دراما الشحاذين... المتعة الذهنية المفقودة

بإنجازه لمسرحية "دراما الشحاذين" التي قُدِّمت في مهرجان دمشق المسرحي الخامس عشر يكون الكاتب المسرحي الكويتي بدر محارب قد استكمل مشروع ثلاثيته الدرامية "الإنسان والسلطة" ليعلن عن نهاية المرحلة الثانية في مسيرته التأليفية في حقل المسرح، متقدماً بمسافات واسعة عن زملاء درب الكتابة، سواء من الذين ينتمون إلى مرحلته أو المرحلة السابقة عليه .
في ثلاثيته المؤسسة شكلاً على محور الفانتازيا وتقنية صناعة اللعبة الدرامية، والمؤسسة مضموناً على محور العلاقة الجدلية بين الإنسان والسلطة في العالم الثالث عمد محارب إلى الانفتاح على أزمة الإنسان المعاصر وتشخيص الضغوطات التي يتعرض لها في ظل عدم التوازن القائم في المجتمعات النامية بين الحاكم والمحكوم .
تكشف "دراما الشحّاذين" عن سقوط الأخلاق في عالم يغيب فيه العقل وتنتشر فيه ثقافة العنف، فمنذ البداية يضعنا عرض المخرج عبد العزيز صفر أمام شريحة من اللصوص "اللورد، أدوين، فيكتوريا، جاك، ماك" خارجة عن القانون والقيم الاجتماعية والتربوية والأخلاقية، والفارّة من وجه العدالة والمصابة بخيبة الأمل وضياع الهدف .
من غير مقدّمات درامية منطقية –تبعاً لإرشادات وتوصيات لاجوس اجري في فن كتابة المسرحية- يجد المتلقي نفسه فجأة أمام شريحة عاطلة عن العمل، فشلت في التكيّف مع الأوضاع الاجتماعية، فوجدت نفسها في طريق الانحراف والعدوان، لينتهي بها الأمر إلى عالم الجريمة .
أما لماذا فذلك ما لم يُجِب عنه العرض، تاركاً كل شيء معلَّقاً سواء بما يتصل بالرؤية الأدبية أو بالرؤية الإخراجية، وكأن موضوع اللصوصية في الأعراف الاجتماعية مسألة قدَرية، وهذا بلا شك ضد المنطق الحياتي والسلوكي وفرضيات الرؤية الدرامية التي تقوم بالأصل على عرض القضايا المؤرقة للإنسان والغوص في جوهرها من زوايا مختلفة، ومعالجتها وفق منظور تحليلي صادق، أساسه الفكر المنهجي حتى تخرج الدراما من يد صنّاعها متقنة الصنع، قادرة على إقناع المتلقي بما تقدمه من رؤى وحلول للقضايا والإشكاليات موضوع المناقشة، لا أن تقدم الأشياء بوصفها مسلَّمات، كما هي الحال في هذا العرض الذي يخلو من السؤال الذي يقوم على البحث وتوليد أسئلة أخرى .
وفي الوقت الذي يثير فيه عنوان المسرحية موضوع الشحّاذين وهمومهم وحياتهم المأساوية فإننا في متن العمل وجوهره لم نعثر على (شحّاذ) واحد، بل هي شريحة من اللصوص الخارجين عن القانون والمطارَدين من قبل رجال الأمن .
إن إثارة موضوع الشحّاذين تدفع الدراما مباشرة إلى الخلل الكائن بين الطبقات الاجتماعية في المركَّب الاجتماعي الواحد، وسؤال الدراما هنا سيُحاصر ويُحاكم في الوقت نفسه النظامين القائمين : الاجتماعي والاقتصادي من منطلق مسؤوليتهما المشتركة عن الفرز الطبقي في البينة الاجتماعية، كونهما يجعلان من هذا سيداً ومن ذاك عبداً، كما يجعلان من ثالث ثريّاً ومن آخر (شحاذاً) .
أما إثارة موضوع اللصوصية فهذا معناه أن الدراما تندفع مباشرة إلى الخلل القائم في المنظومة الأخلاقية والتربوية ، وسؤال الدراما هنا سيتوجه إلى المؤسسة التربوية في المجتمع بمنظورها الأسري والتعليمي والأخلاقي للإنسان، مضافاً إلى ذلك المؤسسة الأمنية المنوط بها حماية أمن المجتمع، فحينما تعاني من الفلَتان يعاني المجتمع من تفشّي ظاهرة اللصوصية .
