فن التصوير الصيني!!..في عصر مينغ وتس انغ 1368 _ 1644

رغم أن المؤرخين الصينيين قدّموا فن التصوير الصيني في عصر مينغ وتس انغ باهتمام و تعمّق، و لكنهم ربما يكونوا قد أكّدوا على أعلام فن التصوير دون التعرض إلى مجمل التفاصيل الهامة عبر سجلات تاريخهم، و خصوصاً في فترة ازدهار منطقة (سوتشو Suzhou) في أواسط عهد أسرة مينغ تلك المنطقة التي استفادت من تطورها الاقتصادي و مناخها الجاذب لكل الفعاليات الحيوية في ذلك الوقت، وأصبحت مركزاً للاقتصاد و الثقافة في الجنوب و تقدمت في صناعة الغزل والنسيج، و اجتمع فيها عدد كبير من الخطاطين والرسامين لاقامة الحوارات حول المهارات و بيع الأعمال الفنية و ازدهرت ابداعات الرسم و الخط حسب ما يورده ( تشو انغ جيايي ونيه تشونغ تشنغ ) في كتابه ( الرسم الصيني ..) و فيه لم يذكر إلا رسامين أربعة من منطقة ( وومن )Wumenو بعض الفعاليات الفنية الأخرى، و لم يتعرض للعدد الأكبر من الفنانين المصورين و ناسخي الأعمال الفنية المهرة في عهد أسرة مينغ رغم الأهمية الكبيرة لوجودهم في خضم الحراك الثقافي، الأمر الذي دعا بعض النقاد المؤرخين الأوروبيين مثل
( Jean.A.Keim ) إلى إعادة دراسة عصر مينغ، و هو ما سنذكره بشئ من الوصف و التحليل بما يتضمنه من إضافات ربما تعيد شيئاً من التوازن للعصر المذكور ، مع إلقاء الضوء على إبداعات التصوير للعديد من الفنانين الصينيين الذين تركوا بصماتهم المميزة خلال فترة ما يقرب من ثلاثة قرون دامت في رعاية أسرة مينغ وتس انغ
بناء على ما تقدم نقول إن عصر / مينغ / هو عصر ولادة إبداعات الفنانيين الصينيين الذين ارتكزت إضافاتهم الإبداعية في فن التصوير على المنابع التقليدية الصينية، و جسدوا شخصية التراث الصيني الحقيقي باحترام أعمال المعلمين القدامى و التعلم من ثقافاتهم الفنية و الفكرية المنطلقة من أرضية ثقافية نظرية معتمدة على مبادئ و أصول ، تلك التي كانت رموزها و فحواها تنطلق من العقائد و التقاليد و البيئة الصينية بأرضها و إنسانها و كل مكوناتها الحيوية و التاريخية.
كان الدافع الأكثر فاعلية للنشاط الفني و خاصة التصوير في تلك الحقبة و جود أحد القياصرة
Suan - Te ( سوان تي ) 1396 - 1435 شخصية هامة ترعى الفن والأهم أنه كان مصوراً جيداً مثال ( رقم 2 ) وقد حكم البلاد خمس عشرة عاماً و في رعايته كثر الحوار و النشاط الفني في كل المراكز الثقافية الفنية في الصين و خصوصاً في مدرسة Wu
( وو ) التابعة لمنطقة ( وومن ).
ظهر الفنان ( ليوكي ) Liu-Ki14961576 الذي عرف في تلك الحقبة بشهرته الكبيرة كفنان مصور للقصور و الزهور والحيوانات ، وقد انتهج الأسلوب التزييني في رسومه و اكتسب أعماله الفنية شهرة واسعة ، من تصويره اقتبس الفنانون اليابانيون العناصر الزخرفية و استخدموها في تزيين الحواجز الداخلية و الجدران في الفراغات المناسبة ( المثال رقم 1 ) .
و تستمر الإضافات الفنية في حقبة مينغ وتس انغ حيث يظهر الإتجاه لجمع الأعمال الفنية الهامة و اقتنائها، وتكثر الدراسات حول الفن وحواراته و الثقافات النظرية المتعلقة به و صدرت الموسوعات التي تضمنت واحتوت كنوز التاريخ الفني الماضي في البلاد.
