الجولان: من التطبيع إلى التسوية
"رؤية إسرائيلي"

مقدمة
رغم اعتراف إسرائيل بأنه لا سلام في المنطقة بدون سوريا، إلا أن الجولان ظل الركيزة الإستراتيجية في السياسة الدفاعية والمائية لإسرائيل، وللتهرب من استحقاقات السلام، فمرتفعات الجولان ظلت تحتل خط دفاع أو هجوم استراتيجي للجبهتين الشمالية والشرقية، وتنظر إسرائيل إلى هضبة الجولان باعتبارها المسيطر الرئيسي على بحيرة طبرية المصدر الرئيسي للمياه بها، مما أدى إلى اعتبار الصراع السوري –الإسرائيلي واحداً من أكثر الصراعات استعصاءاً على الحل حتى الآن، رغم اهتمام إسرائيل بمكاسبها في حالة التطبيع مع سوريا في حالة إتمام التسوية.
الجولان نظرة تاريخية وصهيونية
ترى إسرائيل أن مرتفعات الجولان ترتفع تدريجياً من الجنوب للشمال وتشغل حيزاً يصل إلى 900كم يمثل جبل حرمون أعلى نقطة وتصل إلى 2814م من سطح البحر، وتقرأ في التوراة عن توطين سبط (عشيرة) من أحد الأسباط الأثني عشر بعد الخروج من مصر، وتم تشيد العديد من الحصون في الجولان منذ ثلاثة آلاف سنة، كما كانت أحد مناطق اختيار اليهود في القرن الأول الميلادي خلال حربهم ضد الإمبراطورية الرومانية.
وصرح تيودر هرتزل في أعقاب نهاية مؤتمر بال في سويسرا عام 1897 "أنني لو أردت تلخيص نتائج هذا المؤتمر لقلنا أننا وضعنا أسس الدولة الصهيونية بحدودها الشمالية التي ستمتد حتى نهر الليطاني، وأكد دايزمان برسالة وجهها في 28/2/1919 إلى رئيس الوزارة البريطانية يؤكد بها "أن مستقبل فلسطين الاقتصادي كله يعتمد على مياه الري والقوى الكهربائية، وتستمد المياه بصورة رئيسية من منحدرات جبل الشيخ ومن منابع نهر الأردن ومن نهر الليطاني".
ولقد تم تعيين الحدود بين كل من سوريا ولبنان وفلسطين بعد اتفاق كليمنصو –لويد جورج (سبتمبر 1919) مع إدخال تعديلات طفيفة على خطوط سايكس بيكو (ديسمبر 1920) على رسم الحدود بين البلدان الثلاثة التي فرض عليها الانتداب في مؤتمر سان ريمو (ابريل 1920) وجرى توقيع اتفاقية الحدود السورية – الفلسطينية بين الانتدابين البريطاني والفرنسي عام (1922) بعد إصرار من بريطانيا وضغط الحركة الصهيونية على إدخال بحيرة طبرية والحولة والينابيع الرئيسية التي تغذي نهر الأردن ضمن حدود فلسطين.
ولقد رفضت فرنسا الانصياع لهذه الضغوط وحالت دون اندماج الليطاني وجبل الشيخ واليرموك ضمن حدود الانتداب البريطاني على فلسطين، ولكن ضغوط الحركة الصهيونية نجحت في حمل بريطانيا وفرنسا على تعديل حدود فلسطين الشمالية بإضافة إصبع الجليل لمبررات مائية، وقد اعتبرت المنظمة الصهيونية العالمية في مذكرتها إلى مجلس العشرة في باريس 1919 أن جبل الشيخ هو الأب الحقيقي لمياه فلسطين.
إسرائيل والجولان
قامت إسرائيل في مخطط مستقبل إسرائيل عام 2020 باعتماد مساحتها والبالغة 21.501 ألف كيلو متر وقد ضمت في تلك المساحة الجزء المحتل في الجولان والبالغ 1.154 ألف كم2 وكذلك المناطق المنزوعة السلاح بينها وبين سوريا على الحدود، ووضعت هذه المساحات ضمن ملكية دائرة أراضي إسرائيل (الصندوق القومي اليهودي) وهو الصندوق الذي يسيطر على كل الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها القدس والأراضي منزوعة السلاح في اللطرون وعلى الحدود السورية والمصرية، وكانت سلسلة المساومات والنزاعات والمفاوضات بعد عام 1948 ومن خلال لجنة الهدنة التابعة للأمم المتحدة قد استقرت على وجود ثلاثة مناطق منزوعة السلاح.
وتظل مرتفعات الجولان في الفكر الإسرائيلي ركيزة إستراتيجية جوهرية لإسرائيل إلى أن تحدث تغيرات جوهرية في المنطقة وذلك بسبب الطبيعة الجغرافية لهذه المنطقة وتمثل الهضبة إلى جانب سهل البقاع وضعاً إستراتيجياً للجبهتين الشمالية والشرقية الإسرائيليتين، وعلى الجانب الآخر تمثل الجولان لسوريا موقع يعطيها السيطرة الطبوغرافية على الأراضي الإسرائيلية.
