المسرح السوري من النص إلى المنصة
ندوة اتحاد الكتاب العرب في المهرجان

خطا مهرجان دمشق المسرحي في هذه الدورة خطوة هامة باتجاه إشراك الجهات الثقافية الفاعلة في المشهد الثقافي السوري وذلك من خلال احتضانه للندوة السنوية التي تقيمها جمعية المسرح في اتحاد الكتّاب العرب ضمن فعالياته، وقد حملت الندوة هذا العام عنوان "المسرح السوري من النص إلى المنصة.. أزمة أم انفراج" وشارك فيها الكتّاب: عبد الفتاح قلعه جي–د.حمدي موصلي–فرحان بلبل–جوان جان وأدارها عبد الفتاح قلعه جي وأقيمت في رابع أيام المهرجان .
استهل أ.فرحان بلبل الندوة بتقديمه قراءة حول الفرق المسرحية الأهلية في سورية وواقعها ودورها في الحركة المسرحية، موضحاً أن المقصود بالفرق الأهلية هو أنها تلك الفرق التي ليست من المسرح الرسمي التابع لوزارة الثقافة، وهي الفرق التي حملت عبء النشاط المسرحي في سورية منذ نشأته وحتى اليوم، وهي في أغلبها تنتمي إلى الهواة الذين أوجدوا التيارات الفكرية والفنية في المسرح السوري، وأقاموا بينهم وبين جمهورهم جسوراً من التواصل الحي الذي كان وجهاً من وجوه النضال ضد الانتداب الفرنسي، كما كان وجهاً من وجوه التطوير الاجتماعي والتفعيل السياسي .
وقد استمر الحال مع مسرح الهواة في سورية على هذا الشكل حتى الاستقلال لأن المسرح السوري توقف بعد الاستقلال بعد أن حاربته الحكومات التي جاءت بعده، فهي تعرف أنه سلاح خطير حاربت به المستعمر وخافت أن يرتد عليها.. ولم يعد المسرح السوري إلى نشاطه إلا مع بداية ستينيات القرن العشرين مع إنشاء وزارة الثقافة، ونوّه بلبل إلى أن المسرح الرسمي لم يكن قادراً على جمع شمل كل النشاط المسرحي، وإذا به يتقاسم هذا النشاط مع مسرح الهواة أو مع مسرح الفرق الأهلية الذي ولدِت من جديد وأتمّت عمل المسرح الرسمي، وكان مسرح الهواة أكثر جرأة على التصدي لمشكلات الأمة العربية وقضاياها، وأكثر جرأة في أشكاله وأساليبه الفنية، فقدَّم ما يمكن تسميته بآفاق التجديد في الكتابة والعرض المسرحيين، وأدركت وزارة الثقافة أهمية هذا المسرح فأقامت مهرجان الهواة الذي عقد دورته الأولى عام 1971 وإذا بهؤلاء الهواة يقلبون المفاهيم الفكرية والفنية للمسرح الرسمي، فنقلته الوزارة إلى حلب بعد أربع دورات ولم تقدم له من الدعم إلا القليل، وتركت الهواةَ لقدراتهم الذاتية التي لا تستطيع أن تستمر في تقديم النشاط المسرحي، كما أن المنظمات الشعبية التي كانت ترعاه لم تقدم له من الدعم المالي والمعنوي إلا القليل، فلم يَهِلَّ عقدُ ثمانينيات القرن العشرين حتى بدا مسرح الهواة عاجزاً عن الاستمرار .
وأوضح بلبل أنه في تلك الفترة قضي على مسرح الهواة في دمشق قضاءً تاماً، ولم تعد مؤسسات دمشق الثقافية ومنظماتها الشعبية تجرؤ على تشكيل فرق للهواة فيها، وبذلك خسرت دمشق حيويةَ الهواة وصدقَهم الفكري والفني والدروسَ الفكرية التي يطلقونها ومعرفةَ الوسائل الفنية التي يخترعونها ببساطة وعفوية للوصول إلى الجمهور.. ومع أن السنوات الأخيرة أفرزت عدداً من الفرق الصغيرة التي تشكلت من خريجي المعهد العالي للفنون المسرحية إلا أن هذه الفرق كانت تعيش لفترة زمنية صغيرة، وتنهل من الأساليب السائدة في المسرح الرسمي، فبدت دمشق مصنعاً فذاً لإنتاج أعمال مسرحية تشمخ بقدراتها الفنية وبتعدد تجاربها، لكنه مصنع ينتج المسرح المعلَّب .
أما في بقية المحافظات السورية فوجد الهواة أنفسهم يلهثون وراء التجريب الذي غلب على المسرح السوري، وبعد أن كانوا يقدمون للمسرح الرسمي جديدَه وتجديدَه أخذوا -لضعف إمكانياتهم وإهمال المسؤولين عنهم- يحاولون أن يقلدوا هذه السمة في المسرح الرسمي، لكنهم عجزوا عن الوصول إلى أدوات التجريب والتي أبرزها السينوغرافيا التي تحتاج إلى ثقافة فنية لا يملكون منها الكثير، وإلى قدراتٍ تقنية غير موجودة في خشبات مسارح المحافظات، وقدراتٍ مالية لا يملكونها، وإذا بهم يقلدون ما يجري في المسرح الرسمي، فلا يبلغون من تقليده إلا أن تكون أعمالهم نسخة مضحكة عنه وغير كوميدية، وبذلك بدت حركة الهواة في المحافظات السورية شحيحة خجولة .
ويوصِّف بلبل مسرح الهواة اليوم بأنه مسرح عاجز عن إكمال حركة المسرح السوري، وقد شعرت وزارة الثقافة أخيراً بخطورة تراجع مسرح الهواة فحاولت تنشيطه بإقامة مهرجان سنوي لفرقه أطلقت عليه اسم "مهرجان الشباب" وكانت الدورة الأولى لهذا المهرجان في مدينة إدلب عام 2006 وبيّن بلبل أن هذه الخطوة لن تكون ذات فائدة لوحدها لأن هؤلاء الهواة لا يملكون ذخيرة ثقافية أو معرفة بمتطلبات المسرح في هذه المرحلة، ولذلك لجأت الوزارة إلى حل رأته معيناً للهواة على التعلم فكان حلاً غير عملي وهو إقامة دورات سريعة "وورك شوب" لأن الطالب لن يستطيع خلال هذا أسبوع إلا أن يلتقط شذرات ناقصة عن فن المسرح، وبذلك تراجع المسرح في المحافظات السورية .
