الخطة الشاملة المحدثة للثقافة العربية

الخطة الشاملة للثقافة العربية، صدرت طبعتها الأولى، في سنة 1986، في دولة الكويت الشقيقة، التي احتضنت أعمال لجنتها ورعتها وشملتها بعنايتها وكرمها، وكانت عملاً رائداً تاقت إليه الأجيال العربية، وحلماً من أحلام مفكريها ومثقفيها، وتطلعاً مشروعاً من تطلعات المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم «الأليكسو» كانت موضوع مناقشة وتحديث في المؤتمر العام للوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية في الوطن العربي الذي عقد في مدينة الدوحة، عاصمة قطر، بين (27 و28) تشرين الأول- أكتوبر 2010م.
ونذّكر أن هذه الخطة، قام بوضعها نخبة من كبار المفكرين والباحثين والأدباء العرب، بعد مخاض طويل، ومبادئها الفكرية تقوم على أسس متلازمة متكاملة أهمها:
-    حق الإنسان العربي في اكتساب الثقافة، وفي حرية التعبير عنها والتمتع بها، فالإنسان هو غاية كل تخطيط تنموي، والحرية شرط من شروط الإنسانية.
-    عملية التخطيط التنموي عملية شمولية، والثقافة بعد أساسي من أبعاد التنمية الشاملة.
-    إن التراث الحضاري الإسلامي هو الركن  الأساسي في تكوين الثقافة العربية، والعروبة والإسلام متلازمان ومتكاملان في الثقافة العربية.
-    ديمقراطية الثقافة، أي المشاركة الجماهيرية الواسعة في مجالي إنتاج الثقافة والإفادة منها، باعتبار أن الثقافة تنبع من الجميع، وأنها الزاد الروحي والفكري للجميع.
-    قومية الثقافة، أي إن الثقافة واحدة موحدة، وإن التكافل القومي يزيد في قوتها وعطائها، وإن لغتها هي العربية، وإن التنوع هو أحد أبعاد الغنى والخصب فيها.
-    عصرنة الثقافة، بمعنى تحديد الثابت والمتغيّر في الثقافة العربية الحالية، واستيعاب تيارات العصر، ومواكبة تحولاته تحديثاً وانفتاحاً، مع الحفاظ على الأصالة والهوية الحضارية العربية، والقيم الروحية والفكرية للأمة.
-    إنسانية الثقافة، بمعنى أن الثقافة العربية لها خصائص ومثلٌ وقيمٌ وآفاقٌ قادرة على الإسهام في إقامة نظام ثقافي دولي جديد.
-    عالمية الثقافة، وهذا يعني متابعة تقاليد الفكر العربي في التفاعل مع الثقافات الأخرى، والمشاركة الإيجابية المنفتحة أخذاً وعطاء في تقديم الحضارة الإنسانية.
-    مسؤولية الدولة والمؤسسات الشعبية في التخطيط الثقافي الشامل، وفي توفير جميع الوسائل للتفتح الثقافي الحر.
*     *     *
 لقد مرّ ربع قرن من إعداد تلك الخطة العربية الشاملة للثقافة، وفي هذه الفترة، عصفت بدول العالم أجمع متغيّرات كثيرة، ومستجدات معقّدة اصطلح على تسميتها بـ«النظام العالمي الجديد» تزامنت معها ثورة لم تعرف البشرية لها مثيلاً منذ الثورة الصناعية، هي «ثورة المعلومات» التي احتاجت العالم بأسره في العقد الأخير من القرن العشرين وحوّلته إلى «قرية صغيرة».. هذه الثورة أوجدت أنماطاً جديدة من السلوك للأمم والجماعات والأفراد، في أوجه الحياة كافة، وهذه الثورة زادت الهوّة اتساعاً بين أغنياء العالم وفقرائه، وبين المحظوظين والمحرومين، وبين دول الشمال والجنوب، والدول المصنّعة والدول النامية، وبين الدول القادرة والدول القاصرة، وأصبح 80% من الدخل العالمي في أيدي اثنتي عشرة دولة فقط، وكانت التحديات التي واجهت الشعوب في الدول النامية كبيرة، تمثلت في تهديد الذاتيات الثقافية والفقر والتفاوت الكبير بين دول الشمال ودول الجنوب في مناحي الحياة كافة، وفي ظل ذلك عاشت الأمة العربية منعطفاً تاريخياً خطيراً، فكان لابد من تعزيز العمل العربي المشترك، ووضع خطة ثقافية عربية شاملة جديدة تستجيب للتحديات كافة، وتترجم في سياسات ثقافية تهدف إلى النهوض بالعمل الثقافي العربي لتحقيق التنمية البشرية الشاملة.
