"سيليكون" و"لحظة" مسرحيتان أمتعتا جمهور المهرجان

قليلةٌ جداً المسرحيات التي تضحكنا وتبكينا في نفس الوقت، تشدّنا من مقاعدنا فنهمّ بصعود الخشبة لنؤدّي دوراً يشبهنا أو حركةً تمنينا أن نقلّدها، أو كلاماً لطالما رغبنا في قوله، أو التكلم فيه وعنه بنبرة ساخرة أو تراجيدية أو...

 

ومسرحية "سيليكون" فكرة أمل عرفةإعداد وإخراج عبد المنعم عمايري تنتمي إلى المسرحيات المشغولة بهذه الروح المبدعة.

المسرحية هي مشروع التخرج الأول لطلاب المعهد العالي للفنون المسرحية، وعُرضت في  المسرح الدائري في المعهد، وهيجزء من مادة درسيّة،لكنه في الحقيقة تستحقبجدارة أن تُعرضَ مرة ثانية، وأن تُعطى أياماً أكثرَ للمشاهَدة.

لا تنشغل المسرحية بمقولاتٍ كبرى، ولا هي مبنيةٌ على كلاسيكيات المسرح العالمي أو العربي كما اعتاد المعهد أن يؤهّل طلابه بنصوص صعبة تحتاج لمعالَجات درامية وحلول إخراجية مبتكرة واشتغال على الممثلين، إذ تهتمّ المسرحية أكثر بخفايا نفسية اجتماعية معاصرة، بالكلام اليوميّ، بالحوارات والثرثرات،وحتى بالضجيج الواقعي جداً، بالنميمة التي تخترق الآذان و الضمائر، بالكذب والخداع المجمّل بماكياجاتٍ وأقنعة.

القصةُ طريفةٌ جداً، وهزليّةٌ إلى درجةٍ تشعرنا بضحالةِ الكائنِ البشري المزيّف، وهي في نفس الوقت الذي تُضحكنا فيه حين نرى أنفسنا على حقيقتها تبكينا أيضاً على حجم الأسف الذي يجب أن نشعربهعلى حالنا، وهي تبكينا لأننا بقدر ما نبدو عظيمين بتميّزنا بهبة العقل نحن سطحيون وهامشيّون وبائسون.

الحكاية هي قصة زوجين شابين يحتفلان بعيد زواجهما العاشر بكلامِ العشق الساحر، ثم يتفقان على أن يُفاجِئا الأصدقاءَ المدعوّين بقرارهم الكاذب بالانفصال،ثم نُورَّطُ كمشاهدين في اللعبة التي بدأت تتكشف تفاصيلها مع تتابع مجيء كل صديق أو صديقة إلى السهرة/الاحتفال، أو مجيء كل ثنائي من الأصدقاء الأزواج.

هكذا يشتغل عبد المنعم عمايري على تفاصيل الشخصيات لتبدو كل شخصية أنثوية أو ذكورية مجرّدَ كأس زجاجي متصدّعٍ، لا يلبث أن يتشظّى في وجه الحاضرين من الأصدقاء، وحتى في وجهنا كمتفرجين، ولا يلبث بعد كل كلماتِ الودّ والمحبة والصداقة أن ينفجر بالمستور والمخبّأ تحت ركام مساحيق التجميل وابتساماتِ المجاملةِ السخيفة.

وقد زاد من متعة العرض استخدامُ اللهجات السورية المحلية بشكل متوازنوبلا مبالغة، لهجات تنوعت بتنوّع الشخصيات:(الشخص المتنفّذ في الدولة مع زوجته المتباهية بنفوذ زوجها وبأنها حامل،الطبيبة الملهوفة والمتشوقة لملاقاة عريس ينقذها من عنوستها، الزوج المهووس بأكل البيض والحالم بأن يساعده صديقه الرجل ذو النفوذ فيتوسط له لتتم ترقيته إلى مرتبة رئيس ديوان في مديرية حكومية مع زوجته المهووسة باعتقادها الأعمى بأنها -بشعرها الأفعواني وكيلوغرامات مساحيق التجميل على وجهها-مغريةٌ جنسياً وجميلةٌ بشكل لا يقاوَم، الشاعر المنهمك -بكل أبعاد جسده وشعره المنكوش ولعابه المتطاير في كل جهة،حتى على الجمهور-بصياغة قصائد ساخرة ناقدة(برأيه) لكل شيء، كل شيء تماماً.

