عن الحدود والضياع في سينما الواقع

ميزة أفلام سينما الواقع أنها تعرض احتمالات الحياة المتباينة، بما فيها من آمال وأحلام،هزائم وخيبات صغيرة، قصص منفية على الهامش، انتهاكات وظلمات..ضمن عروض أيام سينما الواقع لهذا العام، استوقفتني تجربتان على صعيد الطرح السينمائي لسياق الحياة الواقعية: الأولى للمخرجة التشيكية «هيليناتريشتيكوفا» «كاتكا» والثانية للمخرج السوري «إياس المقداد»  «راقصون وجدران»

تعرفنا على المخرجة التشيكية « تريشتيكوفا » قبل عامين في فيلمها «رينيه » الذي استغرق قنص صوره المعبرة أعواماً طويلة، رتبت بعناية لترسم صورة الإنسان المنفي من الفاعلية الاجتماعية والسياسية، صورة الإنسان الأوروبي المهمش، التي لا نتعرَّفها عادة في ملحقات الأخبار اليومية.. ويبدو واضحاً أن « تريشتيكوفا » صورت فيلمها الجديد «كاتكا » بالتزامن مع فيلم «رينيه » لتكمل الوجه الآخر لإدمان السجون في حالة «رينيه »، وهو إدمان الهروب من الحياة اليومية بالاستغراق في نشوة المخدرات.
بدأت مع «كاتكا » مذ كانت في السادسة عشرة من عمرها في عام 1996 وتابعتها أربعة عشرة عاماً، وهي تتسقط الخواء الروحي يتأصل تدريجياً في ذاتها الضائعة المشتتة. دون أن تنسى رصد لحظات الأمل القليلة التي استوقفت ذلك التدهور، ابتداء برغبة خجلة في الحصول على صديق يحبها، وصولاً إلى مرحلة الحلم بطفل يعوِّضها هاجس الفقدان المركزي في حياتها. ومثلما أكدت « تريشتيكوفا » في فيلم «رينيه » أن طوق الإدمان لا يُكسَر أبداً، كذلك هي حالة التخبط وانعدام الخيار الحر عند «كاتكا » أيضاً، والذي يجبرها على التخلي عن طفلتها الصغيرة بعد ولادتها، لعجزها عن اجتراح معجزة الشفاء من الإدمان. أي إنَّ الفرق ليس كبيراً بين إدمان السجون والمخدرات، من حيث اختيار المنفى الطوعي للإرادة الإنسانية والخيار المستقبلي.
بالمقابل ندهش تماماً إزاء الحيوية المميزة التي يعرض بها «المقداد » فيلمه «راقصون وجدران »، والطريقة الذكية التي التفَّ بها حول موضوع حساس كثقافة الجسد المحاصرة عربياً.

جينا سلطان

إغلاق
يلزمك برنامج Adobe Acrobat للتمكن من تصفح العدد