عماد الدين نسيمي.. على طريق السهروردي

سيد علي، عماد الدين نسيمي، ولد عام 772 ه - 1370 م، في السنة التالية لانتصار تيمورلنك على التتار، في مدينة ) شماخي (بأذربيجان، وهي حاضرة شيروان، ولا يُعرف وضع أسرته الاجتماعي، فهي أسرة عادية، أقرب إلى التدين. اتبع علي أهل العلم ودرس اللغتين العربية والفارسية، إضافة إلى اللغة الأذرية، القريبة من التركية، ثم انصرف إلى دراسة العلوم الفلسفية والرياضية والفلكية والحكمية والطبية وتعمق في الأدب والشعر، فنظم الشعر بلغات ثلاث.
اعتمد نسيمي المصادر المحلية الثقافية، فضلاً عن المصادر الخارجية، فقد استوعب ثقافة عصره وثقافة أسلافه، فقرأ الحلاج والخيام والفردوسي ونظامي وسعد الشيرازي والرازي وابن سيناء، فضلاً عن تصانيف إخوان الصفا، ووصلته أخبار أبي الفتوح يحيى السهروردي، مواطنه الأذري، الذي سبقه بمئتي عام، اهتم بفكر الحلاّج وإخوان الصفا، في حقل مذهب «المنصورية » المنسوب إلى حسين منصور الحلاّج، حتى إنه حين نظم الشعر في شبابه كان يشير إلى نفسه بلقب « حسيني » متيمناً بحسين الحلاّج.
وله على هذا الطريق، أستاذه «نعيمي » فضل الله 740 ه - 1339 م. الأديب والعالم، صاحب كتاب «الحب الفلسفي »، وأخذ نسيمي لقبه من مشابهته لوزن نعيمي. أخذ نسيمي العلم والمعرفة وابتعد عن أنوار ومحراب السلطة وعن مفاتيح خزائن المال والمتعة الجسدية، وحارب التسلّط بكافة أشكاله، ورفض الخرافة والترويج لها وآمن بسلطة العقل ورفض النفاق لمن بيده الأمر. ترك هذا الطريق خصوماً لعماد الدين، فاتُّهم بالتسلط على عقول الناشئة، وكان من أشهر تلاميذه: الأخوان ناصر الدين وأخوه علي، ولدا ذي القادر باك. لقد أثم عماد الدين بعقله، وسار على طريق السهروردي والحلاج، واعتنق الحروفية، وسمّى نفسه «علي الأعلى »، نسبة إلى قدم الحروف الأبجدية، وربط ذلك بعناصر الكون الأربعة )الماء والهواء والتراب والنار(، وطالب الناس بالأخذ بالعلم لمحاربة المستبدين، واستشهد بقول الله عزّ وجلَّ على القراءة «أقرأ باسم ربك الذي خلق »، ومن لا يريد العلم جاهل كافر. التف حوله الناشئة، من أهالي حلب وأطرافها، وكثرت نشاطاته، حتى بدأ الناس يتناقلون أخباره وأشعاره ومحاضر جلساته بشكل سرّي.
أحد مريديه، تلا في سوق حلب قصيدة من الشعر الصوفي، فاستنكرها بعضهم ورفعوا أمره إلى كافل حلب « يشبك اليوسفي »، فأفتى بقتله لمجاهرته بالزندقة، ثم سُئِل عن مصدر الشعر فأبى، ونسبه إلى نفسه، خوفاً على نسيمي، ثم ساقوه إلى الإعدام، فعلم نسيمي بأمره، فأسرع إلى ساحة الإعدام، منادياً، محذراً ومعلناً للحقيقة... فقد كان الشعر له، وهذا الشاب من مريديه، فنال الشاب العفو، وأُخِذَ نسيمي إلى النائب الأمير يشبك اليوسفي، وأعلم السلطان «مؤيد شيخ » بأمره، فأمر بمحاكمته، وجمع له النائب، قضاة حلب للمذاهب الأربعة:
* قاضي القضاة، فتح الله الشحنة المالكي
* وقاضي القضاة، شهاب الدين الحنبلي
* وابن الخطيب الناصرية
* وشمس الدين أمين الدولة.