تلعب المسرحية على وتر التناقضات والمفارقات المتداخلة المباشرة والمتواصلة بين كلام الأصدقاء الحميميّ، الدافىء، المحب من جهة، وكلامهم الفجّ،الثقيل، المدمِّر،المحبط والمخرّب عبر النميمة والدسائس من جهة أخرى، بما يخلق حالةَ توتّرٍ قصوى حقيقيةً لدرجةِ أنها بالفعل جعلت الجمهور يتورّط ويصدّق للحظةٍ كل ما يقال، جعلته يصدّق لوهلة أن الحب والصداقة والأسرة والعلاقات المتشابكة بين شخوص المسرحية هي شيء راقٍ يستحقالتضحية، لكنه سرعانَ ما يُفاجأ ويُصدم بحقيقة أن جزءاً كبيراً من تلك المفاهيم هي مجرّد إيتيكيت فارغ وسيليكون مزيَّف، يميع و يسيل تاركاً الجميع عالقين كالفئران في ميوعته.

أليست مجازفةً أن تُختتمَ مرحلةٌ دراسيةٌ أكاديمية مسرحية بعرضِ تخرّج يعتمد نصاً عاميّاً ولايعتمد على كلاسيكيات وكبريات النصوص العالمية المسرحية؟

ربما هي مجازفة، لكن المبدع وحده أيضاً من يجرؤ على فعل ذلك، وما فعله صنّاع المسرحية جميعهم بدءاً من صاحبة الفكرة إلى المعدّ والمخرج إلى مصمّمة الديكور والاكسسوار د.جمانة جبرومصمم الإضاءة ماهر هربش إلى الطلاب المتميّزين بكل تأكيد، هو أمرٌ ينتمي لحقل الروح المبدعة التي لا تحدّها قيود حتى لو كانت قيودُ وشروط الأكاديمية.

الممثلون/الطلبة: دانة مارديني، مصطفى مصطفى، يزن الخليل، كرم الشعراني، مصطفى سعد الدين، وسام أبو صعب، عيد عزيز، صلاح حنون، أروى العمرين، غفران خضور، روجينا رحمون، نور أحمد، لوريس قزق، حلا رجب.

وفي الحديث عن شروط وقواعد العمل المسرحي الأكاديمي أنتقل للسؤال التالي فيما يخصّ مسرحية المخرجة رغدة الشعراني"لحظة": هل يجوز تحت مسمّيات كالمسرح تجريبي أو نسخة عرض تجريبي أن تعتمد المخرجة على نصّ وشكل إخراجي هماأقرب إلى الصناعة الدرامية المتلفزة منها إلى الشكل الكلاسيكي المنضبط في الأداء المسرحي؟

أيضاً قد تكون الإجابة : نعم يجوز، أو يصحّ لِمَ لا؟آخذين بالاعتبار أن الإبداعَ يحوي ضمناً وأوّلاً روحَ المغامرة والتجريب والتجديد والخروج عن المألوف والقواعد وتوسيع مدى الرؤية الفكرية،وليس بالضرورة أن يتفق معذلكالجميع، وتحديداً عندما تعتمد المخرجة مع فريق عملها هذا الشكل الإخراجي عبر سلسلة من المسرحيات ابتدأت مع"شوكولا" ثم "تيامو" وأخيراًمسرحية"لحظة"، ما يعني أن المخرجةَ مدركةٌ تماماً للطريق الذي تسير فيه، وأنها تراهن منذ البداية على ترسيخ هذا النمط إلى أقصاه.

