الصَوْتُ وَالصَدَى

القصة في سورية
ما هي سمات القصة الحديثة في سورية؟ وهل تملك هوية متميزة تتطور في خط متنام عبر المراحل الزمنية المتتالية؟
هذا تساؤل مشروع لوهلة من الزمن، طالما أن القصة الروسية أو الفرنسية أو الأمريكية تحلت بخصائص مميزة خلال حقبة أو أخرى، لكننا من خلال دراستنا لم نجد انفصاماً بين القصة في سورية وبينها في مصر أو العراق أو المغرب. البيئة العربية متشابهة الملامح الاجتماعية، كما هي متقاربة التطورات الفنية، بحيث لا تتميز المدارس الأدبية بين قطر وآخر إلا بمدى تطوره الاقتصادي وتحرره الاجتماعي.
لأسباب عديدة، نجد التيارات الأدبية متجاورة في القصة العربية، لكن أبرز الأسباب هو انتقائية الفن في النصف الثاني من القرن العشرين، إضافة إلى أن فن القصة القصيرة - كما سنرى - هو فن ورثناه عن أوروبا التي ورثته بدورها عنا في العهود القديمة. لذلك، وبغض النظر عن الاختلافات في الشكل، نجد القصة العربية الحديثة تنحدر من مصدرين: التراث الأدبي القديم بملامحه السردية المشوقة، والأدب العالمي الحديث بدراميته وتجريبيته المتأثرتين بالأجناس الإبداعية الأخرى. لعل أنجح وألمع القصص العربية الحديثة هي التي نهلت من الينبوعين بشكل متوازن، فلا هي عاشت على وهم القديم الآفل، ولا هي حلمت بسراب الجديد المستورد. نقول هذا لأن حيزاً كبيراً نوعاً ما من القصص الحديثة في سورية بوجه خاص، أخذت تتوجه إلى الخاصة، مبتعدة عن انتشارها الشعبي في فترة ظهورها الأولى، ثم تبلورها خلال القرن الماضي.
أسباب عديدة، إذن، تقف وراء ظاهرة اضطراب تطور القصة الحديثة، ومحافظتها اليوم على مختلف الاتجاهات دون تبلور هوية خاصة مهيمنة، سواء في قصة قطر عربي ما، أو في القصة العربية عموماً. لقد عانت سورية منذ الاستقلال التغيرات السياسية السريعة نفسها خلال خضوع البلاد لقوى استعمارية مختلفة، فقد تتالت أنظمة الحكم، وتعددت الانقلابات، واختلت القيم، وزيفت الشعارات. انعكس هذا من خلال الأدب – ولا أقول إنه أثّر على الأدب تأثيراً مباشراً، فقد يكون التأثير عكسياً، وليس طردياً – وكان انعكاسه من خلال التنوع الهائل في الاتجاهات الفنية، من واقعية إلى رمزية وتعبيرية وسواها، وفي الاتجاهات الفكرية من وجودية إلى ماركسية وفرويدية وسواها. إن أيَّة محاولة لدراسة تاريخ القصة القصيرة بهدف الوصول إلى تطورها الفني ستصطدم بعقبات عديدة، إذ أن التطور بصورة رئيسة لم يكن يتم بالانتقال من اتجاه سائد إلى اتجاه آخر، وإنما كان مجرد تطور كل كاتب ضمن حدود مدرسته واتجاهه. القصة في سورية، إذن، لم تمر بمراحل متتالية فنياً، وإن كان نضج تياراتها المتوازية يتم مع مرور السنين. وبينما نرى تاريخ القصة العالمية يرتسم في أدب نجيب محفوظ، وإلىحد ما عند يوسف إدريس، ليصل إلى أقصى مراحل الحداثة والتجديد، نرى أن قصة حديثة مثل «النجوم فوق الغابة» لزكريا تامر سباقة على قصة مثل «تحت المظلة» لمحفوظ بعشر أعوام على الأقل. ورغم هيمنة الواقعية الفوتوغرافية لفترة من الزمن، إلا أن طفرات شعرية خلاقة مجددة ظهرت هنا وهناك بين حين وآخر، (وليد إخلاصي وغادة السمان)، كما إنَّ الواقعية نفسها صقلت وتألفت منها نماذج خالدة، (عبد السلام العجيلي وسعيد حورانية). لا نستطيع القول أيضاً إنَّ التجديد والتجريب يقتصران على الأجيال الجديدة من الكتَّاب، فبغض النظر عن تفاوت نجاح المحاولات، نجد أن شيوخ القصة لا يقلون نزوعاً إلى ذلك، في حين لايزال بين القصاصين الشبان بعض ممن يسيرون في ركاب الاتجاهات التقليدية حتى الآن.
