علم الآثار في الخيال العلمي

علم الآثار Archaeologyهو الدراسة العلمية لمخلّفات الحضارة الإنسانية الماضية. ويتحرىالآثاريون حياة الشعوب القديمة، وذلك بدراسة مخلفاتها. وتشمل تلك المخلفات أشياءمثل: المباني والقطع الفنية، والأدوات والعظام والخزف. وقد يقوم علماء الآثارباكتشافات مثيرة، مثل اكتشاف قبر يغص بالحلي الذهبية، أو بقايا معبد فخم في وسطالأدغال. ومع ذلك فإن اكتشاف قليل من الأدوات الحجرية أو بذور من الحبوب المتفحمة،ربما يزيح الستار بشكل أفضل عن جوانب كثيرة من حياة تلك الشعوب؛ فاكتشاف أنواعالأكل التي كان النّاس يتناولونها في الأزمنة الغابرة، يجعلنا ندرك أوجه الشبه بينحياة أولئك القوم وحياتنا الحالية. وما يكتشفه عالم الآثار، بدءاً من الصروحالكبيرة وانتهاء بالحبوب، يسهم في رسم صورة عن معالم الحياة في المجتمعاتالقديمة.
البحث الآثاري هو السبيل الوحيد المساعد على استنطاق أوجه الحياة فيالمجتمعات التي وُجدت قبل اختراع الكتابة منذ خمسة آلاف عام تقريباً. كما أن البحثالآثاري نفسه يشكِّل رافداً مهماً في إغناء معلوماتنا عن المجتمعات القديمة التيتركت سجلات مكتوبة. ويُعدُّ علم الآثار في القارة الأمريكية، فرعاً من(الأنثروبولوجيا(علم الإنسان؛ وهي دراسة الجنس البشري وتراثه الفكريوالمادي. ويرى علماء الآثار في أوروبا أن عملهم هذا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بميدانالتاريخ، غير أن علم الآثار يختلف عن علم التاريخ من جهة أن المؤرخين يدرسون، بصورةرئيسة مسيرة الشعوب استناداً إلى السجلات المكتوبة، أي الإرث غير المادي للحضارات.
عربياً، يمكننا عدُّ موفق الدين عبد اللطيف البغدادي (565-629هـ/1162-1231م) الرحالة العالم والطبيب الجراح، أول آثاري عربي، بالمعنى الدقيق للكلمة، ولا يرقى إليه باحث في الآثار في الشرق أو في الغرب، فهو يصف الآثار، ويفصّل في ذلك، ويشرّح المومياء ويحللها بدقة، ويحاول معرفة موادها وأسرارها. وينقل البغدادي في كتابه «الإفادة والاعتبار» شيئاً عن موقف السلطات في الدولة العربية من الآثار الخاصة بهم أو التي سبقت عهودهم قائلاً: «وما زالت الملوك تراعي بقايا هذه الآثار وتمنع من العبث بها وإن كانوا أعداء لأربابها، وكانوا يفعلون ذلك لمصالح منها لتبقى تاريخاً يُنتبه به على الأحقاب، ومنها أنها تدل على شيء من أحوال من سَلف وسيرتهم، وتعداد علومهم، وصفاء فكرهم وغير ذلك، وهذا كله مما تشتاق النفس إلى معرفته وتؤثر الاطلاع عليه...» وفي هذه العبارات تحديد سليم لأكثر مهمات علم الآثار في العصر الحديث.
تأثير علم الآثار على العمل الأدبي كان قوياً بسبب هيمنة الرواية التاريخية على الساحة الثقافية لفترة طويلة من القرن التاسع عشر. وكان شاهد علم الآثار مصدراً حيوياً للروائيين التاريخيين الطموحين الذين يرغبون بتوسيع مجال عملهم إلى عصور كان التوثيق فيها ضئيلاً. فقد حقق اكتشاف بلدة بومبي المدفونة في رماد بركان فيزوف بإيطاليا عام 79 ميلادي، اهتماماً شعبياً واسعاً من خلال رواية إدوارد بلور ليتون (الأيام الأخيرة لبومبي) عام 1834 -والتي كانت الأكثر مبيعاً حينها- التي ظهرت قبل أن يبدأ الاستقصاء العلمي للموقع جدياً أواخر خمسينيات القرن التاسع عشر.
لعب الأدب القديم دوراً هاماً في توجيه اهتمام علماء الآثار وقد نفِّذَت استقصاءات كثيرة في الأراضي المقدسة سعياً وراء الأساطير التوراتية. حيث بدأ هنريش شليمان الحفر في هيسارليك عام 1871 أملاً في اكتشاف الهومر (مكان عبري قديم) وقد تمكن فعلاً من الاهتداء إلى المكان الصحيح.
ميدان علم الآثار الذي أثر الخيال فيه بقوة في القرن التاسع عشر كان في مصر التي امتلكت إلى حد بعيد النتاجات الصنعية الأفضل والأضخم؛ فالكثير منها كان مطموراً في رمل يمكن إزالته بسهولة.