تعتمد رغدة الشعرانيعلى فكرة "السينما-مسرح"في أعمالها، وليس فقط بالمعنى المادي أي بوجود شاشات سينمائية بقياسات مختلفة تتوزع في عمق الخشبة وعلى يمينها ويسارها، إنما على شكل تقطيع للحكاية والنص، يستمدوجوده من شكل التقطيع والعرض السينمائي، وكأنها حكايةٌ داخلَ حكاية، تُروى مرةً في الزمن الحاضر، ومرة أخرى في الماضي، ثم نعودإلى الحاضر، وبعدها في نقطةٍ من الذاكرة أو الخيال تتداخل جميعها على عدة مستويات.

الحكاية هنا تنبع من سؤال فلسفي أو وجوديّ يبدأ به الراوي/صانع وخالق الشخصيات، والذي هو في نفس الوقت شخصيةٌ رئيسيةٌ داخل الحكاية،والسؤال يحيلنا إلى السؤال المصاغ على لسان الشاعر والكاتب الأرجنتيني بورخس والذي اقتبسَه بدوره من الشاعر النمساويوالتر فون ديرفوجيلويدوهو:"هل نحن فعلاًً موجودون أم أننا نحلم حياتنا؟".

السؤال عميقٌ جدّاً، ويقود إلى الجنون حقيقةً، أو إلى العبثية المطلقة: "هل نحن تجسيدٌ لحلمٍ نحلم به الآن وفي هذه اللحظة وما إن نستيقظ حتى ندرك أننا وهمُ حياةٍ و ليس حقيقة؟" ورغم أنه قد يكون مقتبساً)دون الإشارة لمصادر الاقتباس في بروشور العمل،وأقول "مصادر"لكونه مذكورٌ أيضاً بصياغاتٍ مختلفةٍ جميلة بشكل لا ينسى، مرةً على لسان شكسبير:"إننا من تلك المادة التي تصنع منها الأحلام"ومرةً تقولُه حكمةٌ صينيةٌ بما معناه: "قد نكون حلم فراشةٍ تحلُمُ الآن أنها بشرٌ" و مرة كما ذكرتُ قبل قليل يحلّله ويشرحه مطوّلاً الشاعر بورخس في العديد من كتبه) إلا أن ذلك لا يمنع بالتأكيد من الاشتغال على السؤال/الفكرة ما دامت الأفكار ملكٌ للجميع، و الإبداع لا يكمن فقط في الفكرة إنما في إيصالها بأشكال إبداعية متنوعة.

يبدأ الراوي بحزن وألم تساؤلاته: هل فعلاً ما يحلم به هو الحقيقة؟ هل ستتحقق نبوءته بأن ما يراه في أحلامه التشاؤمية الكابوسيّة سيجد طريقه إلى التحقق على أرض الواقع الذي يعيش فيه مع أصدقائه المقرّبين والذين يحبّهم كأنهم ظلال روحه؟

ويُقفِل الراوي المسرحية/التساؤل بجملةٍ ملتبسةٍ يُزيدُها فرحُهُ التباساً،إذ لا بأس أبداً أن تكون حياته حلماً طالما أن النهاية هي موته شخصياً و موت أحبّته وأصدقائه.

وما بين السؤال/البداية، والجواب/النهاية يعيش الراوي وشخصيات المسرحية ونحن أيضاً الحكايةَ في بيتٍ يعجّ ويضجّ بأقصى أشكال الواقع ملموسيّةً، بدءاً من الاستيقاظ الصباحي ودخول الحمّام، إلى اللحظات التراجيدية التي يؤدّيها الممثلون أمامنا على شكلِ مونولوجاتِ بوحٍ ونجوى في لحظات حزنهم الأعمق، متذكرين مآسيهم وأحزانهم وقسوة طفولتهم وافتقادهم لحبيب حنون أو حبيبة متفهّمة، بل إلى الحب كعاطفة نادرة لدى الجميع.

