في رحاب الجولان

الحديث عن الجولان هاجس يومي، وموضوع إعلامي دولي يؤكد الحق العربي ويفضح الوهم الإسرائيلي الذي بدأ يتكشف للعالم، ولاسيما بعد أن ظهرت كتابات إسرائيلية تدعو قادة إسرائيل إلى الخلاص من الأساطير والأوهام التي تأسست عليها فكرة إسرائيل الكبرى، وكنت قد زرت الجولان طفلاً، و ما تزال صورته حية في ذاكرتي كأنني زرته البارحة، وكنت وما أزال موقناً بأن الجولان سيعود إلى وطنه الأم سورية إن شاء الله، وحين قرأت تاريخه في سنوات الدراسة الأولى عرفت أنه تعرض للاحتلال مرات عديدة عبر التاريخ، وكانت أرضه مسرح حروب ضارية بين الشعوب التي عبرت أرضنا السورية، وقد وجد الآثاريون ذكراً للجولان في رسائل تل العمارنة، والطريف أن الجولان خضع زمناً لحكم الفراعنة في مصر بعد حروبهم مع الحثيين، ثم استعاده الأشوريون السوريون، ثم تعرض لاحتلال فارسي، وبعده لاحتلال يوناني زمن الإسكندر الذي انتصر على ملوك فارس في القرن الرابع قبل الميلاد، ولكن القبائل العربية تدفقت للسكن في الجولان بكثرة في العهد السلوقي الذي تلا عهد الإسكندر، وقد تلاهم الرومان وفرضوا سيطرتهم على سورية وجعلوا الجولان ضمن ولاية حوران، لكن الحضور العربي بقي طاغياً وكبيراً ومؤكداً للهوية العربية للمنطقة كلها، فقد شهدت حوران في عهد الرومان ظهور مملكة الغساسنة الحليفة للبيزنطيين وقد شملت الجولان وشرق الأردن وجبل العرب وكان العرب التنوخيون يسكنون غرب الفرات والعراق، وكانت دولتا الغساسنة والمناذرة تعكسان في صراعاتهما صراع الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية، ونجد في شعرنا الجاهلي قصائد رائعة تعكس الحياة السياسية العربية في تلك المرحلة القريبة من ظهور الإسلام، وأهمها قصائد النابغة وحسان بن ثابت، وقد أنهى سيل الفتن التي افتعلها الاحتلال البيزنطي بين عرب الشام وعرب العراق نصر إسلامي مؤزر في معركة اليرموك، حيث كان الجولان معبر الفتح إلى تحرير الشام، وقد بقي الجولان أهم قاعدة عسكرية للفاتحين، وفي إحدى قرى الجولان الخصبة ( الجابية ) ألقى الخليفة عمر بن الخطاب خطبته الشهيرة قبل أن يعلن الوثيقة العمرية التي ما تزال دليلاً ساطعاً على عظمة الفهم والتطبيق الإسلامي للتسامح والتعايش بين الأديان، وتشير كتب التاريخ الإسلامي إلى دور قرية الجابية على مر العصور، ففيها تمت بيعة الخليفة مروان بن الحكم الذي بات شيخ بني أمية حين انقطع الحكم عن خالد بن يزيد لصغر سنه، ولكون الجولان قريباً من القدس فقد بات معسكرا هاماً للصليبين حين غزوا بلادنا واحتلوها، كذلك احتله المغول، إلا أن الجولان تحرر مع سورية ومصر من الاحتلالين الصليبي والمغولي في حطين وفي عين جالوت وعاد إلى عروبته الصرفة، وكان طبيعياً أن يخضع الجولان للعثمانيين حين سيطروا مطلع القرن السادس عشر على سورية ومصر، وحين تحررت سورية من الاحتلال العثماني في مطلع القرن العشرين عاد الجولان مع بقية الأرض السورية والعربية عامة إلى أصحابه الذين ما يزالون صامدين في أرضهم قابضين على جمر الحق العربي .

إن هذا الاستعراض السريع لتاريخ الجولان وما تعرض له من غزوات وصراعات ثم عودته بعد كل غزو إلى وطنه سورية، يمنحنا الثقة في أنه سيعود كما عاد مرات عبر التاريخ .

د. رياض نعسان آغا

إغلاق
يلزمك برنامج Adobe Acrobat للتمكن من تصفح العدد