تل القاضي

لا يغيب تل القاضي عن الذاكرة العربية، فقد اكتسب مكانته من سلسلة منالمعارك التي خاضها العرب والمسلمون في تواريخ عديدة من العصور، كان أهمها لقاءصلاح الدين مع الصليبيين على سفوح التل قرب بانياس في الجولان المحتل اليوم، وقدشهدت هذه المنطقة العربية التي تعرضت للاحتلال مرات عبر التاريخ ثم تحررت، محاولاتفاشلة لطمسها من الذاكرة العربية، كان أخطرها ما تفعله إسرائيل منذ أن بدأت حملةتهويد المكان، فأطلقت أسماء عبرية على الأماكن العربية، فهي مثلاً سمت جبل الكرمل(هارها كرمل) ووادي المغارة (ناحال متاروت) وتل وقاص (حاصور) وتل القاضي (دانالقديمة) وقرية حطين (كارني هيتم) وما إلى ذلك من الأسماء المصطنعة التي تزيف بهاإسرائيل تاريخنا ومكاننا العربيين، وقد تقدمت إسرائيل إلى اليونسكو بطلب تسجيل تلالقاضي على أنه موقع إسرائيلي في لائحة التراث العالمي، كان ذلك في آخر اجتماعللجنة التراث عقد في كندا، والموقع سوري بكل ما يشهد التاريخ به، ولئن كانالإسرائيليون سموه (دان)، فإن ذلك يؤكد الحق السوري به، لأن مدينة دان أموريةكنعانية، وليس بوسع الإسرائيليين إنكار كونها كنعانية لأن التوراة ذاتها ستكذبهم،ويعود تاريخ تل القاضي إلى العصر البرونزي كما يقول المؤرخون، وقد بقي هذا التلسورياً حتى وقعت فلسطين تحت الانتداب البريطاني، وحين رسمت حدود اتفاقية سايكس بيكوتقاسم الفرنسيون والبريطانيون جهتي التل، فبات جزء منه تحت سيطرة عسكرية بريطانية،وجزء آخر تحت سيطرة عسكرية فرنسية، تضم نهر دان، وقد تم التوقيع على ذلك بينالمحتلين حين عدلوا اتفاقية سايكس بيكو عام 1923، وبعد وقوع نكبة الـ 48 في فلسطينتم توقيع هدنة اعتبر فيها التل منطقة منزوعة السلاح، لكن إسرائيل أقامت كيبوتس سمتهدان، وبقيت مرتفعات تل القاضي لسوريا، وقد أعدت مديرية الآثار في سوريا ملفاًتاريخياً موثقاً يفند المزاعم الإسرائيلية الكاذبة، كما انبرى عدد من الباحثينالعرب يفضحون هذا التزييف، وقد اطلعت على بعض كتابات موثقة لباحثين مهتمين منهمالدكتور أسامة محمد أبو نحل والدكتور بشار خليف والباحثة نادية أبو زاهر، وسواهمكثير ممن بحثوا تاريخ المنطقة وتصدوا علمياً لافتراءات السياسيين الإسرائيليين التيرفضها مؤرخون إسرائيليون منصفون فيما اعترفوا به، حين أعلنوا أنهم لم يجدوا فيالتوراة مصداقية تاريخية لأنها كتبت في القرن السابع الميلادي فهذا يسرائيلفنكلشتاين، وهو رئيس المعهد الإركيولوجي في جامعة تل أبيب يقول: (لم يظهر التنقيبأي أثر مادي يؤكد رواية التوراة عن الخروج•• لقد فقد كتاب التوراة أهميته كمصدرتاريخي، فهذا الكتاب هو وثيقة متأخرة جداً كُتبت فصولها الأولى في القرن السابع وفقمنظور لاهوتي وأيديولوجي وسياسي)• ولقد جهد الإسرائيليون لإثبات حق تاريخي لهم فيالمنطقة فلم يجدوا سوى الأوهام، ولم يصل أي باحث منهم رغم وفرة التنقيبات إلىاكتشاف واحد ذي أهمية تاريخية يؤكد وجود العبرانيين في فلسطين أو ما حولها، مما جعلفنكلشتاين يقول لقد اتخذ علم الآثار عندنا المقعد الخلفي كتخصص علمي، ويقول زئيفهيرتسوغ (ما يحصل لنا في إسرائيل هو أننا لا نريد علم الآثار علماً مستقلاً، وإنمانريد منه أن يثبت الرواية التوراتية، وهذا معاكس للعلم وللحقيقة التاريخية، وإذاأردنا أن يكون لنا مكان محترم في الأكاديمية العلمية الدولية فعلينا أن نعمل بأحكامالعلم لا بأحكام السياسة والأيديولوجيا) وعلى الإسرائيليين الذين يستعدون لتقديمموقع تل القاضي كي يسجل في الاجتماع المقبل للجنة التراث العالمي على أنه موقعإسرائيلي أن يفكروا ملياً بما يقول زئيف، ولكن الذين لا يحترمون حقوق الإنسان فيالحياة، ولا يقيمون وزناً لدماء الأطفال والنساء والشيوخ والعجزة، لن يهتموا لحقوقالعرب التاريخية، وهنا تأتي مسؤولية اليونسكو وأعضائها الذين يعرفون الحقيقةالتاريخية جيداً، فهم يدركون أن إسرائيل قامت على أسطورة أرض الميعاد، وأمر طبيعيأن تستمر في تزييف التاريخ وهي تطالب بحق وهمي تقول إنه يعود إلى أكثر من ألفي عام،وتنكر حق الفلسطينيين الذي لا يزال قائماً متوهجاً منذ أكثر من عشرة آلاف عام
•عن جريدة شرفات الشام