لقد درست الخطة الشاملة المحدثة للثقافة العربية المشهد الثقافي العربي الراهن (الواقع والتحديات وآفاق التغيير) ورأت أن بداية العقد الأخير من القرن العشرين، وبداية الألفية الثالثة قد عرفت تغيرات هيكلية على المستوى العالمي، وقلبت كل المعدلات والتصورات التي كانت سائدة حتى نهاية الثمانينات من القرن العشرين، ويمكن تلخيص هذه التحولات في نقطتين كبيرتين:
- انهيار المنظومة الاشتراكية، وبروز مقولة الإرهاب، وبموجب ذلك عرف العالم تحولات مغايرة لما كان سائداً خلال ما عرف بمرحلة «الحرب الباردة» وتزامن ذلك مع بروز «العولمة» التي صار العالم بمقتضاها مشرعاً على نوع جديد من العلاقات الدولية.
على المستوى المعرفي، ظهرت تقنيات جديدة للمعلومات والتواصل، مع الحاسوب والإنترنت، محققة بذلك معرفة جديدة في تاريخ البشرية، قوامها «الرقمنة» التي فتحت مجالات واسعة للتواصل بين الناس، وتبادل الخبرات والمعارف، وجعلت العالم مترابطاً بوساطة ما أطلق عليه «الشبكة العنكبوتية»..
لقد أدى ذلك إلى خلق جغرافية عالمية جديدة، لا علاقة لها بالجغرافية المجالية القديمة، وصار مفهوم «الفجوة الرقمية» الدليل على التمايز بين الأمم والشعوب، وكان طبيعياً أن ينعكس هذا التمايز بجلاء على طبيعة العمل الثقافي، وعلى أي تخطيط يراهن على المستقبل، وكان لابد من وضع تصورات تناسب ماحدث، وإعادة قراءة واقعنا الثقافي وتشخيصه في ضوء هذه التحولات التي مسّت العالم بأكمله، بهدف الوقوف على ما يعتري هذا الواقع، ورصد هذه المتغيرات، على المستويات كافة، لتحقيق فهم مطابق، واقتراح آفاق جديدة وملائمة.
*     *     *
في الخطة الشاملة المحدثة للثقافة العربية، طرح مفهوم السياسات الثقافية، الذي يعدّ جديداً نسبياً في العالم، وقد طرح في المؤتمر الدولي لمنظمة اليونسكو الذي عقد في استوكهولم عام 1998، وكان عنوانه «السياسات الثقافية من أجل التنمية» الذي أكد على أهمية التخطيط الثقافي في إطار «سياسات ثقافية» تقوم على مبادئ تتبناها الدول وتعمل على الالتزام بتطبيقها، وطرح موضوع العلاقة بين السياسي والثقافي: هل الثقافة منفصلة عن السياسة؟ وهل يجوز الربط بينهما؟ وماهي مستويات الربط؟ هل في مستوى المضامين والرؤى والقيم، أم أن الأمر لا يتعدى الجوانب الترتيبية والإجرائية، بحيث تكون الثقافة مضموناً ومحتوى، وتكون السياسة إطاراً تنفيذياً، وآليات تطبيق ملزمة لمختلف المتدخلين في ميدان العمل الثقافي، وبهذا المعنى تصبح الثقافة جوهر المنظومة السياسية التي تعرّف في علم الاجتماع السياسي بأنها «مجموع التفاعلات التي بوساطتها توزّع المواد ذات القيمة عن طريق السلطة في المجتمع، أي إنها الرؤى والاختيارات الجوهرية التي توجه المخططات والبرامج القطاعية في مختلف نواحي حياة المواطن، فتسهم في تكوين العقليّة وصناعة الرأي العام وتشكيل الوعي وتوجيه السلوكيات».
إن مستقبل الثقافة العربية يعني أساساً مستقبل الفئات الشابة والناشئة الذين يشكلون قاعدة «ديموغرافية» كبيرة يجب أن تتجه إليها البرامج والمخططات بصورة دائمة، ومن هنا فإن عملية تشكيل «الرأسمال الثقافي» للجيل القادم يجب أن تؤخذ بقدر عال من الاهتمام والانتباه، ويتعلق الأمر بتنشئة جيل متأصل في حضارته ومتشبّع بأنبل قيمها من تسامح ووسطية وانفتاح على الآخر، ومتمكّن من نفسه ومعارف عصره وعلومه وتقنياته، وهذه مهمة صعبة وشاقة يجب أن تتضافر من أجل تحقيقها جهود مؤسسات ثلاث أساسية هي: العائلة والمدرسة والمجتمع الأهلي، فضلاً عن جهود الدولة..
إذن، هناك حاجة ماسة إلى الوعي بأن الثقافة في مجتمعاتنا العربية هي رهان حضاري واستراتيجي، وهي القادرة على تشكيل «شبكة أمان» في مواجهة آثار التحولات الاجتماعية والتغيرات العميقة والمتسارعة التي تحدثها «العولمة» وبهذا تسقط المقاربات التي تعتبر الثقافة امتيازاً اجتماعياً أو فضاء للتعبئة السياسية، أو وسيلة لإشغال الرأي العام عن القضايا الجوهرية.
