ديكابريو وكيت وينسلت يلتقيان ثانيةً ليجسدا الحياة الأمريكية في الخمسينيات في الطريق الثوري

للمرة الثانية يتشارك النجمان العالميان Kate WinsletLeonardo DiCaprio & بطولة فيلم الطريق الثوري بعد فيلمهما الهام والذي أحدث ثورة في عالم هوليوود تايتانيك 1997الذي تربع على عرش الإيرادات لأكثر من 12 عاماً وحصد عددالا يستهان به من جوائز الأوسكار.
REVOLUTIONARY ROAD أو الطريق الثوري فيلم تدور أحداثه في حقبة الخمسينات يتحدث عن معنى الحياة الإنسانية الخاصة للفرد مقابل حياة الحشد البشري الذي تسيطر عليه وتديره الشركات العملاقة التي تسيطر على الاقتصاد الأمريكي أولاً والعالمي ثانياً والآخذة بالصعود يوماً بعد آخر مُطبقةً على حياة ومقدرات المواطنين الأمريكيين، وعن الخيارات والإغراءات التي تواجه هذا الفرد ليبقى ضمن السرب الموجه من قبل الشركات الرأسمالية العالمية مع بدايات ثورة التكنولوجيا، وعن المرأة الزوجة الشابة التواقة للانعتاق من الدائرة المغلقة لعمل زوجها والتي تصبو لممارسة دورها هي من كانت قبل الزواج ممثلة مبتدئة تحلم بالمستقبل لكن في تلك الفترة لم يسمح للنساء بممارسة أدوار حقيقة في المجتمع والحياة وكانت معظمهن من ربات المنازل ويظهر هذا الأمر واضحاً في المشاهد التي تصور العمال الذاهبين إلى أعمالهم في الصباح الباكر وفي محطات القطار حيث تبدو جموع غفيرة من الرجال ليس بينهم إلا القلة من النسوة العاملات كما في مكان عمل الزوج أيضاً، وربما مع صعود الحركات النسوية تفتح عقل أبريل الممثلة المبتدئة ليكون لها دور وكيان خاص بها خارج المنزل، يحاول زوجها زجها في مسرحية فاشلة ليقنعها بفكرة العدول عن تفكيرها بالتمثيل والتزامها بالمنزل لكنها تقترح على زوجها أن يترك عمله ويسافران إلى أوروبا بينما تعمل هي كسكرتيرة في إحدى الجهات الحكومية في باريس ليتفرغ هو ليرى ما يريد أن يعمله في المستقبل وتكون بذلك نقلت إدارة الأسرة إليها اقتصادياً بحيث بإمكانها أن تصنع شيئاً هاما لأسرتها ولنفسها، لكن الزوج نسي طموحه وبقي يدور في فلك عمله اليومي الروتيني وعندما استجاب لطلب زوجته بالتغيير للانطلاق نحو الفضاء الحر بالانتقال إلى باريس ليبتعد ويحقق ذاته يُستدرج ببساطة لإغراء رب العمل بسبب لفتة خاصة قالها بالصدفة عندما قرر الرحيل عن العمل وبالتأكيد لو لم يكن يفكر بترك العمل لما تجرأ وقالها الجمل القصيرة والأفكار المختلفة حول تسويق سلع الشركة التي يعمل بها والتي التقطها رب العمل ليستفيد من هذا العامل الخامة ويدرجه من جديد في شركته مع ترقية بالقليل من المال أو الكثير لا يهم المهم أن يبقى هذا الموظف يخدم عملا لا يحترمه ضارباً عرض الحائط بأحلامه وأحلام زوجته بالتحرر من سيطرة واستعباد رب العمل الذي لا يتذكر شيئاً عن والد الزوج فرانك الذي قضى 20 عاماً يخدم شركة نوكس هذه وبالتالي فمصيره سيكون كمصير والده رقمٌ سيجلب الربح ضمن أرقام هائلة أخرى تخدم المنظومة الرأسمالية ذاتها، أما الزوجة التي اكتشفت أن الرجل الذي أمامها اليوم ليس هو ذاته الرجل الذي أحبته منذ سنوات وبالتالي حلم الانطلاق نحو عالم جديد يمثله الانتقال إلى أوروبا و باريس تحديداً بعد عدة أسابيع أصبح طي النسيان وحملها المفاجئ الذي حاول أن يجعل منه الزوج إحدى الحجج القوية ليربطها بالمنزل والتخلي عن فكرة الانتقال أصبح كارثة مدمرة لها هي من أجلت أحلامها لسنوات من أجل الزوج والطفلين
