رحيل كلود شابرول ..." بالزاك السينما الفرنسية

احتشد في باريس يوم الثاني عشرمن أيلول لهذا العام 2010، آلاف المشيعين من الفرنسيين وعدد كبيرمن الفنانين والرسميين أمام مقبرة العظماء «بير لاشيز» التي تضم رفات مشاهير فرنسا في تحية وفاء للمخرج الكبيركلود شابرول ، أحد رواد الموجة الجديدة في السينما الفرنسية، الذي رحل عن عمر يناهز 80 عاما.
وكان في انتظار المشيعين دفاتر صغيرة ذات لولب معدني على كل منهاعنوان أحد أفلامه، كالتي كان المخرج يستخدمها في تدوين ملاحظاته، مع قلم من أقلام الحبر الأسود الناشف التي كان يكتب بهاسيناريوهات تلك الأفلام.
أخرج تلامذة شابرول حفل التأبين بالصوت والصورة فتعاقبت كلماتالتأبين مع الفواصل الموسيقية ومشاهد من أبرز أفلام المخرج الراحل . وتقدم موكب التشييع .المخرج اليوناني الأصل، كوستاغافراس،الذي بدأ كلمات التأبين، واصفا شابرول بالإنسان الطيب والمخرجالكبير وكان بين المشيعين وزير الثقافة، فريدريك ميتيران والممثلة إيزابيل هوبير التي منحها شابرول أهم أدوارها على الشاشة، والممثلةساندرين بونير و الممثلة ستيفان أودران، زوجة المخرج الأولى.
هذا الهاوي للطعام اللذيذ ، و المعروف بفكاهته السوداء وميله للسخرية من الذات ، كان يدخن الغليون والسيجار بشراهة أيضا، ويخفي خلف مظهره الطيب اللطيفتعبيراً ينمعن القسوة ، صاحب الوجه المستدير المغطّى بنظاراته العريضة والتي تخلى عنها عام 1995 بعد عملية المياه الزرقاء لعينيه، كان أحد المخرجين الفرنسيين الأكثر شعبية بل والأغزر إنتاجا ، حيث قدم ستين فيلما سينمائيا هي حصيلة حياته الفنية، بمعدل فيلم واحد كل سنة وعشرين فيلما تلفزيونيا ، هذا فضلاً عن فيلم وثائقي في العام 1993 عن فرنسا المحتلة بعنوان "عين فيشي".
عُرف لدى الجمهور العريض منذ عام 1958 بفيلمه الأول " سيرج الجميل"، والذي نال بفضله جائزة "جان فيغو" و"الجائزة الكبرى" في مهرجان لوكارنو ، وحتى عام 2009 مع فيلم "بلّامي" ، وقد توّج عام 2005 بجائزة "رينيه كلير" الصادرة عن الأكاديمية الفرنسية، ونال عام 2010 "الجائزة الكبيرة" الخاصة بالمخرجين المؤلفين.
كلود شابرول الذي صوّر فرنسا السبعينيات بطريقة لاذعة، كان قادرا على تحويل حادثة بسيطة إلى حكاية قاسية تكشف سوداوية وخبايا النفس البشرية : "حبي للقصص البوليسية يعود الى الطفولة، عندما كنت أقرأ روايات أغاتا كريستي. وبرأيي الشخصي إن أي قصة بوليسية رديئة هي دائما أفضل من أي فيلم رديء آخر.
وهذا طبيعي لأن الفيلم البوليسي يتناول دائما مسائل خطيرة مثل الحياة والموت والخير والشر، ومن دون أي ادعاء". ويضيف : "أنا استخدم الجثة كما يستخدم غيري الاستكش " . كان يردّد، خافيا ابتسامته الخبيثة: "ابتداء من درجة معينة من البشاعة التي يفضل الناس الاعتقاد بأنها غير ممكنة، يبدأ عملي الحقيقي".
