ثقافة التغيير

هناك فارق جذري بين مصطلح "ثقافة التغيير" ومصطلح "تغيير الثقافة". بالتأكيد، أنا مع ثقافة التغيير، لأن ذلك كان وما يزال أحد أوجه الحداثة في صراعها مع المحافظ والتقليدي. بالمقابل، أنا ضد تغيير الثقافة، لأن ذلك يعني التخلي عن الأصالة في التراث، والذوبان في عصر العولمة، قسرياً من الخارج.
ازدادت الحاجة إلى "ثقافة التغيير" منذ دنو الألفية الثالثة ثم ولوجنا فيها، حيث شهدنا تزايداً مضطرداً لتكنولوجيا المعلومات، وانتشاراً مذهلاً للفضائيات التلفزيونية، كما رأينا التأثيرات السياسية الناجمة عن تفكك الاتحاد السوفييتي وانهيار النظم الشيوعية، ومن ثم هيمنة القطب الأمريكي الواحد وحلفائه الغربيين، وجاءت بعدها تداعيات أحداث 11 سبتمبر من غزوات واحتلال وإرهاب معاكس، وتفاقم التعنت والجبروت الإسرائيلي، وخضوع الأمم المتحدة للولايات المتحدة أو تهميشها كما جرى إبان الحرب على العراق. كل هذه عوامل خارجية ساعدت على الاعتراف بالحاجة إلى "ثقافة التغيير"، ولا شك أن التغيير الأساسي الذي تردد هو الديمقراطية، وهو المطلب الأكثر ثورية.
منذ الأزل، ثمة صراع متجدد بين قوى التغيير والإصلاح من جهة وقوى الدفاع عن الراهن من جهة أخرى، أي بين قوى التجديد وقوى السلفية، بين قوى التحول وقوى الركود، بين القوى الحالمة بالمستقبل والقوى المتشبثة بالماضي، بين التطور والانحطاط. لذلك، فإن الحديث عن "ثقافة التغيير" مشروع وإيجابي وبناء أكثر من الحديث "تغيير الثقافة"، لأن الثقافة ليست مثل الملابس البالية يمكن تغييرها بقرار اعتباطي. إن الإصلاح المأمول للثقافة هو فعل إرادي ينبع من الوعي بضرورة التغيير، أما التأثير الخارجي المفروض بشكل قمعي فهو تأثير مرفوض، لأن ثقافة التغيير هي "بيرسترويكا" – أي إعادة بناء - بأيدي ورؤيا من يحرصون ويتفهمون المصلحة الوطنية. أما تغيير الثقافة الذي تروج له بعض الجهات الأجنبية فيتجاوز طرح اتجاه رافد إلى فرض اتجاه بديل، الأمر الذي يشكل تهديداً للهوية، وأيضاً للحرية.
لا أعتقد بوجود تناقض بين استلهام التراث وبين الانفتاح على الحداثة. المهم ألا نتعامل مع التراث بنظرة متحفية تقديسية جامدة، بل أن نسعى لإحيائه ضمن شروط الزمان والمكان، وبوعي حاجات خطابنا لجمهور معاصر. حتى في التراث ثمة وجهان: واحد سلفي محنط، والآخر تجديدي رائد. الأمم لا تلغي تراثها، فبريطانيا ما زالت تحتفي بشكسبير وأوسكار وايلد وبرنارد شو، وروسيا تحتفي ببوشكين ودوستويفسكي وتولستوي وتشيخوف، وفرنسا تحتفي بموليير وفلوبير وهوغو وبلزاك، وألمانيا تحتفي بغوته وشيللر، ولكن هذا لا يعني أن على الأعمال الأدبية المعاصرة أن تقلد هؤلاء، بل أن تهضمهم لتخرج بإبداع جديد. ولعل المسرح خير مثال على كيفية التعامل مع التراث، إذ أن الفرق الخلاقة الكبرى لا تقدم تراث الرواد بنزعة تقليدية محافظة، وإنما تكسبه لبوس العصر في التصور وأسلوب المعالجة، وبذلك تصله بروح الأجيال الشابة.
أعتقد أن جزءً لا يستهان به من الجمود الذي أصاب العقل العربي ناجم عن الخوف، فالخوف يسبب الجمود والاستسلام، لأن القاعدة السائدة "إن من لا يعمل.. لا يخطئ،" بحيث يقول المرء: لماذا أعرض نفسي لتحمل عواقب الخطأ وحسد الحاسدين ودسائسهم، وبالتالي.. يمتنع خوفاً من اتخاذ أية مبادرة أو قرار. الجمود والثبات يسببان الملل، والملل هو ألد عدو للثقافة، سواء كانت أدباً أم فناً، لأنها تؤدي إلى انحسار الجمهور عن المطالعة أو المشاهدة، ومن ثم انحطاط النوع بتوالد الأدب الشعبي المبتذل والفنون التجارية المتدنية. أنا أقول: يجب أن نسعى لإيجاد "البديل"، أي أن نتبنى "ثقافة التغيير"، لأنها سلاح مزدوج: هي من ناحية ثقافة جديدة طموحة إلى التطور، وهي من ناحية أخرى ثقافة تنشد ترسيخ قيم العدالة الإنسانية السامية في الفكر والمجتمع. أما "تغيير الثقافة" فهي بدعة علينا أن نقاوم إغراءها وإقحامها من الخارج، لأن فيها إفقاداً لهويتنا وإفقاراً لحضورنا الثقافي أصلاً، بحيث يتحول النشاط الثقافي إلى سلعة، ويصبح الهدف المنشود شبه الوحيد للثقافة هو التسلية، وليس الإمتاع والتنوير بغرض التثوير.


