العرافة

.. وفرغت من احتساء قهوتي ، وفنجالي ملء أصابعها ، توشوشه ، تحملق فيه ، تتوه معه ، أنظر إليها بقلب واجف وعقل خائف. أراها وكأنها في حالة انعدام وزن .. مجذوبة .. يأتي صوتها واهياً وكأنه قادم من عالم آخر ..
- منحنى مغلق ..
وتصمت العرافة ، فأرتعد ، وأذوب في صمتي وخوفي. إلى أن يأتي صوتها واهياً وحزيناً.
- خارج المنحنى أسود تزأر وبوم ينعق وثعابين لا يكف فحيحها ، أشجار يابسة ، وظلام يحيق بالمنحنى ، الجو مزمجر ، رعد وبرق وإعصار ، وعليه وقفت شياطين تقهقه ..
.. وتسكت العرافة ، فيشتعل قلبي بالحريق ، وتقلب في الفنجان ، وتشرد فأحس بأنها رمت بثقلها وخف جسدها وشفت روحها وتألقت ، ويأتيني صوتها مخنوقاً :
- داخل المنحنى مثلثات ومكعبات ودوائر ومصطلحات غريبة ولغات عديدة وأشكال لا حصر لها – أشياء أقرب إلى اللوغاريتمات ..
قلت بلهفة وخوف :
- ماذا ترين ؟ .. حدثيني بلغة مفهومة ..
قالت :
- منحنى الصدق ومنحنى الثبات ومنحنى الموضوعية..
قلت مقاطعاً :
- أعرفهم من قراءاتي في علم النفس ..
قالت هازئة :
- وجودهم ضئيل ، ويكاد أن يكون معدوماً ، عليهم وقف مأجورون ، استعان بهم أهل القمة ..
قلت من فوري :
- ومن هم أهل القمة ؟
نظرت إلى الفنجان بين أناملها ، حملقت فيه لفترة ليست وجيزة وعادت تقول :
- أرى مستقيمات خرجت من " مسدس " موضوع بعناية على قمة المنحنى ، كل مستقيم يتجه إلى شكل من الأشكال الهندسية ، يرتكز على نقطة المنتصف ..
قلت وقلبي مقبوض :
- زيديني وضوحاً
قالت :
- من منتصف المسدس خرج مستقيم ليلاقي نقطة تقاطع المستقيمات المتوسطة في المثلث ، وخرج مستقيم آخر من منتصف المسدس ليلاقي نقطة تقاطع القطرين في المربع ، وهلم جرا من المستقيمات اللامتناهية التي خرجت من المسدس .. وتمكنت من التحكم في كل الأشكال ..
قلت :
- وماذا عن المربع والمثلث والمستطيل والدائرة .. إلخ ؟
قالت :
- مجموعة من النقط .. تكونت في أشكال عدة ، لكل شكل خصائصه وأفكاره " وأيديولوجيته ".
قلت : ولماذا تحكم المسدس فيها ، وهو لا يعدو أن يكون شكلاً من الأشكال الهندسية ؟
قالت :
- لأن المسدس اعتلى قمة المنحنى.
وصمتت العرافة لبرهة ، ونظرت للفنجان ، وأردفت قائلة :
- وسلط شعاعاته ومستقيماته – على قلوب كل الأشكال – لتحصي دقاتها – وترصد حركاتها وإيماءاتها – وبالتالي يسهل عليه – أن يميت أي محاولة منها للصعود نحو القمة ..
قلت :
- ولماذا لا تتوحد كل الأشكال للوقوف في وجه المسدس – والتصدي له؟
نظرت إليَّ العرافة ، ودنت مني ، ورفعت الفنجال إلى عيني وقالت : أنظر ، ونظرت إلى الفنجال .. وأمعنت النظر فيه.
قالت :- ماذا ترى ؟
قلت :
- أشكال هندسية مبتورة .. مشوهة ، جريحة ، ولكن من أين للمسدس بهذه القوة الجبارة ؟
عادت تنظر في الفنجان ، وصمتت .. ثم قالت :
- خارج المنحنى ، أسود وثعابين وشياطين ، وألمح شعاعاً بسيطاً واصلاً من الخارج إلى منتصف المسدس.
ويبدو يا ولدي – الله أعلم – أن المسدس يستعين بقوة من الخارج لتعينه في التحكم على الأشكال الأخرى وتضمن له البقاء على القمة .
قلت : وتلك القوة التي في الخارج – ماذا تريد على وجه الدقة ؟
نظرت إليَّ العرافة – وكأنها تتهمني بالجهل ، وسكتت ، راحت تقلب في الفنجان .. وزاد صمتها – عاجلتها بالحديث – قالت :
- أرى شعاعاً بسيطاً ومستقيماً نورانياً
نظرتُ إليها فإذا بجسدها يرتعد ووجهها تتخلله أضواء نورانية ولسان حالها يقول :
- أرى قوة خفية تحركها قوة كبرى غير مرئية ..
وبحلقت بعينيها وخيل لي أنها تنظر لقوة جبارة سحبت نور عينيها جذبت عقلها وقلبها ، الفنجان ملء أصابعها .. يتراقص ، يأتي بحركات بهلوانية تقبض عليه بشدة ، يتهشم .. أسنانها تتقارع وجسدها يختلج .
صرخت العرافة بغتة .
شعرتُ بأن السماء تهتز وأن الأرض تميد من تحت قدميّ ، أحسستُ بأن كل شيء يصبح دون الصفر ، كل الأشكال تتضاءل أمام عينىَّ ، كل اللغات تنضوي وتذبل ويبقى شكل واحد ولغة واحدة ..
اقتربت من العرافة التي تسمرت في مكانها وكأنها فقدت النطق، صرختُ فيها – لماذا تصرخين؟
لم تجبني .. هززتها .. وقعت على الأرض ..
.. تكورت
.. تضاءلت
.. تلاشت