وأكد بلبل أن المسرح الرسمي غير قادر على خلق حركة مسرحية ناشطة وقادرة على استعادة الجمهور لأن مخرجيه لا يفكرون أبداً بالجمهور، بل يفكرون في إبراز إمكانياتهم الإخراجية دون تدقيق بالأهداف الفكرية والإنسانية للعمل المسرحي، ومسرح الهواة في المحافظات جاهل، متعثر، مقطوع عنه الدعم الحقيقي والتعليم الحقيقي.
ورأى بلبل أن الطريقة الوحيدة لعودة مسرح الهواة إلى قوته في سورية هي أن يتاح للفرق الأهلية أكبر قدر من الدعم والرعاية، وأن يُرفَع عنهم سيف الرقابة، وأن تقوم وزارة الثقافة في كل محافظة بإقامة دورات حقيقية في مجال التأليف المسرحي أولاً، وفي مجال التمثيل والإخراج ثانياً، وفي تثقيف المسرحيين بمفاهيم صحيحة وعلمية عن التقنيات الفنية ودورها في العمل المسرحي .
وتحدّث د.حمدي موصلي عن المسرح القومي في دمشق وفرق المسرح القومي في المحافظات، مؤكداً أنه في خمسينياتِ القرن المنصرمِ كان الحديثُ عن المسرح الرسميِّ في سورية ضرباً من الوهم لا يتجاوزُ الأمنياتِ، فلم تكنْ هناك فرقٌ حكوميةٌ أو خاصة، وهذه كانت مجردَ فرقِ هواةٍ، والمحترفون كان هدفهم الربح المادي، ورغمَ ذلك أسهمتْ هذه الفرق من خلال عروضها المسرحية في زرع بذور التنوير والوعي بمهنة التمثيل، ومع ذلك لم تستطع هذه الأنديةُ والفرق والجمعيات مجتمعةً جعل عروضِها المسرحيةِ تسدُ الحاجةَ الشعبيةَ الملحةَ إلى المسرح، وقليلاً ما نجدُ نادياً استطاع تقديمَ عرضهِ المسرحي أكثر من ثلاثِ ليالٍ متتالياتٍ، ومن هذه الأندية نادي الفنون الجميلة الذي تأسس عام 1930 في دمشق واستمر لنهايةِ الستينياتِ، ونادي الألحانُ والتمثيل الذي تأسس عام 1932 حيث كانت تقدَّم العروض المترجمة والمقتبسة والمسرحيات العربية باللغة الفصحى، وبشكل أقل حضرت اللهجة العامية الشامية والمصرية، ثم تأسست أنديةٌ وفرقٌ مسرحيةٌ أخرى وعلى فتراتٍ زمنيةٍ متلاحقةٍ، منها : فرقةُ المسرحِ الحرِّ ومعهدُ الآدابِ والفنونِ عام 1948 " والنادي الشرقي عام 1954 والنادي الفني عام 1956 وفي مدينة حلب كان الحراكُ المسرحيُّ أكثرَ حضوراً وفاعليةً عن بقية المدنِ السوريةِ الأخرى وخاصة بين عامي 1900 و1960 من حيثُ عددُ الفرقِ المسرحيةِ والنوادي الثقافيةِ والجمعياتِ الأهليةِ التي كانتْ تعنى بالأنشطة الثقافية والفنية، وفي مطلع الستينيات بدأ انحسارُ هذا الحراك المسرحي عامةً بالتراجع، و بدأتْ تضمحلُ أغلبُ الفرقِ الخاصةِ والأندية والجمعيات حين بدأ النشاطُ المسرحيُّ الرسميُّ "المسرح القومي" ومسرحُ المنظماتِ بأنواعه يأخذُ مكانَ تلك الفرقِ والأندية والجمعيات التي كانت تموِّل نفسها بنفسها وتقدم حفلاتها بشكل أسبوعي أو شهري أو موسمي في الحدائق والمقاهي والأندية والمدارس، وبقي الحال على هذا المنوال حتى تأسيس ندوة الفكر والفن عام 1959 بإشراف د.رفيق الصبان العائد من فرنسا والتي ضمّت أهم وجوه مبدعي الفن والتمثيل في سورية، وتعتبر هذه الفرقة استمراراً للنشاط المسرحي الذي كان يغلب عليه طابع الهواية، إلا أن نشاطها كان أكثر تجديداً وقرباً من مفهوم المسرحَة الأوربية الحديثة، سواء في طبيعة ما تقدمه من أعمال مسرحية، أو فيما ترمي إليه من تأثيرات بغية نشر الوعي المسرحي وجذب النخب، وقد ظهرت عروض هذه الفرقة بكثير من التميّز حيث شاهد الجمهور وللمرة الأولى أعمالاً مسرحية كاملة وأمينة دون أية محاولة للتحوير على مستوى النص والعرض، وقد اقتصر نشاط فرقة ندوة الفكر والفن على النصوص العالمية وأولتها الاهتمام لا ينقصه الاحترام أو التقديس وكما تُقدَّم هذه العروض على المسارح الأوربية في باريس أو لندن أو غيرها على الرغم من ضعف الإمكانيات المادية والتقنية.. هذا النشاط اجتذب الفئة المتعلمة دون غيرها، إذ لم يكن ممكنا أن تجتذب أعمال سوفوكليس وشكسبير في إطارها الأوربي الجماهير العريضة التي كانت تستجيب لأعمال عبد اللطيف فتحي المؤلفة أو المقتبسة والمعدّة كـ "بخيل" موليير مثلاً أو لمسرحيات حكمت محسن الإذاعية القريبة من هموم الناس ومشاكلها المعاشة .