اعتمدت المخرجة على موضوعة البيت/الأسرة، أو البيت/الأصدقاء لتقول أفكارها بجرأة أكبر، لتقول هواجسها عن الروح، الجسد، اللحظات الحميمة، الخديعة، الانتظار والفقدان.. بيتٌ تعيش فيه مجموعة من الشباب والصبايا، وتتداخل حكاياتهُم وتفاصيلُ عيشهم وقصص فشلهم وحتى لعبهم وضجيجهم ونكاتهم الساخرة، ورغم أن شكل العيش الممَسْرحِ هذا هو أقرب إلى شريحة من الشباب أو إلى بيئةٍ شديدةِ الخصوصية في الفهم والقدرة على العيش سويةً لجهة الوعي والإمكانية المادية والاجتماعية إذا أردنا الإسقاط الواقعي للحكاية فأعتقد أن واقعية الفكرة أو عدمها ليست مهمة بحد ذاتها، طالما أن الوجود والعيش بهذه الطريقة هو وجودٌ شَرْطيّ، أو وجودٌ تجريبي تقصّدته المخرجة بذكاء لتستطيع قول ما يشغلها ولتتمكن من ربط خيوط الحكايات الفرديّة أو الآلام الفرديّة التي تعيشها شخوص المسرحية/الحكاية.

مدة العرض ساعتان إلا ربع، وهي مدة طويلة كادت أن تسيء للمَشاهد الجميلة والفقرات المشغولة بدقة وعناية و جهد مبدع،والإطالة كانت في المشاهد السينمائية التي تلقي الضوء على ماضي إحدى الشخصيات، أو تشرح ما يحدث الآن لكن خارج الخشبة/البيت/المكان المباشر لسير الأحداث، كما يحدث مثلاً مع العاشق المنتظر أمام نافذة محبوبته، أو ما يحدث مع الراوي/الحالم في أروقة ودهاليز أحلامه.. وحتى لو كان ذلك حلاً إخراجياً جميلاً لمسْرَحَةِ الحُلُم أو أفْلَمَةِ المسرح إلا أن الإطالة أوقعتالمتلقيفي ضيقٍ ومللٍ ومتابعة مُجهِدة تمنّىبسببها أن ينتهي العرض ليستردّ أنفاسهالمحبوسة.

وبالعودة إلى مسألة إمكانية استخدام عناصر جديدة في الفرجة المسرحية بحجّة التجريب أو بدواعي التجريب لا بدّ من الإشارة إلى جمالية ودقّة اختيار الموسيقا التي امتدت على كامل مساحة العرض من اللحظات الأولى وحتى النهاية، مشكّلةً عنصراً ضرورياً وممتعاً، ومضفيةً مسحة من الألفة والحميميّة كأغاني موسيقا الجاز لعازف الترومبيت والمغنّي الزنجي الأميركي لويس أرمسترونغ،ومسحةً كوميدية مفرحة في الفواصل الإعلانية التي تقصّدت المبالغة والمفارقة الساخرة في تأدية أغاني الفرقة البريطانية المشهورة البيتلز وحركات مغنيّها الأشهر ألفِس برسلي إنما بلهجةٍ بدويّة أدّاها بخفّةٍ مسليّة الممثل جمال العلي.

العرض يستوقفنا (لحظة)لنقول إنه ممتعٌ بالفعل، وينتمي لروحٍ مبدعةٍ عند جميع من عمل به، فبين المتعة في التلقّي والسّأم منه فرقٌ جوهري هو الإبداعُ الكامنُ في أي عملٍ الذي يحرّضنا ويجعلنا نتوقُ لمشاهدة المزيد من عروضٍ كهذه.

ودائماً الشكر العميق للممثلين في كلا المسرحيتين والذين أمتعونا حقيقةً بأدائهم عالي المستوى،مع ملاحظة مهمة هي أن ممثلي العرض الأول "سيليكون" هم طلاب جدد في سنتهم الدراسية الأخيرة، بينما الممثلون في العرض الثاني "لحظة" ينتمون لجيل الشباب المسرحي المحترف، وهم: علاء الزعبي، كفاح الخوص، ندين تحسين بك، نسرين الحكيم، جابر جوخدار، الفرزدق ديوب، شادي الصفدي، رنا كرم وضيوف المسرحية نضال سيجري(اقتصر ظهوره فقط على شاشة السينما) وجمال العلي.

جواد ديّوب

إغلاق
يلزمك برنامج Adobe Acrobat للتمكن من تصفح العدد