وجرى تسليط الضوء كذلك على أعمال الفنان ( تونغ كي تشنغ ) Tung K"I czeng التي ركزت في مضمونها على الفكرة أكثر من الإحساس ( مثال رقم 6 ) وقد تركزت الإهتمامات الفنية نحو تنمية الفكر الفني الأكاديمي لتنمية الحوار المنظم و تأهيل الأفكار والأبحاث الفنية، و برزت مدرستان ارتبطتا بحكم المناطق: مدرسة الشمال ومدرسة الجنوب، وفيهما نمت الإمكانات الأكاديمية، و تشكلت مجموعات أهلتها خبرتها لتسمية أكاديميين ومتمرنين، وبرزت أفكار تتعلق بإدخال الحروف والكلمات الصينية و إدماجها في تأليف التصوير للمناظر الطبيعية المبهجة و المعبرة عن الأراضي و الجغرافية الصينية بكل عناصرها الإنسانية و الحيوانية والنباتية .و عُرف الفنان ( وانغ هوي ) Wanghuei1632 1717 مصوراً واسع الثقافة و متعمق في فهم عناصره التصويرية ، يرسم برقة و يقدم إبداعه الهادئ الحالم بخصوصية التدرجات الرهيفة في ألوانه ، وقد كان يتوق في أعمال التصويرية إلى السير في مسار الفنانين الصينيين القدامى دون أن يقلدهم ( من أعماله المثال رقم 12) و نضيف إلى فناني هذه الحقبة المصور ( يون شو -ب انغ ) Junszup'ing16331690الذي ابتدأ بمناظره الطبيعية و انتهى برسم الزهور (شكل 13) .
افرز الحراك الثقافي والحوارات و التجارب الفنية الطموحة مستويات متميزة للفنانين، بعضهم زاد شهرة و آخرون غابت أسماؤهم ، وظهرت جماعة المهرة اليدويين أو محترفي أعمال النسخ عن أعمال الفنانين القدامى و الذين تمكنوا من جمع مخزون فني كبير لأعمال الفنانين الصينيين.
وفي إطار التجمعات الفنية التي وفرها المناخ السياسي و الاجتماعي في حقبة أسرة مينغ تشكلت مدرستان جديدتان إحداهما مدرسة cze(تشي) و مدرسة ( وو ) Wu التي أشرنا إليها و قد أسس المدرسة الاولى (تاي- تشين ) TaiTsin14301456 الذي ابتعد عن البلاط وذهب إلى الريف ليعيش مع أعماله الفنية، وقد اشتهرت صورهُ بأنها ترسم أحداثاً ملفتة عندما صورت في خلفياتها عناصر ورموز محملة بالدلالات و التعابير، وقد عرف بمهارته في إخراج صوره بتقنيات تصويرية بارعة، ولم يخف هذا الفنان تأثره بثقافة من سبقوه من الفنانين الصينيين خصوصاً أولئك الذين تميزت أعمالهم بالحس الباروكي الذي يجسد الواقعية في إيقاعاتها الرتيبة ( مثال رقم 3) أما اتجاه مدرسة (وو) Wu فقد مثله الفنان ( شن تشو ) szen czou1427 1509 الذي توجه نحو الإرث الفني التقليدي المنبعث من عصر (سونغ ) sung ( المثال رقم 4 ) و الذي يجمع تنوعاً إبداعياً لا تحيط بوصفه العبارات.
ومن أمثلة أولئك الفنانين كان الفنان كيو إنغ Kieu- eng الذي تميزت أعماله في الفترة بين 1522 1560 فنان انتهج بتصويره الأسلوب التزييني ( مثال رقم 5) وعبر هذه المداخلات و التحليلات يمكن القول أن فناني عصر مينغ وتس انغ بذلوا مجهودات خاصة جداً تدل على زمنهم و تفردهم، وجسدوا امتيازاً وخصوصية بحيث لا يمكن تصنيفهم بأنهم أكاديميين رسميين ولا متمرنين مثقفين ولا يشبهوا الفنانين الأوروبيين الذين عملوا في إطار المدارس اليابانية، هؤلاء بالطبع لم يخلقوا فناً خارجاً عن الرؤية الصينية والمناخ الصيني ولكنهم أكدوا في عمق انتمائهم خصوصية مناظرهم و ابتعادهم عن المفاهيم المعاصرة التي ربما تلتهم بشكل ما الحس الإنتمائي و الملامح المحلية بسبب هجومها الاختراقي على كل القيم الإرثية التقليدية.
وفي نظرة شاملة على انجاز هذه المرحلة في عصر أسرة مينغ في تاريخ الفن الصيني المتعدد الأحقاب و المراحل و التأثيرات و المرجعيات و المنابع و التعمق في دراسة الطبيعة وفي الحس الإنساني حتى في أرجاء المنظر الطبيعي ، وإسباغ المعاني الروحية على عناصره و مكوناته نتوصل إلى تحديد معالم تلك المرحلة الهامة التي ولدت في غضون مخاص ثقافي امتد لأكثر من الفي سنة، وقد أبرزت هذه الحقبة التاريخية خصائص هامة وواضحة لإنتاج فنانيها تتمثل في دراساتها الواقعية وتقنياتها التصويرية البارعة و المتفوقة و اتجاهها نحو الحس التزييني المتجه بشكل ما نحو البساطة وانتمائها بامتياز لمناخها الصيني المتفرد.



