كلمة العدد

يقال إن قفز المظلة يحتاج إلى تدريب طويل شاق، والسبب هو أن القافز بالمظلة يفقد الجزء الأعظم من قدراته لدى القفزة الفعلية الأولى، ولكن ما يتبقى من آثار تدريبه كاف لإنقاذ حياته وإنجاح القفزة على خير وسلامة... ويُقال إن شاعراً مبتدئاً ذهب إلى شاعر مخضرم وسأله كيف يستطيع أن يعلمه قرض الشعر، فطلب منه أن يحفظ ألف بيت... وبعد أن انقضت فترة حفظ فيها الشاعر المبتدئ الألف بيت دون أن يتعلم إبداع شعر ذي تفرد وقيمة ذهب إلى الشاعر المخضرم من جديد متسائلاً عن السر، فقال له: "إنسَ ما حفظت، ثم اشرع في التأليف تجد نفسك شاعراً أصيلاً"... أما في التمثيل فتوجد نظريتان: الأولى تقول بالضرورة الحتمية للانخراط في مدرسة متخصصة بتعليم التمثيل، والثانية تقول بإمكانية تعلم التمثيل بشكل أفضل عن طريق الممارسة العملية.. ولكن كلا النظريتين تتفقان في نهاية الأمر على أن الغر يحتاج إلى محترف يلقنه أصول المهنة، وأنه دون ذلك التوجيه والقيادة لا يمكن له أن يصبح قديراً... أما في الموسيقا فكانت هناك بعض تجارب متناثرة للارتجال، ربما نجحت عزفاً، ولكن بالتأكيد ليس تلحيناً... لكن الفن التشكيلي يظل دائماً موضع مراجعة وتنقيح وصقل حتى يرضى عنه صاحبه ويطلقه أمام الجمهور.. وأذكر أننا في أيام الشباب دأبنا على هواية طريفة هي أن نملأ جلساتنا كأصدقاء بقرض جماعي للشعر، في حالة نشوة شبه صوفية... وكانت آخر مرة مارست فيها تلك الهواية مع مجموعة من طلابي في المعهد العالي للفنون المسرحية في جولة في ربوع ألمانيا، وكان من اشترك معي من طالباني وطلابي من الأحب إلى نفسي، وكان يجمعنا في تلك اللحظات شعور سام من الانسجام والتوافق والمحبة يندر أن يحدث في حياة الإنسان... ولكن تلك القصائد التي تمخضت عنها الجلسة -رغم ما أحمل من انطباع جميل عنها- ظلت تجربة تقل عن إبداع شاعر موهوب يخاطب القارئ، إذا أنها أقرب إلى "موزاييك" من الرؤى التي تسعى لأن تنسجم في لوحة مشكلة من قطع صغيرة.
في الثلث الأخير من القرن العشرين لمعت نظرية تنادي بالارتجال، سواء في الفنون أم في الآداب.. أما في العلوم فرغم أن الصدفة ليست مستحيلة إلا أن أي عالم محترم لم يكرس الارتجال وسيلة لاكتشاف المعرفة، بل يتفق الجميع على أهمية الدأب في البحث العلمي.. فلماذا إذن يستسهل بعضهم الأدب والفنون ويطبقون عليها ما لا يصدق مع سواها؟ بالنسبة للكتابة ظهرت محاولات للتأليف المشترك، أو الجماعي، في محاولة لمعارضة فكرة كون التأليف عملاً تخيلياً فردياً يحمل سمات مؤلفه الخاصة.. كما ظهرت محاولات لتقليد عباقرة الكتّاب الذين رحلوا عن عالمنا عبر استخدام تقنية الكمبيوتر التي "تستنسخهم" على نحوٍ أو آخر.. لكننا لم نسمع عن أي إنتاج إبداعي من هذا النوع بلغ مصاف العبقرية المسبغة على المبدع الأصلي، ولكن معظم المحاولات التي لفتت الانتباه وحظي بعضها بالتقريظ بوصفها فتحاً جديداً في عالم التأليف كانت تصب في ميدان المسرح.. في السبعينيات وفي بعض دورات "مهرجان دمشق للفنون المسرحية" قدمت من بعض الأقطار العربية عروض رفعت راية الارتجال، وخاصة من لبنان وتونس، وهما قطران متقدمان مسرحياً، إلى جانب مصر وسورية والعراق والمغرب وسواها... وكالعادة، سرعان ما سرت شرارة تلك الظاهرة عربياً، وامتدت خاصة إلى مصر مع بزوغ شمس "مهرجان القاهرة الدولي التجريبي" مع مطلع التسعينيات، بعد أن تكرست ظاهرة الارتجال التي صنعها رواد مهمون من تونس ولبنان هنا وهناك: من دمشق إلى المنامة إلى بغداد وحتى الرباط.. بل مال بعض مؤدي العروض الانفرادية إلى أن يستخدموا الارتجال كعنصر تداخل بين المنصة والصالة، أو بين المؤدي والجمهور، ليكن لكل عرض سحره وخصوصيته، متأثرين ببعض التجارب الأوربية الرائدة، وخاصة في إسبانيا وفرنسا.. وسواء كان الأمر متعلقاً بالمسرح التجريبي، أم بالمسرح الجوال في القرى، أم حتى ببعض عروض المسرح القومي الرصين غالباً، فإن عنصر الارتجال بدا جذاباً للغاية، وعدواه التي بدت كالموضة أصبحت إيماناً أعمى بأنه البديل السليم، والخلف الصالح لمسرح المؤلف الواحد، وحتى المخرج الواحد.. ولكن ذلك كان إلى حين.