ومع ولادة المسرح الرسمي عام 1960 بدأت الصورة تتغير، حيث تأسست فرقة المسرح القومي التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد القومي، وأنشأت في الفترة ذاتها وزارة الإعلام فرقة الفنون الدرامية وفرقة التلفزيون للفنون الشعبية، وكذلك أنشأت وزارة الدفاع فرقة المسرح العسكري، وهذه الفرق حسب موصلي ضمّت إليها معظم العاملين في مسارح الفرق الخاصة والأندية والجمعيات، ثم اندمجت فرقة ندوة الفكر والفن عام 1963 مع فرقة المسرح القومي، وصار عدد الذين يعيشون من العمل المسرحي وحده، منقطعين له الانقطاع الكلي يناهز المئتين .
أنجزت وزارة الثقافة والإرشاد القومي في مطلع الستينيات من القرن المنصرم مشروعها الذي أثمر عن أربعة فرق مسرحية محترفة هي : فرقة المسرح القومي ومسرح العرائس والمسرح الغنائي ومسرح الفنون الشعبية، وفيما بعد أكملت الوزارة مسارحها مثل المسرح الجوال 1970 ومسرح الطفل في الثمانينيات من القرن المنصرم.
وقد شهدت أيضاً بداية الستينيات بناء مسرحين صغيرين، الأول أنشأته وزارة الدفاع وهو يتسع لـ 550 مقعداً، والثاني استكملته وزارة الثقافة وهو عبارة عن قبو مسرح القباني الذي يتسع لـ 258 مقعداً، وفي منتصف الستينيات استملكت وزارة الثقافة صالة سينما الحمراء وحوّلتها إلى مسرح، ومنذ ذلك الوقت بدأت الحركة المسرحية تتخذ مساراً أكثر تنظيماً .
في البداية اعتمد المسرح القومي على مخرجين وفدوا إليه من مدارس إخراجية مختلفة أمثال رفيق الصبان الذي درس في فرنسا وتدرب على يد جان لوي بارو وجان فيلار، وهاني صنوبر الذي درس الإخراج المسرحي في الولايات المتحدة الأميركية، ومعهما نهاد قلعي ثم انضم إليه علي عقلة عرسان وأسعد فضة وخضر الشعار ومحمد الطيب من خريجي معاهد مصر ، ومن ثم رجع الدارسون من الشرق والغرب أمثال حسين إدلبي وفواز الساجر وحسن عويتي وتوفيق المؤذن، وانضم إليهم فيما بعد أسماء كثيرة من خريجي المعاهد العالية إلى جانب التجربة المحلية والعربية .
وذكر موصلي أنه بين عام 1961 وعام 1975 قدمت فرقة المسرح القومي حوالي 1300 عرض مسرحي لثمانية وستين مسرحية، منها اثنان وخمسون مسرحية نصوصها غربية، وتسع مسرحيات عربية، والباقي مسرحيات محلية، غير أن أعمال فرقة المسرح القومي خلال كل هذه السنوات كما يقول بدر الدين عرودكي كانت استمراراً للخط الذي سارت عليه من قبل ندوة الفكر والفن من حيث ترجمة المسرح العالمي.. ويؤكد د.موصلي أنه ومنذ البداية أثار المسرح القومي أزمة النص المحلي كتبريرٍ من أجل تسهيل أمر النص المترجَم الذي اعتمد عليه في أغلب عروضه، بينما أهمل إلى حد كبير النصوص المسرحية العربية والمحلية، ولعل ذلك هو السبب الرئيس أو أحد الأسباب التي جعلت من المسرح القومي يقتصر على القلة المتعلمة التي تهتم عادةً بالظواهر الثقافية والفنية، ولم يستطع المسرح القومي حتى تاريخه أن يؤسس لقاعدة جماهيرية عريضة، باستثناء عدد من العروض التي خرج بها أصلاً عن الخط الأساسي الذي تبناه وسار عليه، حيث اعتمد فيها على مواصفات المسرحيات التجارية من كوميديا ساذجة ونجوم .
وتساءل موصلي هل المسرح الرسمي السوري في أزمة؟ وأين تكمن؟ هل هي أزمة نص؟ أم أزمة عرض؟ أم هي أزمة ممثل؟ تقنيات؟ أمكنة؟ إلخ، مؤكداً أن المسرح السوري عموماً لا يمكنه أن ينمو ويتطور خارج المؤسسة، وهنا تظهر فضيلة المطالبة بضرورة أن تكون المؤسسة الرسمية خشبة إضافية منبسطة (أفقية) لتوسيع آفاق المسرح السوري وتطويره، وليست خشبة عمودية لإعدامه، وأن نعمل على تفعيل الحركة المسرحية السورية من خلال تفعيل المسارح القومية في المحافظات ودعمها مادياً ومعنوياً من خلال رفدها بخريجي المعهد العالي للفنون المسرحية والاستمرار بمهرجان مسرح الشباب وتشجيع العروض المتميزة فيه وعرضها في المركز والمحافظات وتشجيع المهرجانات المحلية ودعمها مادياً ومعنوياً وإقامة الندوات المسرحية بغرض تطوير العرض والنص، وإعداد الممثل وحثّ خريجي قسم النقد المسرحي على مواصلة كتاباتهم النقدية بغرض رفع سوية النقد المسرحي وإتاحة الفرص أمام المبدعين على مستوى الممثل والمؤلف من هواة أو محترفين من خلال الجوائز المادية والمعنوية والتي يمكن تخصيصها أثناء العروض المسرحية في المهرجانات كجوائز أحسن ممثل، ممثلة، ديكور، إخراج...
وأوضح أنه مع الكمِّ من عروض المسرح القومي إذا كان للنوع تميزه نصاً وعرضاً، ومع النوع إذا كان قليلاً ومتميزاً، وقال : "علينا أن نفكر بجمهور المحافظات المتعطش للمسرح، هذه المحافظات التي تحفظ مودةً وتاريخاً للمسرح السوري والذي يسبق في تاريخه المسرحي دولاً عربية شقيقة، ولنا في مدينة القامشلي مثالاً نعتز به، فتاريخها المسرحيِّ يعود لعام 1922 أي بعد قيامها بسنتين حيث كانت تزخر بالفرق المسرحية الكثيرة، وفيها فرق تميزت في السنوات العشر الأخيرة، وكذلك الأمر في مدينة حلب" .