وحتى إذا أقصينا العنوان جانباً وقلنا إن العرض ليست له علاقة بموضوع الشحّاذين وأنه معنيّ باللصوص فإن هذه الدراما لم تتعامل مع الإشكالية المثارة على نحو يحقق لها الصناعة الدرامية المتقنة سواء من حيث الشكل أو المضمون، فهي من جانب لم تحفر بحثاً في الظاهرة ولم تقدم لها معالجة ولم تطرح من خلالها أسئلة : لماذا انحرفت هذه الشريحة في المجتمع؟ ولماذا اتخذت من اللصوصية طريقاً لها؟ ما موقف المجتمع منها وما موقفها من المجتمع؟.. إلخ، ومن جانب ثانٍ فإن الأسلوب الكوميدي الذي تبنّاه العرض في تسليط الضوء على شريحة اللصوص داخل بنية اللعبة الدرامية والذي تحوّل تدريجياً وعبر سطوة الممثلين من كوميديا الموقف والمفارقة إلى كوميديا الفارْس سطّح أي شكل من أشكال التعاطي مع الفكر أو الاشتغال على مضمون الأمر الذي دفع بالمتلقي إلى الاستغراق في العرض والتعاطف مع الشخصيات دون أن يسمح لنفسه بتبنّي موقف نقدي ما اتجاهها بوصفها شخصيات خارجة عن القانون ولها ما يناظرها في الحياة الواقعية وذلك تبعاً لما قدّمه برتولد بريخت في منهجه في العلاقة بين الممثل والشخصية من جانب، والممثل والمتلقي من جانب ثانٍ، والشخصية والمتلقي من جانب ثالث .
إذاً لا طائل من دراما لا تطرح أسئلة ولا تناقش موضوعها من زوايا مختلفة ولا تطرح مقدمة منطقية تؤدي في النهاية إلى نتيجة منطقية تثير ذهنية المتلقي ليمارس دوره في الحياة بوعي شديد رغبة بالتغيير نحو الأفضل، فإذا لم تفعل ذلك فإنها حتماً ستسقط في شرك الثرثرة.. شخصيات تدخل دائرة شبكة العلاقات الدرامية، وأخرى تخرج منها من غير أن تحرك ساكناً أو تؤثر بطبيعة هذه الشبكة أو حتى تساهم في خلخلة تركيبتها أو هزِّها .
والسؤال هنا : إذا كان العرض المسرحي لم يعالج قضية الشحّاذين/المهمَّشين في المجتمع، ولم يقم بمعالجة وتحليل ظاهرة اللصوصية من منظور أخلاقي، ولم يتبنَّ موقفاً صريحاً من هذه الشريحة أو تلك، إذاً فما الذي قدمه للمتلقي من فكرة أساسية؟ وما الذي دافع عنه؟ وأية قضية استراتيجية شغلت الكاتب والمخرج وفريق العمل؟
لقد غابت الفكرة الرئيسة كما غاب الشحّاذون، وغابت الرؤية كما غابت المناقشة الجادة والمعالجة الموضوعية لقضية اللصوص الذين جمعهم المكان فقط من غير أن تجمعهم قضيتهم.. إذاً ما الذي بقي غير سلسلة من الحوارات التي وصلت في كثير من المَشاهِد إلى حد الثرثرة والهذيان؟ وما الذي بقي غير شخصيات لا تعرف ما الذي تريده؟ وبالتالي نسأل أين الفكرة؟ أين القضية؟ أين الموضوع؟ ما الهدف من هذا العرض؟
ليس بوسع العرض أن يجيبنا عن هذه الأسئلة، بل نلتقط الإجابة من مقولات وتنظيرات اجري الذي يقول : "الكاتب الذي يستعمل فكرة زائفة مسوّقة مع ذاك في تعبير سيء أو فكرة رؤية التكوين يجد نفسه كاتباً يضرب على غير هدى لكي يملأ الزمان والمكان بحوار لا هدف له ولا غاية بل بموضوع مشتت مفكك، لا تجمع بين أوصاله صلة، ومن ثم تجده يخبط بلا حجة وبلا برهان مبين يسند به فكرته الزائفة، فلماذا؟ لأنه لم يحدد مقصده وترك نفسه يمضي إلى غير غاية" .