الجولان قبل عام 1967
تبلغ مساحة الجولان. 186كم2 لا يزال 1260كم2 تحت الاحتلال ويعيش بالمنطقة المحتلة نحو 20ألف سوري في خمس قرى أكبرها مجدال الشمس وبها خمسة آلاف نسمة، مقابل 20ألف مستعمر إسرائيلي يعيشون في أكثر من أربعين مستعمرة أكبرها كيتسرين التي بنيت على أنقاض بلدة قصرين بعد احتلال 1967.
ويبلغ عدد النازحين عن الجولان بسبب تدمير قراهم في عام 1967 حوالي 140ألف نسمة، ويوجد 60ألف منهم في القرى التي أعيد بناؤها في الجزء المحرر بعد عام 1973، كما أقيمت عدد مشاريع استثمارية وزراعية في المناطق المحررة.
وقد دمرت إسرائيل 244 قرية ومزرعة تدميراً كاملاً وأقاموا عليها أكثر من أربعين مستعمرة تشغل المصادر الطبيعية للمنطقة من أرض ومياه، وأقيمت أول مستعمرة اسمها ميدوم ها جولان في 16/7/1967 أي بعد العدوان بشهر تقريباً، تستغل كل مستعمرة 4500دونم تقريباً، وتستغل المستوطنات 14مليون م3 من مياه الهضبة بينما تقلصت أراضي القرى السورية إلى ثلث المساحة تقريباً.
ولمدينة القنيطرة أهمية إستراتيجية حيث أنها تعتبر نقطة تلاقي بين الحدود الدولية المجاورة، فهي تبعد عن دمشق 67كم، وعن الأردن 60كم وعن جسر بنات يعقوب الفلسطيني 30كم، وعن الحدود اللبنانية نحو 20كم، كما أن الجولان يضم أعلى نقطة في سورية وهي قمة حرمون التي ترتفع نحو 2814م وأكثر نقطة انخفاضاً وهي قرب بحيرة طبرية وهي على انخفاض 212م، وهي ذات أهمية كمصدر للمياه.
والجولان هو الركيزة السورية لوادي اليرموك ويشرف على سهل الحولة الخصب وبحيرة طبرية، كما يعد جبل الشيخ خزان المياه الأساسي لجنوب سوريا ولبنان وشمال فلسطين، حيث ينحدر أهم روافد نهر الأردن ونهر الحاصباني والينابيع الأخرى التي تغذي شمال فلسطين مثل نهر اليرموك ونهر بانياس، كما تتراوح الثروة النباتية من النباتات الاستوائية في منطقة الحمة والتي تنخفض 126م عن سطح البحر إلى نباتات المناطق المعتدلة وحوض البحر المتوسط ونباتات المناطق الباردة.
واشتهر الجولان قبل عام 1967 بزراعة القمح والشعير والحمص والذرة البيضاء والصفراء والعدس والبازلاء والفول والفاصولياء والبصل والبطيخ والسمسم والزيتون والتفاح والرمان والكرز والبرتقال والموز والليمون والتين والفستق في دلالة على خصوبة تربة هضبة الجولان. (ادعت إسرائيل إنها كانت أراضي جرداء عند الاحتلال).
وزادت مساحة الغابات في الجولان عن 18128 هكتار تغلب عليها أشجار السنديان والزعرور والبلوط، وبالجولان أضخم غشاء عشبي في سوريا مما أدى إلى التوسع في تربية الأبقار والجاموس والماعز والأغنام، والتي كانت أساس مشروعات المستعمرات بعد عام 1967 وصناعة اللحوم الأمريكية بعد 3أشهر من الاحتلال، وكان عدد سكان الجولان 154ألف نسمة وتوزعوا على مساحة الهضبة وفي 310 مركز عمراني.
وتستولي إسرائيل من هضبة الجولان على 22% من احتياجاتها المائية تقريباً، وكانت إسرائيل تستبعد سوريا من عمليات التسوية إلى آخر وقت بسبب المتطلبات الأمنية واحتياجاتها الشديد للمياه.
ولا تحتاج إسرائيل مياه الجولان لكميتها فقط وإنما أيضاً بسبب شدة نقاؤها والتي تحتاجها لخفض ملوحة بحيرة طبرية والتي أصبحت شديدة الملوحة والتلوث بمخلفات الصرف الصحي والزراعي والمعادن الثقيلة ومن بقايا المبيدات حيث أدت بعض الأعطال في منطقة بحيرة طبرية إلى تدفق نفايات الصرف الصحي لمياه البحيرة مما أدى إلى ارتفاع نسبة تركيز الملوثات الأدمية في البحيرة وأصبحت في كثير من مناطقها غير صالحة (هارتس 2/8/2007).