من جهته تحدّث أ.جوان جان عن المهرجانات المسرحية في سورية، وكانت البداية مع مهرجان دمشق المسرحي الذي انطلق عام 1969 حينما قامت نقابة الفنانين بالتعاون مع مديرية المسارح والموسيقا في وزارة الثقافة بإقامة الدورة الأولى من المهرجان بمشاركة عدد محدود من الدول والعروض المسرحية، حيث كانت تلك الدورة بمثابة دورة تجريبية لينتقل المهرجان من عهدة نقابة الفنانين إلى عهدة مديرية المسارح.. ودورة إثر دورة أخذت أعداد الدول والعروض المشاركة بالتزايد، وأصبح المهرجان يستقبل عروضاً مسرحية من دول أجنبية بالإضافة إلى الدول العربية، وقد تمكّن المهرجان خلال مسيرته الطويلة والحافلة من أن يعرِّف جمهور المسرح في سورية والمسرحيين السوريين على المسرح العربي وعروضه ورموزه من خلال استضافته لعشرات العروض العربية، سواء المتميز منها أم متوسط المستوى، كما عرّف جمهورَنا ومسرحيينا على الناشطين المبدعين في المسرح العربي وعلى تجاربهم والتيارات المسرحية التي يعتمدونها في تقديم أعمالهم.. ومن جهة أخرى كان المهرجان مناسبة كي يتعرف الفنانون المسرحيون العرب على المسرح السوري بشكل واسع ومعمّق من خلال عديد العروض المسرحية التي يقدمها مسرحنا والتي لا تقل في كل دورة من دورات المهرجان عن عشرة عروض تقدمها مختلف الفرق المسرحية السورية، وبشكل خاص فرقة المسرح القومي التي تُعتَبَر اليوم الركيزة الأساسية في العمل المسرحي في سورية .
وأشار جان إلى أن مسيرة المهرجان تخللتها فترة انقطاع استمرت لمدة أربعة عشر عاماً من العام 1990 حيث أقيمت الدورة الأخيرة في ذلك الحين عام 1988 وحتى العام 2004 حينما عاد المهرجان بزخم جديد وإرادة جديدة عكست رغبة المسرحيين السوريين في إعادة مهرجانهم العريق إلى الواجهة العربية بما يتناسب مع موقع مدينة دمشق التاريخي والحضاري والثقافي في محيطها العربي.. ويمكن القول أنه من خلال الدورات الثلاث الأخيرة للمهرجان أثبت مسرحيو سورية أنهم أهل لهذه العودة بما قدّموه من أعمال رفيعة المستوى عكست مدى ما بلغوه من حِرَفية على صعيد التكنيك المسرحي، دون أن يعني هذا أن العروض السورية المقدمة في الدورات الثلاث الأخيرة وفي هذه الدورة كانت خالية من الشوائب، بل يمكن القول إن العديد من الأعمال التي مثّلت سورية كانت بحاجة إلى إعادة نظر جذرية فيها، لكن يبدو أن طبيعة المهرجانات الفنية بالعموم لا تضمن تقديم أعمال ذات مستوى واحد وثابت من الجودة، إذ لا بد من أن يتباين مستوى الأعمال كما يحدث في كل المهرجانات المسرحية، والفنية عامة، حتى يُفرَز العمل الجيد عن العمل الأقل جودة .
كما أشار جان إلى أن مديرية المسارح والموسيقا تقيم مهرجانين مسرحيين آخرين، أحدهما للشباب، والآخر للأطفال، إذ يقام مهرجان الشباب المسرحي مرة كل عام حيث يحل سنوياً ضيفاً على إحدى محافظاتنا، وقد انطلقت الدورة الأولى منه في العام 2006 من مدينة إدلب، واستضافت مدينة حلب الدورة الخامسة قبل عدة أشهر، وتشارك في المهرجان فرق مسرحية شبابية، ينتمي بعضها إلى فرق المنظمات الشعبية كالفرق الشبيبية والعمالية والجامعية، وينتمي بعضها الآخر إلى فرق فروع نقابة الفنانين في المحافظات أو فرق مديريات الثقافة أو المراكز الثقافية، وقد تشارك في المهرجان فرق مسرحية خاصة، حيث تخضع العروض الراغبة بالمشاركة إلى لجنة مشاهَدةٍ صارمة في مقاييسها، الأمر الذي ينعكس إيجابياً على مستوى العروض المشاركة، وهذا ما يمكن تلمّسه في أكثر من دورة من دورات المهرجان، وخاصة الدورة الأخيرة التي أقيمت في حلب، حيث تمتعت معظم العروض المشاركة بمستوى جيد وقدمت مواهب خلاقة في التمثيل والإخراج، وشهدت عروض المهرجان إقبالاً واسعاً من قبل الجمهور الذي تمتّع بذائقة فنية عالية استطاعت أن تتواصل مع هذه الأعمال وتقدِّر الجهود المبذولة في صنعها، وبهذا الصدد أشار جان وأشاد بالتعاون الذي تبديه مديرية المسارح مع التجارب الشابة من خلال إتاحتها المجال أمام التجارب المتميزة منها لتقدم عروضها على خشبات مسارح المديرية ضمن صيغة من التعاون انتظرها شباب مسرحنا طويلاً .
كما تقيم المديرية مهرجان ربيع مسرح الأطفال بشكل سنوي حيث يتم تقديم العروض المسرحية الموجهة للأطفال في كافة المدن السورية وبوقت واحد، ويمكن القول إن المهرجان في الدورات الأخيرة منه قد شمل كافة المدن الرئيسية ووصل إلى بعض المدن الصغرى، أما الفرق المشاركة فيه فعدد كبير منها ينتمي إلى القطاع الخاص، ونوّه جان إلى أهمية التأكيد على المستوى الفني والتربوي لهذه العروض التي قد لا يعير بعضها الاهتمام لهذه النواحي بقدر اهتمامه بجذب أكبر عدد ممكن من جمهور الأطفال بشتى الوسائل والأساليب التي قد لا يكون بعضها مناسباً.
