مأزق الذات المحبطة أمام الآخر...

يكمل «عباس كياروستامي » عرّاب السينما الإيرانية، وسينما التأمل، مسيرته التساؤلية ذات العمق الإنساني، في فيلمه
Certified copy بعد أن اتهمه الكثيرون بأنه انسلخ عن جلده خصوصاً أن معظم طاقم الفيلم قلباً وقالباً غير إيراني، ففي بلدة توسكانا
الإيطالية النائية تدور أحداث الفيلم، حيث المكان بدايةً حاضر بقوة في العمل، الهدوء المطرز بأشعة الشمس، الأشجار المترامية على السهول الخضراء، المتاحف العديدة، أصوات الأجراس، كل ذلك وأكثر عزز العمق التأملي، وطوّق الحوار الآخذ بالتناغم والتوتر بين البطلين بسياج يسهل النظر من خلاله ليدعم فكرة أن الجمال موجود بكل شيء موجود في هذه الحياة، حتى إن كان نسخة أم أصل، وبذلك يكون المكان كعنصر فعال في سينما «كياروستامي » قد لعب دوره المعهود لديه.
يبدأ فيلم ) Certified Copy ( مستنطقاً بطلته ذات الشخصية المركبة، فهي فرنسية وتتكلم الإيطالية والإنكليزية، طيلة الفيلم عن حالتها الحياتية وضياعها المكبوت بين نسخة حياتها الفائتة وأملها بأخرى لا تخالف الأصل فحسب بل تتعداه نحو أفق جديد لعلاقة متكاملة بين الرجل والمرأة، والقريب من حيث اعتماده الحوار المتصاعد عمقاً من فيلمي ) Before Sunrise (، و) Before
Sunset ( للمخرج ) Richard linklater (، في قاعة ممتلئة للقاء مع كاتب هو جيمس) William Shimell ( حول كتابه الأخير بعنوان )نسخة مصدقة(، إلى أن تحضر إيلي ) Juliette Binoche ( أفضل ممثلة في مهرجان كان السينمائي عن هذا الدور، مالكة متجراً لبيع التحف المقلّدة إلى القاعة متأخرة لتسارع بالخروج تحت ضغط من ابنها الجائع تاركةً عنوانها ورقمها للكاتب مع مديره كي يزورها في محلها... لتنتقل الكاميرا من المتجر الذي تمَّ تعارفهما به إلى السيارة في حوار طويل وممهد للتصاعد الدرامي التساؤلي، طالباً منها أن تعيده لهذا المكان لأنه قد حجز مقعداً في قطار التاسعة للعودة إلى بريطانيا، هو بريطاني ويتملَّكه الثبات إزاء انفعالات «إيلي » المعبرة بخفية خلال حوار ممتع عن أملها بأن يكون هو النسخة الجديدة عن ذلك الماضي، تائهة دون وعي يُدرك ما بين قناعتها بأن لكل أصل نسخة تنوب عنه، والنسخة الحاضرة بين يديها راجيةً أن تغدو أصليةً في حياتها، وإصراره الخفي على أنه ليس نسخة عن أي شخص، وإنما نسخة فريدة، وأنه لا فارق البتة بين الصورة والأصل طالما أن التمتع بالجمال هو المقصود. بروده وربما ثباته يتزعزع لا أمام جمالها وتبرُّجها له في المطعم، بل لأن النبيذ لم ينل إعجابه، حتى إنه لم يعط بالاً لقرطيها، وذلك بالطبع بعد أن يشتد الحوار وينقلب ليقع المشاهد بحيرة مربكة، فهما الآن يتحدثان وكما لو أنهما زوجان منفصلان، وقد انغمسا بهذا الجدال حتى أعمق درجاته، إلى أن تدعوه إلى غرفة الفندق الذي تزوجا به مستلقيةً على الفراش برومانسية حالمة فيها كل الرغبة لدعوته لبداية جديدة كلياً، بعيداً عن الدور الذي لعباه على أنه الزوج أو الحبيب الافتراضي الذي كان منذ زمن. يدخل «جيمس » غرفة أخرى ليحدِّق بصورته في المرآة بصمت، وكما لو أنه يفكر في عرضها هل يبقى أم ينطلق إلى قطاره ليعود، مع صوت ماء الصنبور كما لو أنه يتهيأ لحلاقة ذقنه من أجلها كما كانت تتمنى في مرحلة من حياتها الفائتة، لكن دون أية ردة فعل يخرج من الغرفة، وتشهد الكاميرا هبوط الليل مع صوت أجراس الكنيسة وهي تدق. نهاية مفتوحة دون جواب إلا على الكثير من التأويلات دونما أهمية، فربما يكمن الجواب في المشهد الأخير، وبمعنى أدق لماذا ظلت الكاميرا ثابتة على نفس المشهد حتى النهاية وانسدال ستار العتمة؟. قد لا يهم الجواب قدر أهمية الحوار المثير للتفكير والعقل، وهو أمر لطالما أراده «كياروستامي » في أفلامه قائلاً: «أنا لا أحب أن أكون حكّاء للقصص، ولا أحب أن أثير المشاهد عاطفياً، أو أن أعطيه نصيحة، ولا أحب أن أثقل كاهله بشعور الذنب، هذه هي المواضيع التي لا أحبها في الأفلام، أظن أن الفيلم الجيد هو الذي يجعلك تبدأ التفكير به، بعد أن تخرج من الصالة مباشرةً .