لمحة عن حياة كلود شابرول :
ولد كلود شابرول في 14 حزيران عام 1930 في باريس لعائلة من الصيادلة التي تنتمي إلى البرجوازية الصغيرة، كان طالبا مثاليا تخصّص بالآداب والقانون ولم يختر مهنة الصيدلة كوالده . منذ شبابه عرف بشغفه للسينما؛ حيث بدأ كناقد سينمائي في أكثر الدوريات تخصّصا، ثم في مجلة "كاييه دوالسينما". كان يحب ممثليه ، و يعود إليه الفضل في انطلاقة العديد من الممثلين الفرنسيين الغير معروفين و الذين حققوا نجوميتهم من خلال أفلامه ، مثل جيرار بلان، وكلود بريالي ، وزوجته السابقة ستيفان اودران وجان بواريه وميشال بوكيه والنجمة الفرنسية إيزابيل هوبير .
شابرول رائد الموجة الجديدةLA Nouvelle Vagueفي السينما الفرنسية:
يُعتبركلود شابرولأبا لسينما " الموجة الفرنسية الجديدة " ، وحامل شعلتها مع فرنسوا تروفو وجان لوك غودار، هذه الموجة التي خرجت من رحم مجلة " كاييه دو سينما " -دفاتر السينما - العريقة التي كان يكتب فيها مع غودار وتروفو وإيريك رومير في فترة الخمسينيات ، والتي أحدثت تغييراً جذرياً وبعيد المدى في السينما الفرنسية، لاتزال آثاره باقية الى يومنا هذا ، ولكن مؤسسي هذا التيار الجديد في السينما الفرنسية سرعان ما انفصلوا ، و العمل الوحيد الذي حمل أسماء المخرجين الثلاثة معاً كان فيلم غودار الأول " نفس لاهث " الذي كتبه تروفو و كان شابرول المستشار التقني.
لم يكن شابرول مسكونا بالتجريب و بابتداع أساليب جديدة في " السرد السينمائي " مثل معظم مخرجي " الموجة الجديدة " ، وكان يردد " أنا أعتبر أن الجودة تأتي حتما مع الكم بمرور الزمن ، أي بإخراج أفلام كثيرة " ، فلم يكن شابرول صاحب ادعاءات أو نظريات معقدة في الفن فهو يقسم الأفلام في كتابه " كيف تصنع فيلما " إلي نوعين : نوع قصة ونوع شعر ، النوع الأول يروي أو يحكي قصة ، والنوع الثاني يميل أكثر إلي أن يكون مثل قصيدة الشعر التي تخلق جوا خاصا، وكان يقول بأن أفلامه تنتمي إلى النوع الأول . على الرغم من أن أفلامهتشكل صرحا سينمائيا كبيرا على مستوى السينما العالمية ، لأنها تمثل فرنسا وتصورها بأدق التفاصيل و كان يقال ان كلود شابرول هو فرنسا ، فلقد كان منتجا وممثلا ومحاورا ومؤرخا، حتى انه كان يروي القصص المرعبة في إذاعة راديو فرانس .
في حوار أجرته معه مجلة "الأكسبرس" في عام 2007، لخص كلود شابرول ماهية شخصياته السينمائية بالقول: "إنني ارسم في أفلامي شخصيات على وشك الوقوع أو الانهيار، أو شخصيات في حالة الانهيار. وعند هذه النقطة، أحاول دائماً أن أعطي الشخصية الحوافز الخارجية أو الداخلية التي تساعدها على النهوض من جديد، إما باستخدام قوتها الداخلية، أو بمساعدة العوامل الخارجية..."
افتتح شابرول أفلام الموجة الجديدة بأول فيلم روائي طويل في العام 1958، "سيرج الجميل"، و أعجب بسخرية الفرد هيشتكوك وبانجذابه للقبح والرعب ولذلك أصدر عام 1957 كتابا بالاشتراك مع إريك رومير عنوانه "بسيكوز" مضيفا إلى رائعة هيتشكوك تحليله الدقيق والمرّ لغرور الإنسان البرجوازي. لكنه لم يتطرّق إلى السياسة كما فعل تروفو وخصوصاً غودار. وفي حين أن الثلاثة أحبّوا هيتشكوك حبّاً جمّاً إلا أن شابرول الوحيد الذي سار على خطواته .