صور لنا بيرسي شيلي في (أوزماندياس) عام 1818، الدرس الرئيس الحي للعلم، وساعد عمله (رومانسية المومياء) عام 1858، على ظهور الرومنسيات في علم الآثار لدى الأدب الرومانسي الفرنسي.
جورج إبرس الذي شغل كرسي الأستاذية في علم الآثار المصرية في جامعة لايبزغ، أصبح كاتباً مؤثراً لدرجة كبيرة في الروايات الملهمة من علم الآثار مثل (الأميرة المصرية) عام 1862، و(سيرابيس) عام 1885- سيرابيس الإله المصري الذي عبده الإغريق والرومان- و(طائر من النيل) عام 1887. وقد كتب إبرس أيضاً روايات توراتية أعطيت شكلها بوساطة علم الآثار منها (يوسا) عام 1867.
قام خلف إبرس الألماني إرنست إكشتاين الذي كتب عدة روايات خيالية عن روما القديمة لكنه أفاد بدرجة كبيرة من المعلومات التي قدمها له علم الآثار في (أفروديت) عام 1886. وتضمن الخيال الإنكليزي من النوع نفسه أعمالاً للآثاري ذائع الصيت سابين برانغ غولد أكثر بروزاً (السرمدي) عام 1897، وقد كان عمله (التوقف عن الدوران) الأكثر غرابة في علم الآثار المصرية حيث يصوّر فيه المومياوات التي أحيت من جديد، وكان رائده في ذلك عمل جين ويب (المومياء) عام 1827.
الانبعاث السحري ولّد العديد من القصص التي تصور المومياوات التي عادت للحياة مثل (ابن فرعون) لإدغار لي عام 1889، و(اللغز) لثيو دوغلاس إيراس عام 1896، و(مصرية عابثة في الحب) لكليف هولند عام 1898، و(المنارة المصرية: فراعنة مصر) لجاي بوثلي عام 1907، و(جوهرة النجوم السبعة) لبرام ستوكر عام 1907.
الحدث الأكبر في علم الآثار المصرية كان في بدايات القرن العشرين لهوارد كارتر عندما اكتشف قبر توت عنخ آمون عام 1922، مما جعله حافزاً إضافياً لتنظيم علم الآثار المصرية من جديد وصل لذروته الأدبية في (سينو المصري) لميكا والتاري عام 1945.
سلسلة الخيالات الجامحة التاريخية المُلهمَة بعلم الآثار الأكثر نجاحاً والمحبوكة ببراعة لأبعد حد (سلسلة رمسيس) لكريستيان جاك التي بدأها بـ (ابن النور) عام 1995.
الميادين الأخرى ذات الأهمية الخاصة في علم الآثار كانت في جزيرة كريت، حيث اكتشفت بقايا هامة من الحضارة المينوية في كنوسوس بوساطة آرثر إيفانس بين عامي (1900-1904). وكان أن ظهرت مادة اكتشافاته في أعمال أدبية مثل (فتاة كنوسوس ذات الجناحين) عام 1933.
علم آثار العالم الجديد- الذي مهد طريقه توماس جيفرسون وكاليب أتواتر في نهاية القرن الثامن عشر- كان متميزاً إلى حد بعيد عن علم آثار العالم القديم، فقد كان يبحث في تقاليد ثقافية تمت إزالتها من قبل المستعمرين والفاتحين، وقد أُجهز على بقاياها الأخيرة في القرن التاسع عشر.
وفي الوقت الذي كان فيه علم الآثار في أوروبا والشرق الأدنى قد وصلنا من خلال الأدب التقليدي والكتب المقدسة؛ فإن علم الآثار الخاص بأمريكا صيغ بشكل ابتدائي بوساطة روايات خيالية عن أصول الأمريكيين الأصليين والتي كثيراً ما ربطتهم بـ (القبائل المفقودة) العبرية القديمة، أو بأساطير أطلانطس.
شكلت هذه الروايات بيئة لمغامرات الخيال مثل (كتاب المورموني) لجوزيف سميث عام 1930. لكنها وجدت أصداءً أقل في أعمال تقليدية أكثر في الأدب. إن (الآثار الباقية القديمة لوادي الميسيسيبي) لسكوير ودايفس عام 1848 استهل بافتتان طويل ببناة الرابيات القدماء، لكنه لم يجد أصداءً أدبية في القرن التاسع عشر.
أصبح البلثنولوجيا (فرع من علم الأعراق والسلالات البشرية يبحث في إنسان ما قبل التاريخ) متميزاً أكثر على نحو متزايد عن علم الآثار في القرن العشرين، مع أنه استفاد من التقنيات والتطويرات نفسها ومن تطوير طرائق تحديد التاريخ الجديدة.