و الطرف الثالث والمهم هو طبيعة البيئة الاجتماعية التي دُجِنت مع الأوضاع الاقتصادية والتي تبدو ظاهرياً مطمئنة إلى أن الوضع الصحيح هو ما هو حاصل فعلاً - ماذا يريد المرء أكثر من منزل وسيارة وأطفال- ويرسم المخرج هذا الأمر بحرفية عالية من خلال الجيران المحيطين وزملاء عمل الزوج، لكن دائماً ثمة شخص وحيد يرى الوضع على حقيقته وكان هنا الممثل مايكل شانون الذي يؤدي دور جون جيفينغز دكتور الرياضيات الذي يعري الزوج فرانك أمام زوجته متهماً إياه أنه لا يستطيع أن يثبت رجولته إلا في السرير وبإنجاب الأطفال فربما كان هذا القرار الوحيد الذي يتحكم به مما أدى للتصادم بينهما و جون هو ابن السيدة جيفينغزوكيلة العقارات التي باعتهم المنزل والتي كانت ترى أن أبريل وفرانك ويلر زوجان مميزان جداً لذلك قررت أن تعرف ابنها الذي يعاني من مشاكل نفسية عليهما بعد أن باعتهما ذلك المنزل الجميل الذي يربض على كتف الطريق الثوري هذا المكان الفريد الذي سيرمز مع مرور الأحداث إلى الاستقرار والاستكانة وعدم الرغبة في التغيير والخوف من المغامرة والسلام الظاهري الذي يغلف ثورة عارمة حيث يبدو في أحد المشاهد الجميلة عندما يترقب الزوج فرانك والذي يلعب دوره الممثل القدير ليوناردو ديكابريو عودة زوجته من الغابة بعد أن تشاجر معها من خلف نوافذ المنزل مع غروب الشمس بينما هي تقف في حديقة المنزل على التلة التي تضم ألعاب أطفالهما تدخن سيجارة متكئة على جزع شجرة و بعد أن يراها يستلقى على السرير ويغرق في النوم لنراه في المشهد الذي يليه ينزل عن الدرج ببدلته الأنيقة التي تشبه بدلة ملايين العمال في تلك الشركات الأمريكية الضخمة و يتفا جئ بزوجته الجميلة وقد أعدت له فطوراً شهياً تعتذر منه عن مشاجرة اليوم الفائت وتوافق على فكرته أن صيفهم هذا كان جنونياً تتناول الفطور معه بهدوء لكن الزوج السعيد بعودة الأمور إلى طبيعتها يتوجس خوفاً لا يفهمه ببرودة ملامح زوجته وهدوئها تودعه بمحبة وتعود لتقوم بعملها تغسل الأطباق ثم تصعد إلى الحمام تفرش أرضه بالمناشف البيضاء لتحاول إجهاض جنينها ذي 12 أسبوعا تفشل المحاولة وتنقل إلى المستشفى وتموت ويخرج الزوج مصدوما راكضا في الطريق السريع ينتهي به الأمر في إحدى هذه الشركات التي تسوق للحواسيب يقضي معظم وقته في عمله الطويل المضني وباقي هذا الوقت مع أطفاله في المدينة الكبيرة التي ابتلعت أحلامه وزوجته.
لا يمكننا أن نتجاهل الأداء الرائع للممثلة البريطانية كيت ونسلت كما هي عادتها دائما مقنعة ومؤثرة ورائعة تمسك بخيوط الشخصية وتديرها من البداية إلى النهاية بحرفية فنية عالية فتخرج شخصية غير متكلفة وطبيعية تأسر المشاهد وتسحبه إلى عالمها من النظرة الأولى ولقائها الأول لزوجها إلى مسرحيتها الفاشلة إلى نضالها في إقناع زوجها بالعودة إلى أحلامه وحلمها بالانتقال إلى باريس وعملها فيها إلى محاولة إجهاضها التي أودت بحياتها و كانت تعتقد أنها ستحررها من أمومة طفل جديد ستستعبدها لسنوات طويلة من حياتها، وربما ينطبق اسمها الغريب Aprilويعني نيسان اسم أحد شهور الربيع كناية عن حياتها القصيرة التي ترغب بالتفتح الدائم لكن عمرها كعمر الربيع كحلمها كان قصيرا حكم عليه بالاغتيال لأنه فكر بالبحث عن معنى جديد للحياة.