والمعروف أن الجولان ينبع منه نهر اليرموك وتصرفه يبلغ 500مليون م3 سنوياً ونهر بانياس ويزيد تصريفه على 120مليون م3 سنوياً بالإضافة إلى الأمطار التي تتراوح ما بين 330مم -1000مم والينابيع التي تتراوح غزارتها ما بين 1900لتر ثانية في بيت جن إلى 100لتر/ثانية في جلينية، وأما الفاجرة فتبلغ 50لتر/ثانية، وكشفت صحيفة يديعوت أحرنوت أن إسرائيل تحول منذ أكثر من عشرة سنوات إلى بحيرة طبرية من هضبة الجولان مياه كان مفترضاً أن تتدفق إلى الأراضي السورية. (الحياة 1/7/2007).
وتتباين المصادر الإسرائيلية حول الاستغلال والمردود المادي والاقتصادي في الجولان، وأن قيمة المردود المالي وهذه الأعمال في التسعينيات بلغ نحو 363.5مليون دولار، نحو 39.3% من الصناعة و33.2% من الزراعة، 9.6% من السياحة، 12.4% من التجارة، 505% من الخدمات العامة والتعليم.
ويتوقع مخطط إسرائيل عام 2020 زيادة عدد المستعمرات في الجولان حيث قام وزير الداخلية الإسرائيلية بتسريع إصدار تصاريح البناء في مرتفعات الجولان وكذلك رعاية مشروعات جديدة بالنسبة للمناطق المجاورة لمدينة القنيطرة السورية في محاولة للضغط على سوريا (الأهرام 20/12/2006).
وتنفذ إسرائيل حملة واسعة لتعزيز الاستيطان وبناء المشاريع العمرانية والاقتصادية في مرتفعات الجولان المحتلة، وأعلنت دائرة أراضي إسرائيل الحكومية مناقصة لبناء حتى جديد في مستوطنة كتسرين يضم 400 وحدة سكنية على مساحة 300دونم، وأعدت شركة غولان الإسرائيلية بالتعاون مع شركة SAIالأمريكية للطاقة مخططاً لإقامة مشروع مشترك لبناء 150 مروحة هوائية لإنتاج الطاقة الكهربائية، ويمتد المشروع لمسافة 140كيلو متر في شمال شرقي الجولان من مجدل الشمس حتى مستوطنة ألوفي هيبشان التي أقيمت على أنقاض قرية الجوزير السورية المدمرة، كما بدأت حملة لجلب أكبر عدد من مستعمري غوش قطيف في غزة والذين تم إجلاءهم إلى الجولان. (الحياة 25/5/2008).
وكانت الحكومة الإسرائيلية ممثلة في وزارة الزراعة قد أعدت مشروعاً لتعزيز الاستيطان من خلال جلب مستعمري غوش قطيف إلى الجولان، حيث اتفق الوزراء مع مستولي مستعمر في أفنى وألوفي هيشان في الجولان على ضمان آلاف الدونمات المقسمة لمئة وعشرة عقارات ومنح رخص بناء وقروض إسكان بدون فوائد لتسهيل بناء البيوت بسرعة، وقال رئيس مجلس مستعمرات الجولان أن المشروع هو إنجاز كبير وخطوة إضافية لإنعاش المنطقة التي تعتبر ذات أهمية إستراتيجية واقتصادية لإسرائيل.
ولا تقتصر المشاريع الاستيطانية الإسرائيلية في الجولان على الإسكان بل تشمل أنشطة اقتصادية وسياحية، حيث تمت المصادقة على بناء قرية سياحية جديدة على أنقاض قرية سورية مدمرة واقعة على الشاطئ الشرقي لبحيرة طبرية وتقام على مساحة 95 دونم. (الحياة 28/9/2008).
في نفس الوقت الذي سلمت فيه وزارة الخارجية السورية لجنة الأمم المتحدة الخاصة بالتحقيق في الانتهاكات الإسرائيلية لحقوق الإنسان، تقريراً يرصد انتهاكات وممارسات إسرائيلية من بينها التعسف في استغلال المياه والثروات الطبيعية لمصلحة المستعمرين الإسرائيليين، وان إسرائيل لا تزال ترفض تحديد مواقع الألغام التي زرعتها في هضبة الجولان مما يؤدي إلى مزيد من الضحايا، وكذلك إجراءات التهويد وطمس الهوية السورية لسكان الجولان المحتل، كما يركز التقرير على استمرار إسرائيل في تنفيذ جريمة طمر نفايات نووية مشعة في بعض أراضي الجولان المحتل.
اللجنة العربية لمقاومة التطبيع الزراعي والمائي.
ديفيد أيشيك دوره شئون إسرائيلية صيف 1997 مختارات إسرائيلية عدد 61 يناير 2000.