هذا المنطق النقدي في حرفية الكتابة الدرامية نحيله إلى كاتب المسرحية ومخرج العرض لنقول: اللعبة التصنيفية جميلة، لكن ما الغاية؟
يحمل عرض "دراما الشحّاذين" جانباً من ملامح وأنفاس مسرح الكاباريه السياسي حيث الانتقاد اللاذع عبر صياغات لغوية مختلفة للسلطة بكل أشكالها ، انتقاد لاذع وصل في بعض مراحله إلى كوميديا الفارْس التي ساهمت بتفكيك الموضوع وتغييب الفكرة الرئيسة في العرض .
يلتقي عدد من اللصوص المهمَّشين اجتماعياً في مسرح هجره أصحابه من المثقفين والفنانين نتيجة عجزهم عن سداد ديونهم من وراء تأجير المسرح لتقديم عروضهم المسرحية ما يشير أيضاً إلى فعل التهميش الثقافي في المجتمع بسبب الأوضاع الاقتصادية أو ما يعني أيضاً أن الثقافة برمّتها عاجزة عن إنقاذ نفسها فكيف نعوّل عليها في إنقاذ المجتمع وهو موقف نقدي ساخر يُحسَب لصالح الكاتب والمخرج، غير أن هذا الموقف لم يتم تعميقه في التجربة ليتحول إلى قضية رئيسة .
يتحول هذا المسرح من مركز ثقافي إلى بؤرة مكانية تؤطِّر اللصوص والمهمَّشين بعد أن آلت ملكيته للدولة ليصبح مكاناً فاقداً لدوره الريادي والحضاري، فلم تعد إضاءته تتوهج ليلياً لإبداع فني أو ثقافي أو تنويري بل صارت عتمته مكاناً ساتراً وملاذاً حقيقياً للخارجين عن القانون، يحميهم من عيون رجال الأمن بوصفه مكاناً آمناً مهجوراً غير فاعل في الحراك الاجتماعي من جانب، وكونه من جانب ثانٍ صار يصلح –وفق مخيّلة الكاتب- مدخلاً لصناعة لعبته المسرحية وحيلته الدرامية، وهو جانب يًسجَّل من الناحية الفنية والجمالية لصالح محارب حيث أظهر تطوراً متقدماً في السيطرة على أدواته الكتابية المسرحية قياساً إلى تجاربه الأولى .
يقوم الجانب التركيبي في صناعة اللعبة الدرامية في هذا العرض على المحور الالتباسي بين منطقتين في الدراما، وأعني بين الحقيقة والخيال، بين الواقع والتمثيل، بين ما يعرفه المتلقي وتجهله الشخصية، بين المعلَن وغير المعلَن، بين الظاهر والباطن، حيث استثمر الكاتب ومعه المخرج هذه الثنائية التضادية بين منطقتَي الدراما في نسج اللعبة الدرامية لخلق أجواء كوميدية صاخبة ناشئة عما يعرفه المتلقي وتجهله الشخصية كون اللصوص يلجأون في مشاهد معيّنة إلى التمثيل أمام رجل الأمن بهدف التورية والتمويه عليه لتبرير وجودهم في هذا المكان، فإذا كانت هذه المفارقة تُحسَب لصالح المؤلف والمخرج فإنها من الناحية الفكرية قد وضعتهما في مأزق حيث صار التمثيل هنا حيلة وحرفة لتمرير ما تخفي الأنفس من نوايا سلبية، وتحوّلت خشبة المسرح من منبر ثقافي إلى مكان وساحة لارتكاب العنف والجريمة، وصار رجل الأمن شريكاً في صناعة الجريمة والثقافة السطحية، وانقلبت الأمور عبر التمثيل داخل التمثيل إلى حد مقارب لكوميديا المسرحيات الفودفيلية التي يضيع فيها المضمون على حساب استجداء عاطفة المتلقي .