اجتمعوا بحضور الأمير «سيف الدين يشبك اليوسفي » نائب السلطان المؤيد شيخ، وحضر للادِّعاء عليه، رجل تركي عُرف بابن الشنقشي، فقال النائب للتركي: «إما أن تثبت ما تزعمه بحق هذا الشيخ، من كفر وزندقة، أو أقتلك به ،»
فأحجم التركي عن الإدعاء. وإذا بالشيخ شهاب الدين بن هلال يحضر المجلس، ويجلس متقدّماً على القاضي فتح الله بن الشحنة، على الرغم من مكانة الأخير عند جمهور حلب، فأبعد فتح الله وأشاح مشمئزاً، وسأل قاضي الحنابلة، ماذا يريد شهاب الدين بن هلال، فصاح: الفتوى، وأعلن فتوى قتلِ نسيمي... التفت إليه القاضي فتح الله يسأله عمّا إذا كان يوافق على كتابة الفتوى ويوقع عليها، فوافق وكتبها ووقعها، ثم عُرِضت على القضاة الأربعة فرفضوها واستنكروا القتل بالإجماع. فأخذ النائب يشبك اليوسفي، وقال، أنا لا أقتله بفتوى واحد، والأمر معروض على السلطان مؤيد شيخ. حجِز عماد الدين في دار العدل، ريثما يُصار إلى إبلاغ السلطان، وأثناء غياب النائب في حملة في جهات الشمال، نحو أنطاكية، أُخرِج نسيمي من دار العدل إلى القلعة، ومن ثم إلى حبس الدم وأُلقي فيه، ليتابع مسيرة سلفه السهروردي. وصل مرسوم السلطان، مؤيد شيخ، بسلخ جلد نسيمي والتشهير به في أسواق حلب وأحيائها، لسبعة أيام، يُنادى عليه، ثم تقطع أوصاله وأعضاؤه، ويرسل منها شيء إلى أتباعه من الأمراء ) ناصر الدين باك ذي القادر وأخوه علي (. وعثمان قره يلوك، لأنهم اعتُبِروا ممن أفسدهم نسيمي، وخرّب عقيدتهم. أخرِج نسيمي من حبس الدم، ونادوا عليه مشهِّرين في أسواق حلب وأحيائها، مشدوداً فوق حمار، لسبعة أيام، ثم صلبوه على سفح القلعة، وسلخوا جلده، وظل هكذا لمدة أسبوع، وحامت فوقه الجوارح، تأكل لحمه، ثم قطعوا أوصاله وأطرافه وأرسلت إلى مريديه. وعندما كان جلد نسيمي يسلخ، اقترب منه أحد الشامتين وقال ساخراً: «يا شمس ما بالك مصفراً …!! ألم تدّعِ بأنك شمس، أم خشيت من الموت؟ » فأجابه نسيمي: «أنا الشمس المشرقة في أفق الأبدية … أَو لَمْ تر إلى الشمس كيف تصفرُّ عند المغيب .» تسلمّ بعض الصالحين والمريدين، بشكل سرّي، ليلاً، جثة الشهيد، وقاموا بدفنها بإذن من القضاة الأربعة، لتدفن على قواعد الشريعة الإسلامية، ثم بنى سكان حلب للشهيد مشهداً فوق قبره تحت المكان الذي صُلِب فيه، مما يلي الطريق المحيطة بالقلعة، بالقرب من حمَّام السلطان الظاهر غازي. وقد حَدَّد الملك قانصوه الغوري المدفن بقبة، أمر ببنائها فوق القبر وكانت واجهة البناء المطّلة على القلعة منقوشة بما يلي: «جدّد هذا المسجد المبارك وراء خندق القلعة مولانا السلطان الأشرف ) أبي (النصر قانصوه الغوري، عزّ نصره سنة تسعمئة وعشر » بعد تسعين عاماً على وفاة نسيمي، وقد أزيلت هذه الكتابة، بعد أن أنشئ مقهى على حافة رصيف القلعة، وأخذ جزء من قبر نسيمي. ثم تحول القبر إلى مزار، تقف أمامه النساء، على الشباك الحديدي، يقرأن الآيات ويضعن الشموع والزيوت وقطع الأقمشة الخضراء والحمراء والصفراء، يوفين نذورهن…
لقد تأثرت الصوفية بالديانة المسيحية، وهنا نرى آثارها واضحة في الأناشيد الصوفية والغزلية التي صاغها عماد الدين، وهي صورة صادقة عن التعايش بين الأديان التي تعيشها المنطقة، فلا مسيحية ولا إسلام وإنما هناك دين واحد هو الإنسان.


