لودفيغ فان بيتهوفن أخلاقيــــــــــة القــــــــــــــــوة

(القسم الثاني)

يبدو أن بيتهوفن لاحظ لأول مرة عوارض الصمم عام 1798. وأوّل إشارة لذلك، على أية حال، حصلت في رسالة إلى «أماندا Amanda» مؤرخة في 1 حزيران عام 1801. الرسالة مهمة جداً لإظهارها موقف بيتهوفن ـــ ذاك الوقت ـــ نحو الفاجعة المحدقة. إنّ ردّ فعله الأول ـــ كما علينا أن نتوقّع ـــ هو ثورة من الغضب تجاه «عدم معنى» هذا البلاء الشنيع. فأن يكون هو ـــ من بين كل الناس ــ من يفقد هذه الحاسّة بعينها لابّد من أن يبدو من أشد السخريات استنكاراً. بيتهوفن هو الأتعس، وبنزاع مع الطبيعة والخالق، لقد لعنت الأخير لتعريضه مخلوقاته لمجرّد حادث فتنسحق غالباً أجمل البراعم أو تهلك. تصوّري أنّ ملكتي السامية، سمعي، ساء بشدة. ولكن لم تزل لديه آمال مع أنه خاف الأسوأ، وثقته بنفسه تبقى لاتقهر:«يقولون إنه ناشئ عن أمعائي. وفيما يتعلق بها فأنا استعدت عافيتي تقريباً. إني آمل بالفعل أنّ سمعي سيتحسن أيضاً لكني متشكّك لأن أمراضاً كهذه هي الأكثر استعصاء على الشفاء.

كم هو تعيس نصيبي، عليّ أنْ أتجنب كلّ الأشياء العزيزة عليّ وأعيش بين أناس حقيرين وأنانيين مثل ... و .. آخرين. عليّ أنْ أقول إنّ ليشنوفسكي Lichnowskyمن بينهم جميعاً هو أكثرشخصٍ لاأرتاح إليه. فبدءاً من العام الماضي أمّن لي دخلاً قدره 600 فلورين. كما أنّ البيع الجيد لمؤلفاتي يمكّنني من العيش دون همّ. إني أستطيع أن أبيع أيّ شيء أؤلفه خمس مرّات مرّة تلو مرّة وبسعر جيد. آه كم سأكون سعيداً إذا تعافى سمعي تماماً. عندئذ سأهرع إليك. ولكن في واقع الحال هذا عليّ أن أتمنّع عن كل شيء، وعلى أجمل سنين حياتي أن تمضي دون إنجاز وعد موهبتي وقدراتي. انسحابٌ محزن عليّ أن ألوذ به، مع أنني ــ بالفعل ــ مصمّم على تجاوز كلّ عقبة. ولكن كيف سيكون هذا ممكناً؟ ... دائي يسبّب لي أقلّ المشاكل في العزف والتأليف وأكثرها في الاجتماع مع الآخرين، وعليكِ أنت أن تكوني رفيقاً لي. أنا متأكد أنّ حظّي لن يهجرني. ومع مَنْ أُضطَرُّ للخوف من قياس قوّتي عليه؟ (يقصد أنّ قوته أكبر بكثير من قوة أقرانه). منذ أنْ رحلتِ ألّفت في كل نوع من الموسيقا عدا الأوبرا وموسيقا الكنيسة.. أتوسّل إليك أن تبقي مسألة صممي سرّاً عميقاً لا يُكشف إلى أيّ أحد مهما كان...

وفي رسالة إلى صديقه وطبيبه «فيغلر Wegeler» كتبها في نهاية الشهر نفسه يذهب أبعد في التفصيل: «ساء سمعي بإطراد في السنوات الثلاث الماضية، وأمعائي التي كما تعلم كانت سيئة وزادت سوءاً ــ بما أنني أعاني من الديزانتريا ــ ، إضافة إلى وهن غير عادي، هي المسؤولة عن ذلك كما يقولون. فرانك أراد أن يُدَوزِن جسمي بالأدوية المقوية، ويحسّن ويعافي ويشفي سمعي باستخدام زيت اللوز، ولكن ــ بصحتك ــ (وهي مايقال عند طرق الكؤوس ويستخدمها بيتهوفن هنا للسخرية المرّة) لم يأتِ ذلك بشيء، ويسوء سمعي أكثر وأكثر وبقيت أمعائي كما كانت. واستمر هذا حتى خريف العام الماضي وكنت في يأس  أغلب الأوقات، ثم أتى حمار طبي نصحني بأخذ حمّامات باردة بينما المعقول أكثر أن يأخذ المرء حمامات الدانوب الدافئة (Lucewarm Danube).