انتقد شابرول في أفلامه البرجوازية المتوسّطة والارستقراطية فراح يصور شخصياتها، ويشرحها ، كاشفا عن عالمها السري الخاص، طمعها وجشعها، وسلط الضوء علي أنانيتها ونرجسيتها، وأحيانا فاشيتها.
كان يردّد: "يمكننا أن نأخذ الأمور بجدية، من دون معالجتها بجدية"، ويتابع: " ليس من الأمور السيئة أن لا تكون متأكدا من شيء لان اليقين هو جزء من بؤس الوجود".
ان تأثره الكبير بهيتشكوك وفريتز لانغ و نظرته السينمائية المميزة والمختلفة لموضوعات أفلامه، عمقت المسافة بينه وبين المخرجين المفكرين غودار وتروفو، ووضعته في مكان اعتُبر أقل ثورية وغالباً ما جرى وصفه بـ"مخرج الموجة الجديدة السائد" إذ أنه لم يدع أنه صاحب" فلسفة" خاصة ولكنه ابتدع أسلوبا خاصا وضع عليه بصمته في صنع أفلامه مثل فيلمه الجميل " الجزّار" LE BOUCHERالذي أعتبر من أفضل أفلامه على الإطلاق ... و الفيلم يتحدث عن العلاقة بين جزّار القرية و هيلينا المدرّسة في القرية، التي تتساءل عن الجثث التي بدأت تظهر في أطراف القرية الهادئة، ثم يأتيها الدليل فأداة القتل هي السكين.. إنه الجزّار الذي أحبّته وهي ستكون الضحية المقبلة٠
ان التشويق عند شابرول مثله عند هيتشكوك نابع من ماذا سيحدث بعد قليل مع شخصياته فالمتفرج يعرف كل شيء و لكن الأسئلة تصبح أكثر صعوبة من اكتشاف القاتل؟
افلام كلود شابرول :
إن النجاح الجماهيري والنقدي لفيلمه الأول، مكنه من تصوير تجربته الثانية، "الأقارب" (1959)، ومن لعب دور "المرشد" للمخرجين الشباب في تقديم أفلامهم الأولى.
خلال الستينات اهتزّت مكانة شابرول نقدياً وجماهيرياً، مع أفلام مثل "جولة مزدوجة" (1959) والنساء الطيبات" (1960)، "النمر يحب الدماء الطازجة" (1964) و"زهرة أوركيديا من أجل النمر" (1965).
وتلتها سلسلة أفلام أنجزها بإنتاج مشترك مع نجوم هوليوديين كانوا قد فقدوا توهجهم من أمثال أنتوني بيركنز الذي ظهر في "قتلة الشمبانبا" (1967) وجان سيبيرغ في "طريق الكورنيش".
ولكن في عام 1968 التقى شابرول المنتج أندريه جينوفي فاخرج فيلم "نساء سيئات" مقدّماً فيه دراسة نفسية معمّقة لصراع ثلاثي بين امرأة مزدوجة الميول الجنسية وتلميذتها والمهندس المعماري الوسيم الذي يتحول عشيقاً للاثنتين ، واعتبر الفيلم من انضج ما اخرج شابرول ، وانطلق من بعده في مرحلة جديدة من عمله الفني.
بين 1967 و1973، أعطى شابرول مجموعة من الأفلام المميزة، التي انتقدت الطبقة البرجوازية . من تلك الأفلام فيلم "إمرأة خائنة" (1969) و"المزق" (1970) و"قبل حلول المساء" (1971). ولكن أفضلها كان "الجزار" (1970) ثم فيلم "عجب الايام العشرة" (1972)
ومن ثم استعاد شابرول شيئاً من تألقه بعد إخراجه لمجموعة من الأفلام من بطولة الممثلة إيزابيل هوبير مثل "شكراً على الشوكولاته" (2000) و"فتاة منقسمة الى اثنين" (2007) ومن ثم فيلمه الأخير عام 2009 بعنوان "بيلامي" من بطولة جيرار دوبارديو.