كانت هناك أسباب عدة وراء انحسار ظاهرة الارتجال.. أول تلك الأسباب تشويه معنى الارتجال عبر تبني المسرح التجاري له وفقدان عنصر السيطرة على مثل ذلك الارتجال من خلال نجومية بطل العرض من نجوم الكوميديا ذوي الرصيد الشعبي الكبير، مما أوقع العروض في الإطالة والتطويل، أو في تجاوز الخطوط الحمراء للرقابة، أو في هز أداء باقي المؤدين بشكل يدفعهم إلى الضحك على خشبة المسرح (بل أصبحت تلك علامة على نجاح النجم/البطل تُكرَّر بشكل مدروس لتأكيد الاحتراف والتباهي بالتفوق).. ثاني تلك الأسباب كان عدم قبول الارتجال بحال من الأحوال في مجال مواز للتمثيل، وهو التمثيل التلفزيوني والسينمائي، حيث لا يلقى الارتجال قبولاً أو استحساناً بوجه عام، اللهم إلا في تجارب نادرة لسينمائيين طليعيين يستخدمون أشخاصاً غير محترفين.. ثالث تلك العناصر هو أنه بالرغم من نجاح تجربة التأليف الجماعي في إبداع عروض تستمد حواراتها من دراسات ميدانية يقوم بها الممثلون حول واقع الناس في جنوب لبنان على سبيل المثال، أو حول قضية وثائقية ما، فإن ذلك لم يتوفر له التكامل دون توجيه قائد بين المجموعة، يكون أحياناً مؤلفاً، وأحياناً أخرى مخرجاً، كما هو الحال مع فنان لامع الموهبة مثل روجيه عساف، أو نضال أشقر من لبنان أو عز الدين قنون من جهة، أو من جهة أخرى الفاضل الجعايبي، أو الفاضل الجزيري أو محمد إدريس من أفراد جماعة "المسرح الجديد" من تونس.. رابع تلك العناصر أنه لم يُكتَب لأفضل تلك العروض الناجحة نقدياً، وأكثرها حصداً للجوائز، أن يعاد إنتاجها، وبالتالي إحياؤها من قبل فرق أخرى ومبدعين آخرين لأن ملكيتها الفكرية ليست لشخص معين، ولأنها نادراً ما حظيت بالنشر في كتاب (إلا في مرحلة متأخرة) وحتى حين حدث ذلك فإن ثمة خشية ظلت مهيمنة في عدم نجاح تكرار تجربة ذات فرادة وخصوصية في زمان ومكان معينين.. خامس تلك العناصر أن التأليف للمسرح هو نوع من أنواع التأليف الأدبي، والأدب في معظمه تجربة فردية، سواء كان شعراً أم قصة قصيرة أم رواية أم مقالة نقدية أم مسرحية.. لذلك، يمكن القول إن الارتجال انحسر بريقه في مجال الكتابة الجماعية، ولكن ذلك لا يلغي وجود نماذج نادرة استطاعت أن تحرز مكانة تاريخية، وتسبح عكس التيار السائد.. هل يعني هذا موت الارتجال نهائياً؟ على الإطلاق، لأن الارتجال في انحساره تحول إلى قوة هائلة أخرى تخدم الإبداع، ولا أعتقد أنه يمكن الاستغناء عنها أبداً.
أخذ الارتجال يصبح وسيلة أساسية في معاهد التمثيل العربية بعد أن كان يُنظر إليه شذراً.. والحق يقال، إن المعاهد الأوروبية والأميركية سبقتنا إليه بزمن، وكانت له اتجاهات ومدارس متباينة هناك، نُشرت حول تمريناتها كتب بحالها، نذكر منها على سبيل المثال كتاب فيولا سبولين الأمريكية، وكيث جونستون البريطاني، وأوغوستو بوال الأرجنتيني، ولربما أضفنا نسبياً كتاب تاديشي سوزوكي الياباني.. من ناحية أخرى جرى توظيف الارتجال في خلق عمل فني خلال التدريبات، كما في بعض أعمال المخرج البريطاني المستقر في فرنسا بيتر بروك، والمخرجة الهنغارية أريان منوشكين، والمخرج الأميركي الراحل جوزيف تشيكن، والمخرجين البولنديين جيرزي غروتوفسكي ومواطنه التجريبي الآخر جوزيف شاينا، والمخرج الإيطالي المستقر في الدانمارك بوجينيو باربا، وسواهم كثير في مختلف عواصم العالم المسرحية.
لكن الارتجال مهما بلغ أثره من شأن وأهمية لا يمكن يصبح التيار الرئيس للإبداع الفني، لأن الارتجال خارج إطار المرسوم والمجرب والمتفق عليه يصبح عبثاً ونقطة ضعف في العمل الفني لأن الارتجال اتجاه يناقض هدف كل أديب وفنان وهو هدف الخلود.


