي تضع كلاّ منهما في مواجهة الذات والواقع .
مشهد البداية لا يغيب من ذاكرة المشاهد، ولكن مشهد النهاية بقي مفتوحاً على تساؤلات طرحت في البداية : "إلى أين يمضي؟ ومن أين؟ ومن يكون إزاء تلك المرأة؟ وهل عرف نفسه كما هي حددت هدفها وسعت إلى تحقيقه؟" ومن هنا فإنّ هذا العرض يخاطب كل فرد منّا، وكل شخص فينا يبحث عن ذاته بصورة ما أو بأخرى، وكل شخص أصابته عدوى الاغتراب في عالم مليء بالحروب والقتل والدمار والآلام والأحزان.. وبقدر ما هو عالم الغرابة والمفارقة وتزييف الحقيقة فإنّه عالم البحث عن إنسانية الإنسان التي شوهتها الحروب، أمّا التكنولوجيا فقد سرقتنا من أنْ نحقق التواصل المباشر والطبيعي مع الناس.. لقد آلت بنا إلى عالم افتراضي يتم التواصل فيه عبر الصوت والصورة فقط، فلا يوجد لقاء حميمي مباشر ولا لمسة حنان.. لقد ابتلعنا هذا العالم الافتراضي، فغدا قيداً يأسرنا ويسرقنا من أصدقائنا وأحبابنا، فلم نعد نعرف ذاتنا إلا من خلال ذلك العالم .
يعيد هذا العرض التساؤل لكلٍّ منّا كي يبحث عن الحقيقة ويحاول أن يكتشف ذاته مجدداً وهويته المحاصرة والمبعثرة في وطنه وفي كلّ مكان يؤول إليه، فعلى كلّ منّا أن يبحث عن الحب والحرية، فهما أساس معرفة الذات والهوية، وهو أمر لا يختلف مع ما ذهب إليه علماء النفس والاجتماع، وبذلك فإنّ نفي النفي أو نفي الغربة لا يكون إلا عبر التواصل المعرفي والبوح والحب والحرية، فأين نحن من ذلك كطرف ثالث في مواجهة العرض وفي مواجهة ذاك الثنائي الإنساني الذي يمثّل المجتمع الإنساني بأسره ويصوّر ذات كل فردٍ منّا وهي تسعى إلى الحقيقة .
وأخيراً لابد من القول : إنّ النموذج المقدَّم من خلال ذاك الثنائي ليس نموذجاً إنسانياً استثنائياً، فهو على الرغم من خصوصيته نجده غير معزول عنّا وعن أحاسيسنا ومشاعرنا وتصرفاتنا وسيرورة حياتنا اليومية.. إنّ الحالة الاستثنائية لا تكمن في الفرد وإنّما في مكوّنات ذاك الفرد التي باتت تنشر ظلالها في الواقع وتضعنا جميعاً على حافة الغربة، ثم تهوي بنا.. لقد غدا واقع الحياة التي نعيش فيها حالة استثنائية لم يشهد لها التاريخ مثيلاً، فانقطعت فيها أواصر اللقاء إلا عبر "التشات" والتقنيات التي أسرت الإنسان وشيّأته واستلبته.. إنّه عالم الغربة والمنفى الذي ضمّنا بين أحضانه بعدما استلب منّا أسماءنا وذكرياتنا ولم يترك فينا سوى المواجع والضياع .

د.ماهر كباش

إغلاق
يلزمك برنامج Adobe Acrobat للتمكن من تصفح العدد