النص المسرحي السوري بين هلالين دراسة بحثية

قد تتجلى أهمية هذه الدراسة في نوعية القضية المختارة والتي مازال الحديث عنها مستمراً منذ عقود، لأن أزمة المسرح السوري جزء من أزمة الفن، وبالتالي جزء من الثقافة العامة، وهي تابعة للسياسة العامة للمجتمع والدولة بشكل أو بآخر .

فعند الحديث عن أزمة النص في المسرح السوري يتبادر إلى ذهننا فوراً تلك الأهمية الهائلة لهذه الوسيلة الاتصالية الهامة في تكوين الرأي العام لدى الشعوب، وتقفز إلى مخيلتنا الأفكار المسرحية التي لا تزال تنتظر الخروج من دائرة النص المكتوب إلى الصورة البصرية المتحركة الحية .

ولطالما كان النص هو الأداة الأولى والأهم ضمن منظومة العناصر المسرحية، فها هو المبدع ستانسلافسكي يرى أن "الكاتب المسرحي هو الوحيد الذي يشرّع القوانين على خشبة المسرح" ويستنتج أن "أفضل طريقة في اكتشاف الكاتب المسرحي هي العثور على الفكرة الحالمة والفعل المتغلغل في المسرحية"(1) .

من زاوية أخرى تنبع أهمية هكذا بحث من كثرة الاجتهادات والتنظيرات التي ظهرت مؤخراً، لتضع أسباباً معينة للأزمة النصية، إن صح التعبير، ويحاول هذا العمل التوصل إلى اقتراحات انطلاقاً من الأسباب .

ويمكن إيجاز البحث في ثلاث نقاط :

1-الكاتب المسرحي هو قائد العمل، وبالتالي هل يملك حقوقه كاملة؟

2-هروب المخرجين المسرحيين من النصوص المحلية إلى نصوص أجنبية إما لأنها ضعيفة أو لانها لا تلائم مجتمعنا .

3-عدم الإيمان أساساً بأهمية المسرح في توعية الجماهير .

ولعل من أهم أهداف البحث التي أحاول الوصول إليها تبيان مدى صحة مقولة "أزمة النص المسرحي السوري" والأسباب الحقيقية التي تقف حائلاً في وجه وتطور النص المسرحي، والإيمان بدور النص المسرحي كعامل مؤثر وحيوي .

لا أظن أن الهدف يمكن تحقيقه دون وضع فرضيات علمية ثابتة للبحث، مع مراعاة عدم نسيان المتغير التابع (النص المسرحي السوري) والمتغير المستقل (الظروف المحيطة أو الأسباب) وهذه الفرضيات هي :

-النص المسرحي السوري يعاني أزمة حقيقية لأسباب عدة .

-عدم الإيمان بأهمية النص في المسرح السوري يوّلد أزمة مسرحية .

-وجود علاقة قوية بين هذه الأزمة والوضع السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي .

-أزمة النص المسرحي السوري جزء من أزمة الثقافة .

والعينة المختارة (مجتمع البحث) هي من جمهور المسرح والكتّاب والممثلين والمخرجين والصحفيين والنقاد .

العلاقة التي تربط بين المسرح والمجتمع :

للمسرح مقدرة كبيرة على التعبير عن العواطف والمشاعر والتجارب الإنسانية، ولم تعد هذه الوسيلة أداة للتسلية كما كانت من قبل، بل غدت وسيلة اتصالية قوية في عصرنا هذا .

والحديث عن المسرح يقودنا إلى الحديث عن المجتمع بكل أطيافه وأعرافه، وهذه عملية ناتجة عن ذلك التلاقح الأبدي بينهما لما يشكل ذلك من تغيرات جذرية تقود إلى مسايرة الواقع العملي، فبلدان العالم الثالث تواجه مشكلات وأزمات على كافة الأصعدة، انتهت مؤخراً بالعولمة الاقتصادية والثقافية والإعلامية، وهذا ما هدد وجود المسرح الوطني بما في ذلك العادات والطقوس وأشكال الإبداع الأدبي والفكري.. والسؤال الجدير بالمناقشة هو "كيف يمكن للمسرح باعتماده على العنصر البشري أن يستمر ويحافظ على دوره المجتمعي المقدس؟" .

إن العلاقة جدلية بين المسرح والمجتمع، ولا يمكن أن يستمر أحدهما دون الآخر، فلا مسرح بدون مجتمع، ولا مجتمع بدون مسرح، وربما لأن هذا الفن هو الذي ينفرد لوحده بهذه الخصوصية، وخاصة في حالة الاتصال المباشر بين المتلقي وممثل الخشبة، والحصول على رد الفعل المباشر .

ولطالما كان المسرح يشد على أيادي المظلومين ويناجيهم ويُظهر مشاكلهم وينادي بالقضاء على الظلم وتحرير العبيد وغير ذلك من قضايا تتعلق بحقوق الإنسان.. لهذا تعذب كل من عمل به أشد التعذيب على أيدي الحكومات في عدد من دول العالم التي وعت من طرف ثانٍ أهمية المسرح وضرورة وجوده في المجتمع، فقامت بإصدار قوانين ناظمة لعمله، فضلاً عن إدخال المسرح كجزء من المنهاج الدراسي في المدارس الابتدائية .