تحتاج المجتمعات العربية إلى بدائل ثقافية حقيقية تعيد للثقافة دورها المركزي في المشروع الحضاري القومي، وتعتبرها المصدر الذي يغذي التنمية المتكاملة والمستدامة ويضمن التماسك الاجتماعي، ويحفز الطاقات ويشجع الإبداع والتجديد والابتكار والانخراط الواعي في العصر، فبالثقافة الحيّة المتجددة يستطيع العالم أن يحدّ من جموح قوى «العولمة» المهيمنة، ولاشك أن البشرية اليوم بحاجة إلى معالجة اختلال موازين التنمية، وتقريب الفجوة الرقمية، والتخفيف من وطأة الفقر والمرض والحرمان التي تغذي الإحباط والقهر وتفضي إلى الحقد والعنف والعنف المضاد..
*     *     *
تنظر الخطة الشاملة المحدثة للثقافة العربية، على أن الثقافة ركن أساس في التنمية البشرية، وإنجاز تراكمي من الماضي، وعملية إبداعية للحاضر والمستقبل، ولاتتوقف عند مرحلة معينة بل تستمر عبر التاريخ، وتسهم في التطور وبناء الحضارات إذا أدت دورها المطلوب ووظيفتها الحقيقية، ويكاد يتطابق مفهوم الثقافة مع المعرفة في العصر الحديث، باعتبار أن كلاً منها يتداخل ضمن نسيج الآخر، ويتكاملان في إطار مفهوم واحد هو مجتمع المعرفة الذي ترتكز عليه أدبيات التنمية المعاصرة باعتباره ركناً أساسياً في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومن هنا تكتسب الثقافة موقعها وأهميتها في المجتمع العربي المعاصر، وعلى الرغم من كل ذلك، مؤشرات الإنفاق الحكومي وبيانات العون الإنمائي في الوطن العربي، لا تعكس أهمية الثقافة، ولا تحتل مشروعات التنمية الثقافية الأولوية المطلوبة، ويعود السبب لعوامل عديدة، أهمها الضغوط الاقتصادية الداخلية التي تدفع إلى تركيز الموارد على مقومات النمو الاقتصادي والتنمية الاقتصادية، وبالتالي لا تستقطب مشروعات التنمية الاقتصادية التحويل والاهتمام المطلوب..
إن مشكلة تمويل التنمية الثقافية في الوطن العربي، كانت وستبقى مشكلة أساسية أمام تمكين الثقافة من التطور والتقدم، وأداء دورها في جهود التنمية الاقتصادية والاجتماعية والتقدم والتحديث في الوطن العربي، وهنا يبرز دور إنشاء مؤسسات تمويل يتم ربط اختصاصاتها وأنشطتها بأهداف التنمية الثقافية، وذلك من خلال أحد البدائل التالية:
-    البديل الأول: يعد التشبيك (Networking) في إطار شبكات وطنية أو إقليمية أو دولية أحد الأطر التنظيمية الحديثة والمهمة لحشد الجهود واستقطاب التمويل للأنشطة والمشروعات التي تقع ضمن اختصاصها، وتكمن أهمية التشبيك في كونها آلية متعددة الأغراض، مبنية على التفاعل والعمل المشترك والالتزامات المتبادلة، وإن إنشاء شبكة عربية لدعم الثقافة العربية في إطار منظم وفعال تشمل عضوية المؤسسات والأجهزة الرسمية والأهلية العاملة في مجالات التنمية الثقافية وقطاعاتها المختلفة، يمكن أن يكون أحد البدائل المؤسسية لتوفير الدعم والتمويل لمشروعات التنمية الثقافية القومية والقطرية..
-    البديل الثاني: إنشاء حساب خاص لتمويل المشروعات المتوسطة والصغيرة، الذي أنشئ بقرار من القمة العربية الاقتصادية التي عقدت في الكويت (كانون الثاني 2009) وتتكون موارده من إسهامات الدول العربية.
-    البديل الثالث: اعتماد البرامج المؤسسية المتخصصة، من الأدوات الفعالة والمعهودة لحشد الجهود واستقطاب التمويل لتحقيق أهداف التنمية البشرية.
-    البديل الرابع: إنشاء صندوق عربي للتنمية الثقافية.
وكانت الخطة المحدثة واعية لأهمية اللغة العربية كوعاء للثقافة، ودورها في عملية التنمية، وأن الجهود للتوجه نحو «مجتمع المعرفة» لن تكون مجدية إذا لم يرافقها وجود المعرفة الثقافية والعلمية والتكنولوجية باللغة العربية كي تكون في متناول الفرد العربي، مما يتطلب الاهتمام بها، والاعتناء بالترجمة العلمية والتكنولوجية، وتعليم العلوم باللغة العربية في جميع الدول العربية، للتوجه نحو اقتصاد عربي، معرفي، لا يمكن أن يتم إلا باللغة الأم.

الدوحة: 27 و28 تشرين الأول 2010م

د.علي القيّم رئيس التحرير

إغلاق
يلزمك برنامج Adobe Acrobat للتمكن من تصفح العدد