حدثت قفزة نوعية في علم الآثار بعد ابتكار طريقة تحديد التأريخ بوساطة الكربون المشع من قبل ويلرد ليبي عام 1949 الذي أضاف تكملة مفيدة لطريقة حلقة الشجرة لتحديد التأريخ التي وضعها أندرو دوغلاس، وقد اندمجت هذه الوسائل بسرعة في قصص ألغاز علم الآثار، حيث كشفت أماكن حفر افتراضية عن أشياء غريبة جداً وخارقة للطبيعة.
دخلت علم الآثار قصص غير طبيعية كلعنة الفراعنة كما في عمل م.ر.جيمس (قصص شبح نموذجي لجامع أشياء أثرية) عام 1904، وغيره من الأعمال التي كانت ترتكز على مبدأ (سوف يلعن من يزحزح عظامي). وفي هذا السياق فقد أدلت أغاثا كريستي في قصصها البوليسية ما قبل التاريخية بدلوها، كون زوجها الثاني عالم آثار.
ألغاز علم الآثار التي عناصرها الدخيلة هي خيالية علمية ظهرت في أعمال مثل (مدينة الميت) عام 1910، و(الصور الرمزية النافرة) لروي نورتون، و(المدينة السرية) و(الخادرة) عام 1936 لبشلر ميلر، و(عند جبال الجنون) عام 1936 للوفر كرافت، و(مدينة ميتة) عام 1946 لموراي لينستر، و(أناسازي) عام 1980 لدن إنج، و(الألواح الممسوحة) عام 1984 لكارتر شولتز و غلين هاركورت، و(هو-نحن-ننتظر) عام 1987 لهاوارد والدروب.
وجّه كتاب الخيال العلمي أيضاً أفكارهم عن ألغاز علم الآثار إلى أوضاع قائمة خارج الأرض في أعمال مثل (شياطين القمر) لجون بينون هاريس عام 1934، و(أومنلنغوال) لبيارن ماك دانيال عام 1967، و(بقايا إيزيس) لماريون برادلي عام 1979، و(شجرة الناقوس) لهوفر، و(البلدة الشبح) لتشاد أوليفر عام 1983، و(لعنة الملوك) لكونل ويلز عام 1985، و(موهبة للحرب) لجالك ماكديفيت عام 1989، و(محركات الآلهة) عام 1994، و(فضاء الإلهام) عام 2000 ألاستير رينولد، و(من أجل الحب والمجد) لباول أندرسون عام 2003، و(المجهولون الثلاثة) لسفرنا بارك عام 2004.
وهناك روايات أخرى عن علم آثار المستقبل مثل (سنة ذات شمس هادئة) لويلسون توكر عام 1970، و(مخبأ السكلوب) لألن وُلد عام 1992، وخرافات مثل (لأولئك الذين يأتون فيما بعد) لدن ماك لولين عام 1951، و(لا ارتباطات) لراندال غاريت عام 1958، وفيه تعلّم الدروس بشكل أكثر وضوحاً وتفصيلاً من تلك التي في (أوزماندياس) لشيلي.
الأشكال الأخرى المختلفة في الخيال الجامح الخاص بعلم الآثار تتضمن خيالات جامحة غريبة الأطوار مثل (عظامهم) لهوارد والدروب عام 1984، و(الضوء الأول) لبيتر أكرويد عام 1989، وروايات عن تقنيات جديدة تسهل التنظيم من جديد لصور من الماضي مثل (أصداء عالم البدء) لرايموند غالون عام 1989، و(جزء من الثانية) لغاري كيلورث عام 1979، و(ذات مرة في الإسكندرية) لدولاند فرانسون عام 1980، و(أنهار دمشق) لـ ر.أ.لافرتي وهو وصف نادر لعلم الآثار الشاذ Pararchaeology.
فكرة أن حفريات علم الآثار يمكن أن تظهر دليلاً على زيارة الغرباء سرعان ما اتسعت إلى خارج حقل الخيال المقبول، منتجةً نوعاً فرعياً من الخيال الجامح الذي كان رائده إيريك فون دانكن في (مركبات الآلهة) عام 1971.
وقد كان من الفنان البلجيكي صاحب الاسم المستعار ميشيل دي شبيغلاير أن يهجو الابتكارات الخيالية التي جمعها المستكشف المزيف ألكسندر همبولدت فونتين والتي تضمنت عدداً من المومياوات المريخية والتي وجدت على نحو مزعوم في أريزونا.
إذاً، فقد أثار علم الآثار خيال الكتّاب، مثله في ذلك مثل أي علم آخر يقتنص اكتشافاته وابتكاراته أدباء، فهل لكتابنا في الخيال العلمي أن يستفيدوا من هذه التجارب، ونحن في سورية نملك ربع الآثار في العالم؟؟
سؤال يبقى مطروحاً حتى نجد نتاجات خيالية علمية تغتنم الفرص المتاحة في استغلال الاكتشافات الأثرية التي تطالعنا بها وسائل الإعلام كل شهر.