وبعيداً عن مهرجانات مديرية المسارح أفرزت مرحلة السبعينيات والثمانينيات مهرجانات خاصة بالمنظمات الشعبية، فظهر مهرجان المسرح الشبيبي ومهرجان المسرح العمالي ومهرجان المسرح الجامعي، وقد أخذت هذه المهرجانات على عاتقها تقديم التجارب المسرحية ذات النفَس الشاب والهاوي، فقدم المسرح الشبيبي من خلال مهرجانه السنوي عدداً كبيراً من المواهب والطاقات الفنية التي أصبح بعضها في مرحلة لاحقة من نجوم الدراما التلفزيونية السورية، وما يزال المهرجان يُقام سنوياً حتى اليوم بالتناوب ما بين المحافظات السورية.. وبطبيعة الحال لا يبخل القائمون على المسرح الشبيبي ومهرجانه في توفير كافة المستلزمات لإنجاح الدورات المتعاقبة للمهرجان، وقد أفرزت عروض دورات المهرجان أعمالاً متميزة شارك أحدها في الدورة قبل الأخيرة من مهرجان القاهرة للمسرح التجريبي.. وكذا الحال بالنسبة للمسرح العمالي الذي يقيم مهرجاناً سنوياً لكن الفرق بينه وبين مهرجان المسرح الشبيبي هو أن مهرجان المسرح العمالي لا يبارح مدينة دمشق، إذ يمتلك خشبةَ مسرح في مبنى اتحاد نقابات العمال يقيم عليها مهرجانه الذي تجتمع فيه سنوياً الفرق العمالية من معظم المحافظات السورية لتقدم عروضها ولتستمع إلى وجهات النظر المختلفة في هذه العروض من خلال الندوات اليومية التي تلي العرض المسرحي، وقد عمد المهرجان في دورته الأخيرة إلى إلغاء الجوائز التي كانت تُمنَح في الدورات السابقة للعروض والفنانين المتميزين، وهو أمر سيكون له أثر سلبي في المستقبل على سويّة العروض المشاركة التي ستفقد حافز المشاركة بأفضل ما لديها، وستكتفي بشرف المشاركة كنوع من أداء الواجب لا أكثر، وما هو مطلوب الآن من مهرجان المسرح العمالي –حسب رأي جان- إعادة هذا الحافز إلى الفرق المسرحية العمالية كي تكون أكثر شعوراً بالمسؤولية وهي تدفع بعروضها إلى المهرجان الذي أصبح يشكل واحداً من الفعاليات الثقافية الثابتة التي تشهدها مدينة دمشق سنوياً.. وبدوره يُقام مهرجان المسرح الجامعي بحيث تستضيف كل محافظة دورة من دوراته بمشاركة فرق مسرحية من مختلف الجامعات والمعاهد في سورية التي حقق بعضها حضوراً جيداً في المهرجانات العربية كفرقة المسرح الجامعي في اللاذقية التي حققت عدداً من الجوائز في مهرجان المسرح الجامعي العربي الذي استضافه الأردن مؤخراً.. وفي مرحلة من المراحل كان مخرجون محترفون يشرفون على بعض الأعمال المشاركة في مهرجان المسرح الجامعي، وهو تقليد غاب في السنوات الأخيرة، ورغم ذلك حافظت عروض المهرجان على سوية لا بأس بها تعكس مدى قدرة مسرحيي جامعاتنا ومعاهدنا على المضيّ قدماً بمسرحهم ومهرجانهم .
وعلى صعيد آخر تساهم نقابة الفنانين بإقامة عدد من المهرجانات المسرحية السنوية، تقيمها فروع النقابة، وكانت البداية في عقد الثمانينيات مع فرعَي كلٍّ من حمص وحماة، وفي السنوات الأخيرة انضمت إليهما محافظة اللاذقية، وبذلك أصبحت النقابة تقيم ثلاثة مهرجانات مسرحية تشارك فيها بالدرجة الأولى فرق المحافظة التي تقام فيها، وبالدرجة الثانية فرق المحافظات القريبة جغرافياً، وبذا تعمل هذه المهرجانات على تنشيط الحركة المسرحية في محيطها الجغرافي وتحفّز الفرق المسرحية فيها على تفعيل دورها وإعادة بث الحياة في شرايينها، ويلاحظ جان أن هذه المهرجانات اهتماماً إعلامياً متميزاً، خاصة في ضوء استضافتها لعدد من الفرق المحترفة وإن كان ذلك يحدث على نطاق ضيق وبشكل محدود، وقد أفرزت مهرجانات النقابة عدداً من العروض الجيدة شارك بعضها في الدورات الأخيرة من مهرجان دمشق المسرحي وترك انطباعاً جيداً عند كل من تابعه .
وتساهم بعض مديريات الثقافة والمراكز الثقافية في المحافظات بإقامة مهرجانات مسرحية خاصة بها تقيمها بالتعاون مع وزارة الثقافة ومع بعض الجهات الرسمية والشعبية كمهرجانات مدن الرقة والثورة ومصياف، وهي مهرجانات سنوية قامت بالأساس على جهود شبه فردية، ثم انتقلت كي تصبح ظاهرة ثقافية متميزة، ينتظرها جمهورها بشكل سنوي، وأصبحت لها شهرتها التي تجاوزت أحياناً حدود المحلية، خاصة وأن بعضها كمهرجان الرقة المسرحي مثلاً أخذ يستضيف فرقاً عربية وأجنبية، الأمر الذي يعني أن هذه المهرجانات قد بلورت إلى حد ما شخصيتها، لكن هذا لا يعني أن تجربتها اكتملت، بل على العكس تماماً إذ نجد أن مستقبل هذه المهرجانات يشوبه الغموض إذا لم يلقَ الدعم الكافي الذي يوفر له مستلزمات البقاء والاستمرار، وأضاف جان : "إلى جانب المهرجانات الرسمية وشبه الرسمية سابقة الذكر هناك مهرجانات أهلية تقيمها تجمّعات فنية خاصة في المحافظات ابتدأت مع مهرجان المونودراما الذي يقام في مدينة اللاذقية وتشارك فيه سنوياً فرق مسرحية سورية وعربية، وهناك أيضاً مهرجان الشام المسرحي الذي يقام سنوياً في مدينة دمشق والذي أقيمت الدورات الأولى منه تحت مسمّى مهرجان الهواة المسرحي ليتحول فيما بعد إلى مهرجان الشام المسرحي في محاولة لنفي صفة الهواية عن عروضه واستقطاب العروض الاحترافية إلى جانب العروض الشبابية، ونذكر أيضاً في هذا الإطار مهرجان محمد الماغوط الذي يقام سنوياً في مدينة سلمية، أما أحدث هذه المهرجانات فهو مهرجان طائر الفينيق الذي تستضيفه سنوياً مدينة طرطوس، وهذه المهرجانات الأربعة إلى جانب مهرجانين أهليين لمسرح الطفل يقامان في مدينتَي اللاذقية ومصياف تبدو مسيرتها مهددة بالتوقف مع كل دورة جديدة من دوراتها لأن مصادر التمويل متبدلة ومتغيرة باستمرار، وقد لا يجد القائمون على هذه المهرجانات يوماً من يتبناها لأن تقليد المشاركة الأهلية في إقامة النشاطات الثقافية لم يتكرّس بعد" .