وتبدو الرتابة في مشهد خروج الزوج إلى العمل موظف مع آلاف الموظفين الذين يخرجون كل صباح ليستقلوا القطار ذاته متوجهين للعمل في تلك الشركات الضخمة مرتدين البدلات الرسمية ذاتها والقبعات ذاتها وينتظرهم المستقبل ذاته ويمارسون الحياة اليومية الروتينية ذاتها حياة أفقها محدود ومعلوم و حيوات زوجية تتخللها خيانات ونزوات عابرة تدخل ضمن الإيقاع الروتيني للعمل المستمر كقطعة بظل في لوحة كبيرة يرسمها أشخاص متنفذون والزوج فرانك ويلر أحد الذين أجلوا أحلامهم الخاصة لينعم بحياة مادية مستقرة الأمر الذي سيجلب عليه في المستقبل ونتيجة هجره لحلمه وخوفه من المغامرة الكارثة والفجيعة وخسارة الزوجة الحبيبة التي ستعلن في النهاية كرهها لسلبيته وجبنه و إذعانه وقتله لحلمهما الذي كان أولاً حلمه.
والجارين المصدومين وخاصة الجار شيب الذي يمثل دوره الممثل ديفيد هاربر الذي يعلن عن حبه لـ Aprilبعد سهرة حزينة للأزواج يمارسان فيها الحب تحت تأثير الشراب والرقص والحزن تطلب منه Aprilأن يصمت ولا تعطي للأمر أهمية بينما يعود الجار ليتكتم على مشاعره التي تظهر عند نقلها للمستشفى وموتها.
كان الممثلان كيت ونسلت و ليوناردو ديكابريو قديران في أدائهما مقنعان ورائعان ومتناغمان كزوجين يحبان بعضهما لكن تتنازعهما أحلام وأفكار مختلفة أحدهما يتمسك بالأرض والآخر يحلق في السماء ويبدو واضحاً أن أداءهما قد تطور وأصبح أكثر نضجاً منذ "التايتانيك" الذي رشحت عنه ونسلت لجائزة الأوسكار - حيث ستنال بعد مرور سنوات عن دورها في هذا الفيلم الطريق الثوري جائزة أفضل ممثلة رئيسية كما ستنال جائزة أفضل ممثلة مساعدة عن فيلمها الهام القارئ في الغولدن غروب- وبعدها ستتوج جهودها أخيراً بجائزة الأوسكار عن دورها الهام في القارئ، وهي التي قامت بأدوار هامة جداً كما في فيلم "الريش 2000"وفيلم "جودي1996"وفيلم "العثور على نيرفلاند2004" وفيلم "إيريس 2001" عن حياة الفيلسوفة والروائية إيريس مردوخ، بينما قطع شريكها دي كابريو شوطاً لا بأس به في مشواره الفني بعد أن لمع نجمه في سماء العالمية بفضل "التايتانك" ورسخه كممثل مجتهد له حضور مهم يمتلك أدواته الفنية والتعبيرية الخاصة، كما في فيلم "القناع الحديدي"و"الطيار".
زوج الممثلة كيت ونسلت أنجزا هذا الفيلم قبل انفصالهما أدار سام ويندزهذا العمل بحرفية عالية فهو فيلم جميل ومشغول بعناية من النص السينمائي إلى الموسيقا إلى التصوير من المشاهد الخارجية التي تصوير الجموع الكبيرة للموظفين المتوجهين ليستقلوا القطار إلى عملهم إلى المشاهد الداخلية في المنازل والعمل إلى المشهد الأخير في منزل السيدة التي مازالت تمتدح ذلك البيت على الطريق الثوري الذي يحمل الفيلم اسمه وهو إحدى مفارقات الفيلم فالطريق الثوري والسريع ليس طريق أحلام الأفراد العاديين والبسطاء الطريق الثوري هو طريق تلك الشركات العملاقة التي تسرق أحلام الأفراد في ما يطلق عليه عادةً الحلم الأمريكي الذي أثبت فشله في إسعاد مواطنيه والإبقاء على كرمتهم. عمل هام ومميز للمخرج SAM MENDESوالسينارست Juztin Haytheجدير بالمتابعة والمراجعة أكثر من مرة لأنه لا يمكننا أن نتجاهل الخلفية السياسية والفكرية والنقدية للعمل.