لقد أتى ذلك بالعجائب (يسخر) فتحسّنت أمعائي وبقي سمعي سيئاً أو ساء أكثر. كنت تعيساً حقاً خلال هذا الشتاء. أُصبتُ بهجمات مخيفة من المغص وعدت مجدداً إلى حالتي السابقة، وبقيت الأمور هكذا حتى أربع أسابيع خلتْ عندما ذهبت إلى  Veringمعتقداً أن حالتي تتطلّب جرّاحاً أثق به كثيراً. نجح تقريباً بالكامل بوقف الإسهال المريع، وأشار عليّ بحمامات Lucewarm Danube»وعليّ أن أسكب في الماء في كلّ حمّام زجاجة صغيرة من شيء مقوٍّ ولم يعطني أيّ دواء من أيّ نوع حتى أربع أسابيع خلت، حين وصف لي حبوباً لمعدتي ونوعاً من الشاي لأذنيّ. منذ ذلك الوقت يمكنني أن أقول إني أقوى وأحسن، لكنّ أذنيَّ تطنّان وتصفران باستمرار نهاراً وليلاً. يمكنني أن أقول إني أعيش حياة بائسة. تجنّبت في سنتين كلّ المناسبات الاجتماعية تقريباً لأنه من المستحيل عليّ أن أقول للناس «أنا أطرش». لو كنت في أي مهنة أخرى لكان الأمر سيكون أسهل ولكن في مهنتي الوضع مريع. وفوق ذلك أعدائي ــ وهم ليسوا قلّة .. ماذا سيقولون؟ كي أعطيك فكرة عن صممي الغريب عليّ أن أقول لك إنني في المسرح يجب أن أكون قريباً جداً من المسرح في الصالة الأرضية كي أفهم مايقوله الممثل. إذا كنت بعيداً قليلاً لاأسمع النغمات العالية الطبقة عند الآلات والمغنيين. وإذا وضعت في مكان أبعد بقليل من ذلك لا أسمع على الإطلاق. غالباً أستطيع سماع محادثة خافتة ولكن لا أسمع الكلمات. وما إنْ يبدأ أحد بالصراخ حتى يصير الأمر لايطاق. يبدو غريباً أن بعض الناس لا يلاحظون عند محادثتي وضعي على الإطلاق مرجعين الأمر إلى شرود ذهني. السماء تعرف ماذا سيحصل لي . «فيرينغ Vering» يقول أن لاتحسّن قبل اكتمال العلاج.. لطالما لعنتُ وجودي .. بلوتارك Plotarck(المؤرخ والمفكر الإغريقي) علمني القبول.. سأتحدّى قدري إن كان هذا ممكناً، مع أنه ستكون هناك لحظات في حياتي أكون فيها الأتعس منْ كلّ خلْق الله... القبول! يالهذا الملجأ المزري ولكنه الوحيد المتاح لي ..»

في تشرين الثاني يكتب ثانية إلى «فيغلر Vegeler». لم يتحسّن سمعه بل ساء وبدا أن أمله الواهن في التحسّن قد هجره، فصار يطبق  قبضته على أية فرصة سانحة. ويفكر بتغيير طبيبه متهماً «فيرينغ» بالإهمال. كان يجمع القصص عن العلاجات العجائبية يُنسب إلى الزئبق المعجزات.. ماذا تقول في ذلك ؟ قال لي طبيب إنه رأى طفلاً أصمّ أبكم يستعيد سمعه ثانية (في برلين)، ورجلاً كان أصمّ لسبع سنوات قد تعافى. ثم تأتي إشارة إلى «فتاة غالية ساحرة تحبني وأحبها. كانت هناك لحظات مباركة قليلة خلال السنتين الأخيرتين وهذه هي المرة الأولى التي أحسّ فيها أنّ الزواج يمكن أن يحمل لي السعادة. يا للأسف..! إنها ليست من طبقتي (يقصد أنه لايرقى إلى مرتبتها الاجتماعية) ــ والآن ــ قد يكون من المستحيل عليّ أنْ أتزوج. عليّ أنْ أستمر في الجدّ بهمة. من الممكن جداً أنْ تكون «الفتاة الغالية الساحرة» المشار إليها هي «الكونتيسة جوليا جويكاردي Julia Guiccardi» التي بلغت يوم تاريخ الرسالة السابعة عشرة إلا أسبوعاً. لكن ليس هناك دليل مقنع على أنها لعبت يوماً دوراً هاماً في حياة بيتهوفن. كما لايبدو أنّ استحالة الزواج التي أشار إليها ناتجة بأي شكل من الأشكال عن مرضه. ولكن ــ دون شك ــ الحالة العامة العالية التي سبّبها الوقوع في الحب» زادت من حدّة شعور بيتهوفن بالرغبة في تلك الجوانب من الحياة التي جعلها صممُه غير متاحة:

«آه لو أتخلّص من هذا البلاء.. سيمكنني أنْ أضمّ العالم.. أشعر أن شبابي لم يكد يبدأ وهأنذا (مع ذلك) ألستُ مريضاً باستمرار؟ قواي الجسدية تشتدّ بانتظام في الفترة القريبة الماضية وكذلك قواي الذهنية. يوماً بعد يوم أقترب من الهدف الذي أحسست به ولا أستطيع وصفه. فقط في هذا يستطيع «بيتهوفن» أن يعيش. لاتكلمني عن الراحة. لا أعرفها إلا في النوم، وملعون أنا لأن عليّ أن أتخلى له عن وقت أكثر من المعتاد... امنحني لا أكثر من نصف تحرّر من مرضي وعندئذ سأعود إليك وأجدّد مشاعر الصداقة القديمة. عليك أن تراني في أسعد حالٍ ممكن على وجه هذه الأرض ــ لاتعيساً. لا! لاأستطيع تحمّل ذلك. سأقبض على القدر من حلقه.. لن يقهرني . آه.. كم هو رائع أن نعيش، أن نعيش ألف مرة! أشعر أني لست مخلوقاً لحياة هادئة».

في شتاء عامي 1801ــ 1802 غيّر طبيبه، والجديد كان الدكتور شميتّ Schmidt» وحسب نصيحته قضى بيتهوفن صيف 1802 في قرية «هايليغن شتاتّ Heiligenstadt» القريبة (من فيينا) ولكن الهادئة والمنعزلة. ويبدو أن شميتّ أمّل بيتهوفن بأنّ الهدوء الذي يخفّف الضغط على السمع سيؤدي إلى التحسّن. حتى ذلك الوقت ــ كما نرى بوضوح من خلال الرسائل ــ كان ردّ فعل بيتهوفن على البليّة المحدقة هو التحدّي. أحسّ أنّ عليه أنْ يصرّ على إرادته حتى لا يُغلب. سيجمع كلّ قواه كي يستمر في الحياة والعمل على الرغم من قدره: «سأقبض على القدر من حلقه». إنّه (بقوله هذا)، وكما كان عليه الواقع، يدافع عن قدرته الإبداعية. لكن في نهاية ذاك الصيف وجد أنّ عبقريته التي أحسّ أنه مطالب برعايتها وحمايتها كانت حقاً قوة هائلة تستخدمه قناةً أو خادماً. ومن المحتمل أنّ كل عبقريمن الصفّ الأول يصير واعياً لتلك العلاقة الغريبة مع عبقريته الخاصة. وحتى النموذج الكامل الوعي من العبقري، العبقري العلمي، كــ«ماكسويل C. Maxwell» و«أينشتاين Einestein» يكشفون عن هذا الشعور بأنهم «مُمتلكون». هناك قوة تستولي عليهم لايمكن أن ينتبهوا إليها في الأحوال العادية إلاّ نتيجة  لإشارات مبهمة. عند بيتهوفن، ــ وهو إبداعيّ على نحو استثنائي جداً ــ لا بدّ أنّ حالة من البلبلة اللاواعية ــ تزيد أو تنقص ــ كانت مستمرة. ولكن فقط عندما أذعن بيتهوفن المتحدي بوعي، فقط عندما ضمر كثيراً كبرياؤه وقوته إلى الحدّ الذي رغب فيه، لا بل تلّهف للموت، اكتشف أنّ قدرته الإبداعية كانت بالفعل لاتُدمَّر وأنّ حيويّتها التي لاتفنى قضتْ بأنّ من المستحيل عليه أن يموت. إن هذا الإدراك الجديد والعميق لطبيعته هو الأهم في وصية «هايليغن شتاتّ Heiligenstadt» المشهورة المكتوبة في خريف نفس العام (1802) ولم يُكشف عنها إلا بعد وفاته. إنّها تنبئ عن الانهيار الكامل للمبدأ القديم لأخلاقية القوة، وتبيّن الخبرات التي جعلتْ من الممكن قيام مبدأ جديد لأخلاقية القوة على أنقاض القديم. لابد من أنْ تُضمن الوثيقة بكامل نصها:

