عـامـريّـات ابن درّاج القسطلّيّ

تتناول هذه الدّراسة موضوع المديح في شعر ابندرّاج القسطلّيّ (ت421 هـ)، وشعر ابن درّاج جُلُّه في المديح، وهو يربو على ستّة آلاف بيت، وهذا ممّا يسوّغ الاقتصار على العامريّات ميداناً مستقلاً للبحث.
وثمّة دوافع إلى التّفكير بضرورة إنشاء دراسة مُستقلّة تتناول العامريّات، أبرزها:
- أهميّة العامريّات ذاتها؛ فهي وثيقة فنيّة ترصد حقبة تُعَدُّ من أزهى الحِقب في دولة الأندلس الأمويّة، وهي مدّة حكم المنصور بن أبي عامر المَعافريّ (ت 392 هـ)، فقد واكبت هذه القصائد سيرة البلاط العامريّ في السّلم والحرب، مؤرّخة أبرز الأحداث التي عاشتها قرطبة آنذاك، ومُشيدة بروعة الأمجاد التي سطَّرها المنصور بكفاحه المستمرّ ضدّ الرّوم، والتي لم يُقدَّر للعرب أن يستعيدوها ثانية بعد أن كبت خيول المجد العربيّ في الأندلس، وتزداد هذه الوثيقة قيمة إذا علمنا أنّ المصادر التي وصلت إلينا عن عصر المنصور العامريّ قليلة.
- المرتبة الأدبيّة الرّفيعة التي حازتها هذه القصائد، فالعامريّات من أجود ما نظمه ابن درّاج، وأحقّه بالدّرس والاهتمام، لأنّه أراد أن يُثبت من خلالها تفوّقه الشّعريّ، وقدرته على مجاراة فحول الشّعراء المشارقة، فضلاً عن ثرائها من حيث أصالتها، وتنوّع موضوعاتها، وما تنضح به من نفحات وجدانيّة صادقة مبعثها إعجاب القسطلّيّ بأميره العامريّ الذي جعل من الأندلس أقوى دول الغرب الإسلاميّ آنذاك، وتغنّيه بأشواق فكره وروحه الهائمة بالمجد بالرّغم من القيود العائليّة التي كبّلتها، ممّا جعله بحقّ شاعر الفروسيّة والوجدان في آن معاً، وهذه ظاهرة يندر وجودها في تراثنا الأدبيّ، ممّا يجعلها جديرة بالدّرس والتّحليل.
- كثرة ألسنة النّقد التي نالت من مكانة الشّاعر الأدبيّة منذ القرن الرّابع الهجريّ حتّى عصرنا الحاضر، بالرّغم من أنّه حاز قصب السّبق في عصره، فصُنِّف في طليعة الشّعراء الفحول آنذاك، ولُقِّب بشاعر البلاط العامريّ الأوّل.
وقد اعتمدت الدّراسة المنهج الوصفيّ التّاريخيّ، واسترشاداً بخطاه قُسِّم البحث إلى مدخل وفصول أربعة وخاتمة؛ يتضمّن المدخل تعريفاً موجزاً بعصر الشّاعر، وحياته وأهمّ العوامل المؤثّرة فيها، ومن ثمّ الأغراض الشّعريّة التي طرقها، فضلاً عن تعريف موجز بالعامريّات يبيّن مكانتها في تجربة الشّاعر العريقة، ويدرس الفصل الأوّلمكانةالمنصور العامريّ السّياسيّة والاجتماعيّة والأدبيّة، كما ارتسمت ملامحها في العامريّات، التي مثّلت بحقّ مرآة صادقة عكست صورة الواقع الأندلسيّ آنذاك، وأرّخت حياة المنصور - تلك الشخصيّة العربيّة الفذّة في دنيا الإسلام والعروبة بلا منازع - آنذاك.
ويتناول الفصل الثانيأثر الثقافة المشرقيّة في العامريّات، وهو ميدانٌ كان لابدّ من خوض لججه، فابن درّاج شاعر أندلسيّ كبير قرن النّقاد اسمه بأسماء فحول الشّعراء من المشارقة غيرَ مرّة، ناهيك عن أنّه شاعر رافقته تهمة سرقة الشّعر وانتحاله طوال حياته، فحظي شعره -ولاسيّما العامريّ - بجهود جمّة لتأكيد شاعريّته الفذّة، ودحض ما حيك حوله من دسائس ومؤامرات.
وقد سُلِّط الضّوء على الثّقافة الأدبيّة على نحو خاصّ، لأنّ قدرة الشّاعر على تمثّل ثقافته الأدبيّة بما يتناسب وخصوصيّة تجربته الشّعريّة يُعدّ من المعايير الأولى لقياس مدى جودة شاعريّته، وقدرته على المحاكاة والابتكار.
ويتضمّن الفصل الثالثموازنة بين سيفيّات المتنبّي التي تعدّ درّة من درر الشّعر المشرقيّ، وعامريّات ابن درّاج التي تمثّل درّة من درر الشّعر الأندلسيّ. وقد تولّدت فكرة هذه الموازنة من أنّ ابن درّاج حاز لقب (متنبّي الغرب) بسبب تتلمذه على ديوان المتنبّي أوّلاً، وتشابه تجربتهما الشّعريّة والحياتيّة ثانياً، فكان لابدّ من التّساؤل: إلى أيّ مدى سار ابن درّاج على خطا أستاذه، وهو الشّاعر المتباهي بعظمة موهبته، وروعة قلائده الشّعريّة التي سار ذكرها في مشارق الأرض ومغاربها؟ .
منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب
وزارة الثقافة - دمشق 2011م
سعر النسخة 420 ل.س أو مايعادلها