وبما أن من أهم وظائف المسرح التثقيف، فلا شك أن الإيمان بدور المسرح في تطور المجتمعات بات أمراً ملحاً، وصار الحديث عن نهضة مسرحية مرتقبة يدخل الآذان بشكل قوي .

وحرصاً على عدم التفريط بالجمهور أو وضعه في زاوية تلقٍّ واحدة فقد صُنفت المسرحيات وفقاً للشرائح الاجتماعية أو المنظومة الاجتماعية، فها هو المسرح التجريبي ينتشر بصورة كبيرة والذي قد لا تعجب عروضه أغلبية الجمهور، وها هو مسرح الطفل والعرائس يقدم عروضه للبراعم الصغيرة، وأيضاً المسرح الفكري الذي يخاطب جمهوراً نخبوياً، فضلاً عن المسرح الشعبي والمسرح التجاري، وما إلى ذلك من أصناف .

ومازال الجدل دائراً بين أفراد المجتمع حول طبيعة الجمهور المستهدَف في أي عرض كان، وهذا الصراع مازال مستمراً .

والأمر المهم الذي لا يمكن إغفاله هو شدة تعلق الرأي العام الاجتماعي بمضمون العرض المسرحي، ليس فقط لأنه يمثل رأي الشعب، بل يعد في جوهره نتاجاً اجتماعياً، أي ثمرة للنشاط الاجتماعي الواعي للناس .

فالفن لا يتطور ولا يكتمل إلا بمشاركة المتلقي، ومن هنا جاءت نظرية الألماني بريخت في كسر الجدار الرابع بين المتلقي والخشبة، وتلك نقطة البداية في العلاقة الأزلية التي تربط المسرح بالمجتمع .

ماهية وأزمة النص المسرحي السوري :

بعد التسليم النسبي بالأهمية المادية والروحية للنص المسرحي وأخذه الدور الأفضل بين العناصر الأخرى أستطيع التكهّن بالأسباب العديدة التي تقف حائلاً في وجه تطور هذا النص ليجد طريقه نحو الجمهور أفضل مما هو عليه الحال الآن .

هناك مشكلة في النصوص الركيكة التي تعالج قضايا مستهلكة خالية تماماً من عناصر الدراما، فالجمهور ملّ من مشاهدة عروض تحاكي حالات اجتماعية معينة تفرغ لتوِّه المُشاهد من مشاهدتها على التليفزيون.. والأمر الآخر هو ضعف المخرج في إخراج النصوص الجيدة لأن هناك من يقول بأن المخرج هو الذي يسبّب أزمة النص عند عدم مقدرته على إخراج النصوص بصورة مهنية في بعض الأحيان .

عمر المسرح السوري يعتبر قصيراً (150 سنة) مقارنة بالمسرح العالمي، وهذا قد يوّلد أزمة نص، وخاصة بعد ظهور التليفزيون والسينما اللتين قصمتا ظهر المسرح كما يقال .

وأزمة النص المسرحي السوري مرهونة بالوعي الثقافي والفكري والإدراك الحقيقي لدور المسرح، فضلاً عن آليات العمل والإنتاج و تشوّش مفهوم الإبداع والتجريب بسبب غياب الثقافة الحقيقية بالمسرح وتطوره العالمي وغياب النقد المسرحي الجاد وتغييب المؤلف عن الساحة المسرحية وغياب القيم الفكرية بعد أن صار حلم الشهرة والوصول إلى الأرباح بأسرع وقت هاجس بعض من لا يمتلك الخبرة الكافية في كتابة نص مسرحي يمتلك المقومات الدرامية .

إن قلة النصوص المحلية المنتَجة محلياً خلقت فجوة صعبة لدى المؤلف والمقتبس بنفس الوقت، في حين أن النص المترجَم قد لا يتقاطع مع قضايانا السورية مثلاً، رغم أن البعض يؤكد على مبدأ الفن للفن، فالمسرح هو المسرح إذا توافرت فيه العناصر الدرامية، وليس من الضروري أن تحاكينا كمجتمعات شرقية بشكل مباشر، وما مهّد لظهور هذه الأزمة أيضاً ظهور المسرح التجريبي الذي رمى بالنص جانباً وأبرز عضلات المخرج في الحصول على فرجة مسرحية ومتعة بصرية في مقدمة جمهورها علماء الجمال .

النص المسرحي السوري لابد من الإيمان بدوره العظيم، والتوجه نحو ثقافة مسرحية تبدأ منذ السنوات الأولى للدراسة، مع عدم إغفال الجمهور عند كتابة النص، وعدم الاتجاه نحو الغموض، مع امتلاك الخبرة اللازمة .

آلجي حسين

إغلاق
يلزمك برنامج Adobe Acrobat للتمكن من تصفح العدد