«إلى أخوي كارل و..... بيتهوفن

نعم... أنتم أيها الناس تظنّون أو تقولون إنّي حقود، عنيد، وكاره للبشر. كم تخطئون بحقي بشدّة. أنتم لا تعرفون الأسباب الحقيقية للظاهر منّي. فمنذ الطفولة كان قلبي وعقلي طيّعين للمشاعر الرقيقة ذات النية الطيبة. لا بلْ كنتُ دوماً متلهفاً لإنجاز أعمال عظيمة. ولكن تصوروا الآن أنني ولمدة ست سنوات كنتُ في حالة لا أمل فيها، ساءت على يد طبيب لا إحساس عنده.. مخدوعاً سنة بعد أخرى في أمل التحسّن، ومُجبراً ــ مؤخراً ــ على مواجهة احتمال المرض الدائم (وعلاجه يستغرق سنوات أو، ربما، مستحيل).. أنا منْ وُلدت بمزاج متّقد وحيويّ، قابل لقبول تنوعات الحلقات الاجتماعية أُجبِرتُ مبكراً على عزل نفسي  فأعيش في وحدة... وعندما حاولت أحياناً أنْ أنسى كلّ ذلك (وأختلط في المجتمع)، آه.. كم ردّني بعيداً بقسوة حزن مضاعف من سمعي الضعيف وأيضاً من أنّه كان مستحيلاً عليّ أن أقول للناس: أرفعوا صوتكم.. صيحوا لأني أصمّ. آه كيف يمكنني أن أقبل عاهة في تلك الحاسّة التي كان يجب أنْ تكون فيَّ أكمل من أي شخص آخر، حاسّة ملكتُها يوماً بحساسية في أرفع اكتمال، اكتمالٌ قلّ ــ في مهنتي ــ منْ تمتع بها أو سبق له أن تمتّع بها. آه (أو سبق له أن تمتعّ بها. آه .. ) لاأستطيع أن أقوم بهذا (يقصد الاختلاط) لذا سامحاني عندما ترياني أنسحب مبتعداً في الوقت الذي أودّ فيه بسرور أن أختلط بكم... حظي التعيس مضاعف الألم لأنه سيؤدي إلى إساءة فهمي لأنه لايمكن أن أحظى بترويج في مجتمع أقراني أو بتحادث طليّ أو بتبادل للأفكار.

