بين السياسة والتسييس

كانت الستينيات عهد البراءة والأحلام القومية. كان المثقفون ينقسمون في اتجاهات سياسية متباينة، يتخذ بعضها مرجعياته من الفلسفة المادية (وبصريح العبارة: الماركسية،) وبعضها الآخر من النزعات القومية التحررية، وبعضها ينحاز إلى التراث والأصالة، وبعضها ينزع إلى الحداثة والليبرالية. يذكر كثيرون تلك المعركة الفكرية التي فرقت الشمل بين رفيقي دربٍ حظيا بشهرة عالمية، هما جان بول سارتر وألبير كامو. بالتأكيد، كان سارتر أديباً كتب رواية «الغثيان»، ومسرحيات «الذباب» و«الأبواب المغلقة» و«نساء طروادة» وسواها، لكن السمة التي غلبت عليه هي أنه مفكر «الوجودية». طالب سارتر بالالتزام في الأدب، رابطاً بين الحرية والمسؤولية، وداعياً إلى تزاوج الوجودية مع اليسار، وبالتالي اقترب من الماركسية في نموذجها السوفييتي. أما وجودية كامو، خاصة عبر روايتيه الشهيرتين «الغريب» و«الطاعون»، ومسرحياته «سوء تفاهم» و«العادلون» و«كاليغولا»، فما لبثت أن نأت عن وجودية صديقه سارتر، واختلف معه باتخاذه موقفاً حازماً ضد الأنظمة الشمولية، وإدانته لقمع حرية التعبير والرأي في الأنظمة الشمولية، مما جعل المثقفين ينقسمون إلى معسكرين متخاصمين. ولكن، فلنحاول أن نقرأ انعكاسات هذين الاعتقادين على الموقف السياسي العملي آنذاك لمبدعين كبيرين آمن كل منهما بنزعات التحرر عند الشعوب من العبودية والاستعمار، في انسجام تام مع كتاب «المعذبون في الأرض» لفرانز فانون، ومع نضال تشي غيفارا.
رغم أن «الوجودية» كانت نفسها ديدن المبدعين الكبيرين بحفاوتها بتزاوج الحرية مع المسؤولية، سنلاحظ أن كامو انتصر لاستقلال الجزائر وللحرية عامة، من دون أن يقبل بالكيل بمعيارين أو يبرر العنف الستاليني، في حين أن سارتر حين زار مصر، ثم إسرائيل المحتلة لفلسطين، بكى هنا وهناك، مرة متأثراً، مرة من أجل اللاجئين الفلسطينيين المقيمين تحت الخيام، ومرة تعاطفاً مع اليهود الذين وجدوا مأوى بإقامة دولتهم العبرية على أرض سواهم. بدا موقف سارتر آنذاك في عيون كثير من الشباب العربي المغرم بالوجودية في أواخر الستينيات موقفاً متناقضاً مع مبادئه، ومخيباً للأمل من حيث الالتزام بالدفاع عن حرية الشعوب. ورغم كوني آنذاك واحداً من الشباب المتأثرين بالفكر الوجودي، والمولعين بمبدعيه الكبار، من كيريغارد إلى غابرييل مارسيل، لم أملك بعد نكسة 1967 إلا أن أوجه رسالة مفتوحة رداً على سارتر في إحدى مجلاّت بيروت بعنوان «بلادنا ليست طروادة يا سارتر».