وأخيراً تناول الكاتب والباحث المسرحي أ.عبد الفتاح قلعه جي محور النص المسرحي وتراجع التأليف المسرحي المحلي، مشيراً في البداية إلى أن المؤلفين بما قدموه من نصوص أمثال سوفوكليس ويوربيدس وأسخيليوس وكاليداسا وبهاسا وشكسبير، وكتّاب الولادة الأولى للمسرح العربي : مارون النقاش وأبو خليل القباني وإبراهيم الأحدب في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وغيرهم كانوا مركز العمل على خشبة المسرح، ومن خلال النتاج النصّي للكتّاب وعروضهم أمكننا تتبع تاريخ المسرح ودراسة الحركة المسرحية عبر العصور، مضيفاً أنه مع تسيّد المخرج للمشهد المسرحي والعودة إلى الاهتمام بمعطيات الظواهر المسرحية والاحتفالية بصياغاتها المعاصرة أصبح بعض دعاة البحث المسرحي يرددون إن تاريخ المسرح لا يبدأ بتاريخ النص وإنما بتاريخ العرض المسرحي، مستشهدين بتلك الطقوس والاحتفالات التي تجري في شرق آسيا، وغيرها من المناطق .
مع الولادة الثانية للمسرح السوري وانقضاء الحرب العالمية الأولى وفرض الانتداب الفرنسي على سورية كان المسرح والنصُ المسرحي الرديفَ الثقافي لحركات التحرر والاستقلال، وما تكاد فرنسا تغلق نادياً أو فرقة حتى يتشكل آخر متحدياً سلطات الاحتلال، وقد لجأ كتّاب المسرح إلى التاريخ لإنماء الوعي والروح النضالية، ومن تلك المسرحيات يذكر قلعه جي : "ذي قار" لـ عمر أبو ريشة و"النعمان بن المنذر" و"طارق بن زياد" ثم أخذ النص طابع التحدي المباشر في الثلاثينيات فقُدمَت مسرحيات سياسية وقومية مثل "جيشنا السوري-على أبواب الانتخابات-نحن والحرب-عمر المختار" وفي الفترة نفسها كان النص يعالج أيضاً قضايا اجتماعية كمسرحيات : "ابنتي في البار-عصرنا الحاضر-موعد مع القدر-شبابنا ونساؤنا".. وباختصار فإنه مهما قلنا عن هذه الفترة من بساطة التأليف والمباشرة فيه والتواضع التقني فقد كان هناك مسرح زاخر المواسم بالعروض .
أما بعد الاستقلال عام 1946 وحتى نهاية الستينيات والتي يصفها قلعه جي بالفترة الذهبية فقد استمر نشاط بعض الفرق والنوادي، وتأسست أخرى، وكانت هنالك مواسم مسرحية، وظهر رعيل آخر من كتّاب المسرح، وتناول التأليف جملة من القضايا، كالحفاظ على الاستقلال والحذر من عودة الاستعمار بأشكال جديدة والهم القومي ومؤازرة حركات التحرر العربي ومعالجة القضايا الاجتماعية وفضح الفساد والسلبيات، والتاريخية مثل "كفاح الجزائر-تتويج فيصل-عائد من القبر-مأساة بورسعيد-المنافقون-الصهيونية العالمية-قساوة البشر-مبدأ ايزنهاور-أعداؤنا في الداخل-لصوص المجتمع" ومسرحيات يصعب حصرها، ومن كتّاب هذه الفترة أديب السيد، محمد يحياوي الجزائري، ظريف الصباغ، خليل هنداوي، مراد السباعي، عبد الوهاب أبوالسعود، حسيب كيالي، أديب نحوي وتنازع نصوصَ وعروض هذه الفترة تياران : الأول الميلودرامية وافتعال المفاجآت والرومانسية المفرطة والغناء وتحوير المسرحيات العالمية ونهاياتها بالإعداد، والثاني اعتبر ذلك تشويهاً للنصوص ودعا إلى احترام النص وإلى الأداء الطبيعي .
ويضيف قلعه جي : "مع إنشاء المسرح القومي بدمشق في مطلع الستينيات وحتى تسعينيات القرن الماضي شهدت الساحة متغيرات كثيرة، كتأسيس مسرح الشعب فالمسرح القومي بحلب ثم اللاذقية، وانحسار دور النوادي والفرق الأهلية وظهور تشكيلات مسرحية جديدة أفرزها التشكيل الاجتماعي والسياسي الجديد كفرق الشبيبة والجامعي والعمالي، وبعد خمسة وعشرين عرضاً لقومي دمشق من النصوص الأجنبية فقط ظهر النص المحلي فكان العرض رقم 26 لنص وليد مدفعي "البيت الصاخب" ثم تلته متفرقة نصوص أخرى لـ يوسف مقدسي، علي عقلة عرسان، حكمت محسن، أحمد يوسف داود، سعد الله ونوس، رياض عصمت، فرحان بلبل، عبد الفتاح قلعه جي، نذير العظمة، مصطفى الحلاج، وليد إخلاصي، ممدوح عدوان، محمد حاج حسين، وآخرين.. وكانت مهرجانات الهواة في السبعينيات محفزاً لظهور كتّاب ونصوص اتسم بعضها بالنزعة التجريبية كنصوص وليد فاضل وعبد الفتاح قلعه جي".