في هذا المكان الثقافي المهجور يلتقي الخماسي المشرد، حيث نفهم من طبيعة الديالوجات والمونولوجات أن العلاقة الدرامية القائمة بين الشخصيات محكومة بمسألة التابع والمتبوع باستثناء ماك الذي يشكل خطاً فردياً في العمل، فأدوين منشد الكنيسة وسارق خزانتها تابع للّص المتغطرس المعدَم اللورد، وجاك تربطه علاقة عاطفية وبراغماتية في الوقت نفسه بفكتوريا.. هذه التبعية سمحت إلى حد ما بإثراء جرعات مسرح الكاباريه السياسي وانتقاد أوضاع اجتماعية قائمة في الحياة الواقعية بسخرية عالية، لتقترب المسرحية تدريجياً من عروض الفودفيل .
تسمح التشابكات بين الشخصيات التي حفلت بها المسرحية بإثارة المزيد من الثرثرة التي لا طائل من وجودها غير تفجير الكوميديا في وقت يصعب فيه على المتلقي أن يضع يده مباشرة على عصب القضية المركزية في العرض المسرحي أو معرفة إلى أين يتجه وأي الموضوعات التي يريد تصديرها إلى الصالة وإلى ماذا يهدف وما سؤاله المحوري .
يزداد الالتباس حينما يصير الخماسي المهمَّش في مواجهة رجل الأمن، فإذا باللصوص يستثمرون المكان مدّعين أمام رجل الأمن أنهم فرقة مسرحية تجري تدريباتها المسرحية على نص "هاملت" لـ شكسبير فيتم توزيع الأدوار فيما بينهم مستثمرين خبرة اللورد ومهارة ماك وخفّة ظل أدوين وأنوثة فيكتوريا وصلافة وعنجهية جاك.. وشيئاً فشيئاً تجر اللعبة الفانتازية رجل الأمن ليدخل طرفاً في إدارة البروفة المسرحية.. ومع تواصل الجرعات الكوميدية يكون رجل الأمن قد تورّط في صناعة الجريمة على خشبة المسرح حينما يعمد جاك إلى قتل معشوقته فيكتوريا .
تمضي بنا المسرحية في متاهات متعددة غير محكومة في الأصل إلى أحداث درامية متطورة ولا إلى قضية مركزية بل إلى تصاعد حواري عبر تجاور منطقتي الواقع والخيال/الحقيقة والتمثيل حيث تتوالى الانتقادات من الأوضاع القائمة، فهذا جاك الأكثر اندفاعاً وحمقاً يرى أن الديمقراطية وحرية الرأي تتوقفان فقط عند حدود عوالمه الذاتية، فلا رأي سوى رأيه، لذلك فإن الحرية محصورة ومكثفة في شخصه بوصفه سيد المكان من جانب، ولأنه الأقوى والأكثر عنفاً بين أفراد الشريحة من جانب ثانٍ .
علينا أن نؤكد أن الفنان عبد العزيز صفر هو أحد الكوادر الإخراجية المسرحية الطليعية في الكويت من جيل الألفية الجديدة التي يمكن المراهنة عليها نظراً لاجتهاداته المستمرة في تطوير أدواته الإخراجية ورغبته الدائمة في البحث والتنويع، وهو ما يدفع للقول أنه من مخرجي المستقبل، خاصة وأن شيئاً من التوفيق حالفه حينما شكّل مع الكاتب بدر محارب ثنائياً ناجحاً بعدما التقاه في عملهما المشترك بإدارة المسرح بالمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب حيث تعاونا معاً في تقديم مسرحيتَي "جمهورية الموز" و"تاتانيا" وأخيراً "دراما الشحّاذين" فمن عرض مسرحي إلى آخر تزداد قناعة أحدهما بالآخر، كما يزدادان ارتباطاً ببعضهما البعض ما يُبشِّر بمستقبل فني واعد لهذا الثنائي .
تجلت الرؤية الجمالية الإخراجية عند عبد العزيز صفر في هذه التجربة بتعليماته التقنية المتقنة للممثلين وقدرته الفنية على إدارة خشبة المسرح وتفهّم طبيعة المكوّنات الجمالية البصرية للمشهد، فلم يعتمد على فضاء خانق للمشهدية أو مثقل بقطع الديكور والاكسسوار ولم تشغله مسألة الميزانسين الأكروباتي الذي انشغل به كثيراً في عروضه السابقة اعتماداً على مرونة ولياقة جسد ممثله .