ولكن كان ممثلو التيارات الأدبية قاطبة من الكتاب العرب في نظري وطنيين بامتياز، بغض النظر عن انتمائهم لليسار أم للاعتدال الوسطي أم لليمين، وكانوا يشتركون في الإيمان بالعلاقة الجدلية ما بين الأدب والسياسة، لأن السياسة كانت خبز حياة الشباب اليومية في الستينيات والسبعينيات، بغض النظر عن ميلهم إلى الشيوعية، أم إلى القومية العربية والاشتراكية، أم إلى التعلق بجذورهم السورية،أم إلى المناداة بمرجعية الدين، أم بالليبرالية والديمقراطية. ولم يكن أحد يرى ضيراً في التعددية، وتوازي الآراء والتيارات الفكرية والسياسية، لأن الخير يأتي من حوارها وتفاعلها، وحتى من صراعها، شريطة أن يتم الصراع بوسائل فكرية حضارية وديمقراطية، بعيداً عن العنف والقمع، وإقصاء الرأي الآخر ومحاولة القضاء المبرم بالقوة على وجهات النظر المغايرة. ولكن ما لبثت أن بدأت تظهر نزعات التطرف المتزايدة لدى أنصار كل طرف من الأطراف، وخاصة في أعقاب النكسة، امتداداً إلى أواخر السبعينيات، وهي حقبة ازدهار، ثم بداية أفول، معظم تعصب تلك الاتجاهات السياسية المتباينة، وتبديلها لمواقعها بشكل مذهل. في تلك الحقبة المنصرمة، طرح مصطلح «التسييس» كبديل عن «سياسية» الأدب. بالتالي، صار ضرورياً توعية وتوجيه أولئك الضائعين في الضباب - من وجهة نظر الماركسيين - ومحاولة تدجينهم ضمن التيار الشيوعي، وإلا فإنهم يصنفون في خانة الخصوم. وبدأت تنشر دراسات نقدية من أصحاب نظرية «التسييس» تصم كل من لا يجاري مقياس المسطرة هذا بمختلف التهم، من الإقطاع إلى الرأسمالية إلى البورجوازية، وصولاً إلى تهمة التخوين. ولو كنا في زمن الثورة الفرنسية، لنصبت لهم المقاصل، وأعدموا لاعتراضهم سبيل النموذج الثوري الأوحد السليم. وفي السبعينيات، كان كثيراً ما يتردد على صفحات الجرائد والمجلات، وفي المقاهي الثقافية، تصنيفات للأدباء الكبار والشباب، مفادها توزيع تهمٍ بأن هذا «تحريفي»، وذاك «بورجوازي صغير عفن»، وتلك «مستلبة»، وذاك «ضبابي»، وتلك «مشوشة الرؤية». ولكن، قلما كان يتحدث أحد عن جوهر الأدب، جمالياته، بنائه، أسلوبه، إنسانيته، عمقه، شفافيته، تأثيره.. إلخ. ولكن الأطرف أن ألد أعداء جان بول سارتر نفسه أصبح هم الماركسيون/اللينينيون في العالم العربي، لأنهم اعتبروا أن الوجودية تمثل تياراً مقابلاً ومتحدياً للماركسية، أي إنهم – للأسف - اعتنقوا مبدأ «كل من هو ليس معنا مئة بالمئة، فهو ضدنا.»
ولكن كامو وأنصاره كانوا ملتزمين، إنَّما فرقوا بين الالتزام والانضواء السياسي تحت جناح حزب معين، وبالتالي التخلي عن حرية المبدع. بالمقابل، ظهر تشديد عند بعض المبدعين العرب على ضرورة تجاوز السياسة إلى ما سمي «تسييساً»، وذلك بدعوى توعية العمال والفلاحين. تلك الدعوة التي أحيطت بهالة براقة، سواء في ألمانية على يدي برتولد برشت وأتباعه الكثر، أم في بريطانيا على أيدي جون آردن وإدوارد بوند وديفيد هير، وكذلك عند فريدريش دورنمات وبيتر فايس وسواهم، وتأثر بها بعض مبدعينا من كبار المسرحيين العرب الراحلين، سرعان ما خبا توهجها لعدة أسباب. أول تلك الأسباب أن الأعمال المسرحية كانت تخاطب جمهور المثقفين شئنا أم أبينا، أي «جمهور النخبة»، وبالتالي فإن محاولتها «تسييس» هذه الشريحة من الجمهور المتعلم أصلاً تنضوي على تعالٍ غير مقبول، إنما يعامله معاملة التلاميذ أو الجهلة. ثاني تلك الأسباب أن معظم تلك التجارب المسرحية لم ترضِ ذوق العمال والفلاحين، على الرغم من حفاوة الوسط الثقافي بجدارتها، وهناك محاولات باءت بالفشل لعرض بعض أروع تلك التجارب وأشدها نجاحاً نقدياً في المعامل والقرى، فلم يتقبلها ويستمتع بها جمهور العمال ولا الفلاحين، بل شعر بالغربة تجاهها، وظل شغوفاً بالمسرح الكوميدي التجاري. وبالتالي، فإن التجارب الأكثر نجاحاً في خطابها كانت ضمن إطار «المسرح الجوال» في سورية، أو مسرح الفلاحين في مصر، سواء على يدي الكاتب الراحل محمود دياب، أم الممثل/المخرج عبد العزيز خيون، وسواهما. ختاماً، نحن مع ضرورة «الالتزام» في الأدب، ولكن ليس «الإلزام»، ونجزم أن كل إبداع يتضمن موقفاً «سياسياً»، ولكن موضة «التسييس» التي كانت رائجة في أوروبة وأمريكة في الستينيات والسبعينيات قد أفل نجمها، ليعود الرأي السياسي إلى الصدارة، طرحاً حراً ومسؤولاً وملتزماً، ولكن ليس قمعياً أو فوضوياً أو ملزماً.