ومع حلول الثمانينيات كثر الحديث عن أزمة المسرح السوري، واعتبرها بعضُهم -وبخاصة المخرجين- أزمة نص كأنهم يمهدون الطريق مع بداية التسعينيات لاستبعاد المؤلف من المطبخ المسرحي.. ومهما يكن –حسب قلعه جي- فقد نشط التأليف المسرحي في سورية حتى نهاية السبعينيات، فكانت هنالك نصوص مسرحية جيدة ورؤى ناضجة و عروض فخمة، ولم يقتنع أغلبهم بوجود أزمة نص أو الاستعاضة عنه بالثرثرة الحركية وهرطقات الجسد.. ثم ذهب الرعيل الأول من المخرجين الذين عادوا من بعثاتهم باحثين عن النص السوري مؤمنين بقدرة كتّابهم، ورأوا أن المؤلف السوري الذي كان بتماس مع الخشبة قد أتقن أسرار وتقنيات الإبداع.. واستلم الدفة بعد إنشاء المعهد العالي للفنون المسرحية شباب اعتبروا أنفسهم جيلاً بلا أساتذة ولا مرجعيات، باشروا الكتابة بأنفسهم، معتبرين أنهم الأقدر على فهم العصر ومشكلاته، وتقديم رؤى فنية وفكرية وجمالية جديدة تتخطى حدود الحداثة، وبذلك حدثت القطيعة بين الجيلين بإعلانهم موت المؤلف المسرحي .
لقد فهم مسرحيونا المقولة التي جاء بها رولان بارت عن موت المؤلف خطأً، فهو لم يَعْنِ إعدامه وإنما يعنى موت سلطته على القارئ، أي الإقرار بسلطة القارئ التي ينتهي معها استهلاكه السلبي للنص باعتباره نصاً جاهزاً مغلقاً ونهائياً، وتأكيد سلطة القارئ على النص تعني تعدد قراءاته وتأويلاته، وإلى ذلك ذهب جاك دريدا منظِّر ما بعد البنيوية في تحديده مفهوم إساءة القراءة، فإذا كان مخرجونا قد فهموا المقولة فهماً خاطئاً وانتهوا إلى القطيعة، وأحياناً العداوة مع المؤلف وإعدامه فهذا شأنهم، وهذا لا يعني أن يتوقف الكاتب عن الكتابة، فالكتابة فعل إبداعي قاهر لا يستطيع المبدع الفكاك منه، والحكم دائماً للتاريخ وليس للراهن المحكوم بشروط غير سليمة، وبعد سنين لن يذكر التاريخ ذلك الركام من العروض التي قُدِّمت والخالية من شروط النص في خلوده، ولكنه يؤرخ ويذكر النصوص الهامة وعروضها.. ويؤكد قلعه جي أن الاستمرار في الكتابة للمسرح إنما هو مباشرة للحياة نفسها واستمرارها، ولا يمكن لظاهرة عابرة أو لأحكامِ القيمة المبتسرة أن تلغي إرادة الحياة والإبداع.. العروض المسرحية تبقى راهناً، أما النص المسرحي الجيد فإنه يمتلك مقومات الخلود، ولنقف بتأن أمام هذه الظاهرة، إذ لا بد من نقد الذات وتفكيك الممتنع ليكون الحديث أكثر سهولة وصراحة .
ونفى قلعه جي أنه يدعو إلى مجتمع مسرحي محافظ وراكد، أو إلى سلب الشباب حريتهم الكاملة في التعبير، فهذا حقهم، وإقصاؤهم يشكل خطراً على حيوية المسرح وتطوره، لكن المجتمع المسرحي الحيوي المجدِّد، والتجريبَ في المسرح، لا تحمله فئة عمرية معينة، وإنما يحمله شيوخ المسرح وكهوله وشبابه، ومن أكبر الأخطار على المسرح أن تهيمن عليه فئات أو أسماء أو موضوعات معينة، ينغلق عليها المسرح، بحيث يتم توارثُ هذه الأسماء والموضوعات كأيقونات مقدسة لها امتيازات خاصة، والحفاظ على الوضع القائم لأنه يطيل أمد هذه الامتيازات، وبالتالي فهي تقف في وجه فتح أية إضبارة مسرحية جديدة، وهكذا فإننا حين نفتح ملف المسرح فإننا لا نتجاوز اسماً أو اسمين كـ سعد الله ونوس وممدوح عدوان،وتساءل قلعه جي : "هل المعهد المسرحي يعتمد في التدريس التعددية في الأسماء أم يقتصر عليهما كأيقونات مسرحية؟" ويجيب على تساؤله : "يبدو لي أن المدرّسين لا يحفلون إلا بقراءة وتقديم الأيقونات الاسمية والنصية، ومثل هذا الأمر في اختصار المسرح ينسحب على الموضوعات كالصراع ضد الامبريالية والطغيان، ومحاربة الطبقية والفساد.. إلخ، إلى أن رأينا شبابنا اليوم يقومون بردة فعل فيرفضون تناول القضايا الكبرى ويكتبون بأنفسهم عن قضاياهم الفردية الصغيرة، متجاهلين جميع الأسماء.. باختصار إنني أحمِّل جانباً من مسؤولية ما وصلنا إليه إلى الفكر الأحادي، وإلى عبادتنا للفرد، ونحن كجميع المجتمعات الشرقية تميل إلى عبادة الحاكم الكاهن.. نحن بحاجة إلى توليد فكر مسرحي ونقدي جديد وعادل وتعددي يغطي جميع مساحات المسرح وفضاءاته" .