جاء العرض من الناحية البصرية بعيداً عن التعقيد الذي يستهوي -من غير مبرر درامي أو جمالي- المخرجين الشباب في الحركة المسرحية الكويتية، وربما تكون هذه البساطة هي واحدة من مميزات صفر كونه بدأ يميل بشكل جيد نحو مهمة تدريب الممثل بوصفه العنصر الأكثر أهمية في بناء جماليات العرض المسرحي عبر ما يُقدَّم له من اقتراحات وتعليمات فنية في الأداء والتشكيل الحركي .
سلالم وحبال وقطع خيش بالية وأكياس قمامة وستارة سوداء وخلفية سوداء وسلاسل وحبل غسيل وقطع ملابس بالية وأريكة قديمة ومقاعد من الفلين، هذا كل ما يكوّن الفضاء المرئي على خشبة المسرح، حيث شكّلت في مجموعها العام إشارات سيميائية لمكان مهجور تحوّل إلى مأوى للّصوص والمشردين للاختباء من عيون رجال الأمن، كما منحت السلالم المخرج فرصة مناسبة لتنويع وتشكيل حركة ممثليه فوق خشبة المسرح رأسياً وأفقياً، إضافة إلى كسره للحاجز الرابع واستخدامه لمقدمة صالة المشاهدين في حركة رجل الأمن، من غير استخدام متقن ومبرر من الناحية الفكرية لعناصر المسرح الملحمي، وبصفة خاصة عنصر التغريب ومشاركة المتلقي في مشهديات العرض المسرحي، فهذا الأمر كان يحتاج من قبل المخرج إلى قراءة معمّقة لطروحات النص المسرحي وإعادة الاشتغال عليها بتقنية دراماتورجية عالية كون النص يعاني في الأساس من اضطرابات فنية وفكرية، وهذه مسؤولية مشتركة بين الكاتب والمخرج .
في الوقت الذي عجز فيه المخرج عن إيجاد تبريرات منطقية لمسألة التشكيلات الحركية ضمن مفهوم التغريب، وبخاصة كسره للحاجز الرابع فقد نجح إلى حد بعيد في استخدام تقنية التغريب في توظيف الأزياء المسرحية عبر تشويهه المعبِّر للأزياء الواقعية، حيث كسر واقعيتها برؤية تخدم فانتازية عرضه ولتعكس طبيعة كل شخصية في اللعبة الدرامية، كما أشير إلى جمالية إضاءة أمين عبد السلام التي تدرّجت عبر مستويات متباينة من إضاءة شاحبة للدلالة إلى طبيعة المكان المهجور، وإضاءة أخرى ساطعة تعكس الأجواء الواقعية، وثالثة خافتة تشير إلى مساحة الحلم والخيال في العرض وذلك باستخدام مزيج لوني من الأصفر والأخضر والأزرق .
الجهد الأكثر إتقاناً في هذه التجربة جاء عبر الاشتغال التمثيلي، حيث ظهرت المهارات الكوميدية الفردية للفنان ابراهيم الشيخلي، وكذلك الإمكانيات الفنية المتطورة للفنان هيثم بدر وقدرته على تجسيد الشخصيات الدرامية المأزومة، كما نجح نوّار القريني في تجربته هذه بإعادة نفسه إلى صفوف الممثلين الشباب الذين يمتلكون موهبة متميزة قابلة للتطوير، أما علي الحسيني وعبد العزيز بهجاني ورشا فاروق فلا شك أنهم خامات فنية واعدة، غير أنهم لم يقدموا جديداً في هذه التجربة تضاف إلى ما سبق وأن قدموه في مناسبات سابقة، لكن أهم ما لفت نظر المتلقي في عمل الممثلين هو العمل الجماعي فوق خشبة المسرح ما يؤكد ما ذهبتُ إليه بالقول عن حسن إدارة المخرج لعرضه .

د.نادر القنة

إغلاق
يلزمك برنامج Adobe Acrobat للتمكن من تصفح العدد