كي نأكل اللب ونرد الماءَ

تشكّل ترجمة الكتب الدينية المقدسة جزءاً أساسياً مكوناً في مبحث دراسات الترجمة. ويبلغ هذا الجزء من الضخامة حدّ أنه يؤلّف مكتبةً هائلةً، تتناول تاريخ ترجمات النصوص المقدسة، وآثارها، وتقنياتها، ومناهجها، وتعليمها، ومصطلحاتها، ومشكلاتها المخصوصة...إلخ. ومن الطبيعي أن يكون الأمر كذلك مادمنا أمام ترجمات خلقت لغات وأمماً، كما هو الحال في ترجمة مارتن لوثر الكتاب المقدسإلى الألمانية، أو أسهمت في تحولات فكرية وعقائدية كبرى في أماكن بعيدة عن موطن النص الأصلي ولغته، أو ارتبطت بحركاتٍ سياسية وفكرية خطيرة مثل الاستشراق والتبشير.
هكذا تنتقل الدراسات التي تتناول ترجمة المقدس من مشكلات الترجمة التقنية اللغوية إلى سياسات الترجمة ومفاعيلها الفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، على ذلك النحو الذي يفسّر تلك المكانة الرفيعة التي راحت تحتلها الترجمة ودراساتها في العقود الأخيرة، كما يفسّر تلك المنزلة المتميزة التي تحتلها ترجمة المقدس ضمن هذه الدراسات.
ولعلَّ أول فكرة تخطر في البال، إزاء ترجمة المقدس، هي مدى عسر هذه المهمة وخطورتها، الأمر الذي يجعلها أدنى إلى الاستحالة، ويجعل سبيلها أقرب إلى الانسداد أو الضيق، حيث يُتَّهم الذي يترجم حرفياً بالتزييف ويُتَّهم الذي يضيف ويبدّل بالتجديف. أما الفكرة الثانية، المرتبطة بالأولى، وتخطر في البال، فهي خصوصية اللغات الأصلية التي دُوِّنت بها النصوص المقدسة، وما إذا كانت مقدسة هي الأخرى، وذات مكانة أرفع بين بقية اللغات البشرية؟ أما الفكرة الثالثة، فتتعلق بمدى التقارب والتباعد المتاحين، في ترجمة مثل هذه النصوص، بين الترجمة بالمعنى الدقيق للكلمة والتأويل بمعناه الواسع، أي أنها تتعلق بتعدد القراءات الممكنة، كما تتعلق بالبنى اللسانية المختلفة، وتنوع الثقافات، والذهنيات.
هذه المسائل، وسواها الكثير الكثير، هي بعض التفكير النظري العميق الذي أفضت إليه ترجمة النصوص المقدسة ونجده، ليس لدى الكتّاب القدماء وحسب، بل أيضاً في أعمال كتّاب ومنظّرين للترجمة معاصرين يطرحون مسائل جديدة في هذا الميدان أو يضفون نكهة وطعماً جديدين على مسائل قديمة سبق لها أن طُرحت مرّات ومرّات.
ملف هذا العدد والذي يليه سوف يكرّسان لتناول ترجمة النصوص المقدسة المختلفة، لدى شعوب مختلفة وفي حضارات شتّى، أما الأمل فهو أن نكون قد وفّينا هذا الموضوع الهام والخطير حقّه من الدراسة العلمية التي لا تتوخّى سوى المزيد من المعرفة والفهم، بعيداً عن أيّة غايات فكرية مسبّقة.
لقد كتب مترجمو طبعة الملك جيمس من الكتاب المقدسفي تصديرهم: "الترجمة هي ما يشرع النافذة كيما يتاح للنور أن يدخل؛ وهي ما يكسر القوقعة كيما يمكن لنا أن نأكل اللبّ؛ وهي ما يزيح الستارة كيما يمكن لنا أن نرى إلى المكان الأقدس؛ وهي ما يرفع الغطاء عن البئر كيما يمكن لنا أن نرد الماء".