ويضيف : "اليوم ومع تهويمات فكر ما بعد الحداثة يتحول العالم إلى واقع افتراضي من الرموز والصور، ومقولة تدعو إلى نهاية السرديات الكبرى وصعود السرديات الصغرى، ويتحول الراهن وضمنه راهن المسرح إلى حكايات وعوالم فردية صغيرة معزولة منسلخة عن أية مرجعية.. إنه عصر أفول الأسماء والقيم الكبرى الراسخة، وحلول ركام من الأسماء والموضوعات الصغيرة الطيّارة، ففي الموسيقى والغناء تغيب الأسماء والأعمال الكبيرة لتسود طقطوقات الحب المستهلَك التي تعتمد على الجسد والإبهار البصري، وفي المسرح تسود ظاهرة المسرحية الطقطوقة التي تعتمد الإبهار البصري ولغة الجسد وليس الفكر.. وبالرغم من إقرارنا أن الإبداع هو فعل فردي إلا أن الانسلاخ القيمي في العالم الجديد، عالم ما بعد الحداثة، دفع دعاة هذا الاتجاه، وبالتالي شبابَنا إلى التقليد الصِّرف والفهم الخاطئ والتخلي عن قيم الحداثة العظيمة والديموقراطية والحرية والتحلل من المسؤوليات الأخلاقية وقدرة الإنسان على المشاركة في صنع مصيره" مشيراً إلى أن اتجاه ما بعد الحداثة تميز بتدمير المركز والمرجعيات، فإذا كان الإله هو المركز في أغلب تيارات ما قبل الحداثة، والإنسان هو المركز في تيار الحداثة، فإن تيار ما بعد الحداثة دعا إلى اللامبالاة بهما ورفض مركزيتهما، وإلى خيانة المقولات والمفاهيم والوحدات الكبرى كالإنسانية والحب والوحدة والقومية والدين والتحرير والحق.. إلخ، وإلى كتابة نص لا مرجعية له، وهو اتجاه كما يراه قلعه جي في جوهره تدميري لا يطرح بديلاً ولا يدعو إلى اختراق السائد والمتعارف كما في التجريب، وإنما إلى تدمير كل ما هو سائد ومتعارَف عليه من مقولات ومفاهيم وأنماط، وإحلال نوع من الفوضى والعدمية في الوجود الإنساني، وبالتالي تراجع التأليف المسرحي واستبعاد نصوص الرموز والنصوص التي يتحقق فيها شرط الكتابة المسرحية لصالح نوع جديد من التأليف المسرحي ينتج نصوصاً هشة ضعيفة، لافتاً إلى الاهتمام الفائق بالسينوغرافيا والتقنيات المسرحية، واحتلال الشكلانية المفرطة مكان الكلمة والمضمون، وغلبة الإبهام وليس الغموض الفني على العرض المسرحي، واستذكر تعلقياً للكاتب محفوظ عبد الرحمن على أحد العروض المسرحية في أحد المهرجانات حينما قال : "قرأتُ النص فلم أفهمه، وتابعتُ العرض بعده فلم أفهمه، فنحّيتُ الفهم جانباً واستمتعتُ بشكلانية العرض".. وثمة شكل آخر من التأليف الجديد هو اقتطاع أجزاء كلامية من نصوص مشهورة لتكون الهيكل اللفظي للعرض، وقد يشمل هذا الاقتطاع نصين أو أكثر يتم تلفيق الوصل بينهما، أو يعمد الكاتب بدواعي التجديد والتجريب إلى نصين لكاتب عالمي فيخلط أوراقهما ليخرج بنص جديد لا علاقة له بالتراث القديم، وأورد قلعه جي مثالاً على ذلك ما فعلته الكاتبة والمخرجة الشابة رغدة الشعراني في مسرحيتها "تيامو" .
وأشار إلى أن النص المسرحي صار خاصاً بالعرض الذي قُدِّم فيه، يموت مع موت العرض وإنزال الستارة على المتعة البصرية، في حين أن النص المسرحي كان عبر التاريخ بصراً واستبصاراً، ويعتقد أصحاب هذا النهج أنه التجريب الحديث، غير أن التجريب عند كتّاب الطليعة لم يتخلّ عن النص بل إنه يبدأ به، فـ يونسكو مثلاً في نصوصه يعرض شبكة مفهومات تمليها اللغة المنجزة والمحنطة المكرورة ليبيِّن أن العالم الظاهري أصبح امتداداً لعالمنا اللغوي، وبيكيت في نصوصه كـ "الأيام السعيدة" و"شريط كراب الأخير" يضعنا أمام ظاهرة تفكك وموت اللغة، أو بقايا لغة ميتة، تنعدم قدرتها على التعبير، وهكذا تبدو شخصياته من خلال (النص-اللغة) وكأنها تعيش في بقايا عالم منقرض .
وأشار قلعه جي إلى أن معظم ما يكتبه الشباب اليوم هو النصوص الصغيرة ذات الفصل الواحد التي تعتمد البوح والمكاشفة وملامسة التفاصيل اليومية بكثير من الجرأة أكثر مما تعتمد البناء المسرحي القائم على الحكاية المحكمة والبناء التركيبي المتصاعد وإنجاز عمارة روائية، همّهم التعبير الأقرب والمباشر عن قضاياهم وإغلاق وقَصْر العالم على أنفسهم .
ويضيف : "لقد اكتسب مسرح موسكو الفني شهرته الواسعة من كونه مسرح مؤلفين، إضافة إلى كونه مسرح مخرجين، وتألق من عروضه تلك التي قدمت لنا كبار المؤلفين أمثال : غوغول، غوركي،تشيخوف، شفينيفسكي، تولستوي، بوشكين، شكسبير، برنارد شو، ومخرجين كباراً أمثال : ستانسلافسكي، مايرخولد، فاختانكوف، أفريموف، توفستنوكوف، زفادسكي.. وتراجع التأليف المسرحي أدى إلى ركود وتراجع المسرح السوري، وانصراف الجمهور عنه، وهشاشة العروض، وخلط الأوراق، ومن أجل نهضة المسرح وعودة الألق إليه واستعادة عصره الذهبي لا بد من إعادة الاعتبار إلى المؤلف المسرحي بعد أن أصبحنا أمهر الناس في التنكر لكتّابنا ونتاجاتهم".
***