ولا أختلط في المجتمع إلا لماماً عندما تتطلب ألحّ الحاجات ذلك. عليَّ أنْ أعيش كمنفي، وإذا اقتربت من الناس يستولي عليَّ رعب شديد خوف أنْ أتعرض لخطر أن تُلحظ حالتي ــ وهذا ماجرى العام الماضي الذي قضيته في الريف حسب توصية طبيبي الذكي لتوفير سمْعي ماأمكن ــ وبهذا أُرضي إلى حدٍ كبير نزعتي الحالية للطبيعة، على الرغم من أنّي أهرع أحياناً مبتعداً مذعناً لميلي نحو المجتمع ــ .. ولكنْ أيَّ إذلال عندما كان أحدهم يقف إلى جانبي فسمع مزماراً وأنا لم أسمع شيئاً (أكدّ بيتهوفن هذه الجملة بكتابتها بخط مختلف)، وآخر سمع الراعي يغنّي وأنا ــ من جديد لم أسمع شيئاً. هذه الحوادث أوصلتني إلى حافة اليأس وزيادة قليلة معها كانت ستؤدي لأن أضع حدّاً لحياتي ــ فقط الفنّ هو مامسكني ... آه يبدو من المستحيل ترك العالم قبل أنْ أقدّم كلّ ماشعرت أنّي مطالب بتقديمه ... وهكذا تحمّلت هذا الوجود التعس ــ التعس حقاً ... يالهذا الحسد الهشِّ يستطيع تغيرّ مفاجئ أن يرمي به من الأحسن إلى الأسوأ .. ــ الصبر ــ .. يقولون لي عليَّ أن أختاره مرشداً لي.. فعلت هذا، وآمل أن يبقى تصميمي صلباً إلى أن يرضى القادر العليّ أن يقطع الخيط .. ربما سأتحسن، ربما لا، ... أنا مستعد. لقد أُجبرتُ في سنّ الثامنة والعشرين أن أصير فيلسوفاً ... آه ... هذا ليس سهلاً .. أقلّ سهولة لفنان من أيّ شخص آخر.. ــ أيها الحيّ الذي لايموت ــ .. انظر إلى أعماق روحي.. إنك تعرفها... وتعرف أنّ حبّ الإنسان ورغبة أن أعيش حياة مفيدة يسكنان فيها. آه أيها البشر.. عندما ستقرؤون يوماً ما هذي الكلمات .. فكروا أنكم قد أسأتم إلي، واتركوا منكور الحظّ هذا يستريح، وجِدوا (ولن تجدوا) شخصاً من نوعه بذل كل مافي طاقته كي يكون مقبولاً بين الفنانين الجديرين وبين البشر. أنتما يا أخواي كارل و...... ما إن أموت وإذا كان الطبيب شميتّ Schmidtلم يزل حياً فاطلبا منه متحدثَيْنِ باسمي أن يكتب وصفاً لمرضي ويربط هذه الوثيقة بتأريخ مرضي حتى ـــ على الأقل وإلى كلّ حدّ ممكن ـــ يتصالح العالم معي بعد موتي. وفي نفس الوقت ... أعلنكما أنتما الاثنين وارثَيْنِ لثروتي الصغيرة (إذا كان ممكناً تسميتها كذلك ) فاقسموها بعدل، ساندا وساعدا بعضكما بعضاً.... وكل جرح سببتّماه لي قد سومح كما تعلمان ــ منذ أمد طويل جداً. أنت يا أخي كارل Carlأشكرك شكراً خاصاً لا على التزامك الذي أظهرته لي مؤخراً. إنها رغبتي أنْ تكون حياتكما أفضل وأكثر حرية مما أحطتكما به من عناية ورعاية .... أوصوا أولادكم بالفضيلة فهي الوحيدة التي تمنح السعادة ... لا المال ... إني أتكلم عن خبرة ... لقد كانت الفضيلة ماسندني في محنتي وإليها . فإني أعزو حقيقة أني لم أضع حداً لحياتي بالانتحار ــ الوداع وأحبّا بعضكما ...بعضاً .... أشكر كل أصدقائي وخصوصاً الأمير ليشنوفسكي Lichnowskyوالبروفسور شميتّ  Schmitــ أرغب أنْ تُحفظ آلات الأميرا (ل) (ليشنوفسكي) عند أحدكما، لكن لا تسمحا أنْ يسبّب هذا مشاحنة ... وفي المستقبل إن كان يمكن لتلك الآلات أن تفيدكما على نحو أحسن ... فبيعاها .... كم سأكون سعيداً إن كنت في قبري  ـــ لاأزال مفيداً لكما ـــ بفرحة أستعجل نحو الموت ــ وإذا أتى قبل أن أمتلك الفرصة لأظهر كل مقدراتي الفنية فسيكون قد أتى في طلبي مبكراً جداً على الرغم من قدري القاسي (حظّي التعيس) ولعلّي سأتمنى لو أنه تأخّر ــ ولكن حتى لو حدث ذلك (مبكراً) سأكون راضياً ... أَلنْ يحّررني من حالة عذاب لا نهاية له ؟ تعال متى شئت وسأقابلك بشجاعة ـــ الوداع ولا تنسياني كلية عندما أموت ... أنا أستحق ّ ذلك منكما فقد فكرت غالباً بكما في الحياة وبكيف أجعلكما سعيدين .... كونا كذلك

لودفيغ فان بيتهوفن

 (الختم)