على الرغم من أننا لن نخضع للترتيب التاريخي أو الزمني في بحثنا، إلا أنه لا بأسمن الإشارة في هذه المقدمة إلى أن القصة في سورية تنقسم حتى اليوم إلى خمسة أجيال: محاولات بدائية قبل الحرب العالمية الأولى، التأسيس الأول للقصة في سورية في فترة ما بين الحربين (1918- 1937)، مرحلة ازدهار القصة القصيرة وأفول الرواية بين (1937- 1949)، مرحلة التأثيرات الثقافية الأجنبية وبروز الطبقة الوسطى بين (1950- 1962)، مرحلة التجديد وتطوير الاتجاهات المختلفة في القصة والرواية على حد سواء بين (1963- 1971)، ومرحلة أخيرة على يد القصاصين الشباب تحمل ضغوط المجتمع الاستهلاكي وتواجه نمو بورجوازية جديدة خاضعة لهيمنة الصراعات السياسية العنيفة، وهي تشكو من زيف القيم الأخلاقية وأفول المبادئ الفكرية، وتتقنع بالرمز والاستعارة من جهة، كما يتجه قسم آخر منها إلى استعادة النكهة الواقعية المفتقدة إلى حد كبير في المرحلة السابقة وطلائع هذه المرحلة.
بلا شك، كانت هناك بدايات للقصة قبل الحرب العالمية الأولى، وهناك نماذج عديدة للرواية التاريخية والاجتماعية والفلسفية والقصص التهذيبية من تلك المرحلة - كما يصنفها شاكر مصطفى - لكنها تظل بدايات متواضعة جداً. تلي ذلك مرحلة ما بين الحربين، وقد ضمت أسماء عديدة بارزة، مثلت المدارس الرومانتيكية والواقعية التصويرية، وبرز من كتّابها: منير العجلاني، علي خلقي ومحمد النجار. وقد ساهم هؤلاء بمحاولاتهم التأسيسية في إفساح الطريق أمام عدد من الكتّاب مثل: ميشيل عفلق، فؤاد الشايب، نسيب الاختيار، ليان ديراني، معروف الأرناؤوط، خليل هنداوي، مظفر سلطان، شكيب الجابري، علي الطنطاوي، وصلاح الدين المنجد. أما المرحلة التالية، وهي مرحلة بروز الطبقات الوسطى وازدياد المؤثرات الأجنبية الفكرية عبر الاشتراكية والوجودية – حسب رأي د. حسام الخطيب. بعض هذه التأثيرات أيضاً هي فرنسية، ثم سوفييتية، ثم انكليزية، ثم أمريكية، وأخيراً ألمانية. في هذه المرحلة، ظهرت مدارس مختلفة كالكلاسيكية الجديدة، الواقعية، التعبيرية، الواقعية الاشتراكية، والحداثية. أما أهم الموضوعات – وسنشير إلى نماذج منها في فصل قادم – فهي: الظلم الاجتماعي، قضية فلسطين، وقصص وصف البيئة. كانت هذه الموضوعات تعكس عملية التغير الاجتماعي من جهة، والالتزام القومي عقب الاستقلال من جهة ثانية، وضمت هذه المرحلة أسماء كثيرة جداً نذكر منها: حنا مينة، شوقي بغدادي، حسيب كيالي، مواهب كيالي، فارس زرزور، بديع بغدادي، ألفة الإدلبي، اسكندر لوقا، فاتح المدرس، سلمى الحفار الكزبري، وداد سكاكيني، قمر كيلاني، صدقي إسماعيل، صميم الشريف، سعيد حورانية، كوليت سهيل الخوري، زكريا تامر، فاضل السباعي، عادل أبو شنب، وليد إخلاصي، جورج سالم، نصر الدين البحرة، عدنان الداعوق، عبد السلام العجيلي، مطاع صفدي، أديب نحوي، محمد حيدر، عبد العزيز هلال، غادة السمان وياسين رفاعية. ضم الجيل التالي تجارب أكثر وضوحاً في معاصرتها، أكثر استقراراً، وأقل تجريبية. وظهرت قصص لحيدر حيدر، هاني الراهب، عبد الله عبد، ناديا خوست، وعدد من الشباب، إضافة إلى المجددين من الجيل السابق.
منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب
وزارة الثقافة - دمشق 2011م
سعر النسخة 180 ل.س أومايعادلها