هايليغن شتاتّ Heiligenstadt

السادس من تشرين الأول 1802

إلى أخويّ كارل و............ تُقْرأ وتتُُْلف بعد موتي

يا هايغلنشتاءت ...العاشر من تشرين الأول من عام 1802 ... هأنذا أودعك ــ بحزن بالفعل ــ نعم  .. فهذا الأمل العزيز ــ الذي حملته معي عندما جئت إلى هنا لأتعافى على الأقل لدرجة ما ــ علّي أن أتخلى كلية عنه .... فكما تسقط أوراق الخريف وتذبل ذوى الأمل كذلك .... تقريباً كما أتيت ــ أغادر ــ وحتى الشجاعة القوية ــ التي غالباً ألهمتني في أيام الصيف الجميلة ــ اختفت ـــ أيتها العناية الإلهية ـــ امنحيني أخيراً ولو يوماً واحداً من الفرحة الصافية ــ مرّ وقت طويل منذ أن ترجعت أصداء الفرح في قلبي ـــ آه متى ـــ آه متى .... يا ألله الدائم ـــ أ سأجده مجدداً في معبد الطبيعة والبشر  ــ أبداً ؟ ـــ لا ــ آه ... هذا سيكون قاسياً جداً.  

هذه الوثيقة تدل على أزمة في حياة بيتهوفن. لن تكون أبداً مرة أخرى يكون فيها موقفه من الحياة هو موقف التحدّي عندما يكون التحدي تعبيراً عمّا يسمى «قوة الشخصية». لم يعد بحاجة إلى التحدي لأنه لم يعدْ لديه أيّ خوف. لقد صار في داخل ذاته واعياً لطاقة إبداعية لاتقهر لايمكن لأي شيء أن يحطّمها. إن هذا الإدراك، وقد صار مُنشياً، هو ماجعله يتوقّف أثناء خطِّه للحن الفوغ Fugueمقام دوماجور  في الحركة الثالثة من ثالثة رباعيات رازوموفسكيRasoumowskyليكتب على هامش الورقة أن لاشيء يمكنه الآن أن يكبح تأليفه للموسيقا:  «في نفس الطريقة التي تستطيع بها الآن أن تقدر على رمي نفسك في دوامة المجتمع، كذلك أنت قادر على كتابة أعمالك على الرغم من كلّ العوائق الاجتماعية، لا تدع صممك يبقى بعد الآن سراً ــ من أجل فنّك». لم يعد خائفاً على فنّه. ولم يعد خائفاً من أنه «على أجمل سنيّ حياتي أن تمرّ دون أن أنجز وعد موهبتي وقدراتي». عن ذلك الوعي بالقوة الخلاّقة التي لاتقهر، وهي أعمق مافي بيتهوفن، عبّر باستمرار في موسيقاه أنّ الفوغ المشار إليه هو تعبير من هذا النوع، بل إنّ إعلان أمنع من القوة الصرفة نجده في حركة «السكيرتزو Scherzo» في السمفونية التاسعة. الحركات من هذا النوع ليست بأي معنى من المعاني موسيقا ذات برنامج، مع أنّها يمكن أن تشكل جزءاً من كلّية برنامجية. هذا النوع من الموسيقا يعبّر عن القيم لا عن التجارب. إن القيمة التي لم تُمِتْها التجربة الموصوفة في الحركة الأولى من السمفونية التاسعة ومكّنت المؤلف من الوصول إلى الحالة الموصوفة في الحركة الثالثة (الحركة البطيئة) كانت بالضبط الطاقة البدائية التي لاتقهر الموصوفة في حركة السكيرتزو. هذه القيمة كانت الشيء الأكثر بدائية والأطول بقاءً في شخصية بيتهوفن. إنه أمرٌ رمزي تقريباً أن آخر حركة قام بها وسجّلت له، وهو مستلق بدون وعي على فراش الموت، وجب أنْ تكون هزّ قبضته في وجه السماء رداً على قصف شديدّ من الرعد.

إن إدراكه للطبيعة عميقة الجذور لقوته الخلاقة التي تُرصد منذ وصية «هايليغن شتاتّ Heiligenstadt» غيّر طبيعة معضلة موقفه من الحياة. التحدّي الصلب المجهد لم يعد ضرورياً. وما رآه مهمته الأكثر إلحاحاً من أجل مستقبل تطوره الروحي صار القبول. كان عليه أن يتعلّم أن يقبل عذابه كشيء ــ على نحو غامض ــ ضروري.

ج. و. ن. ســاليفـــان

أبان الزركلي

إغلاق
يلزمك برنامج Adobe Acrobat للتمكن من تصفح العدد