الترجمة والمقدّس ترجمة “الكتاب المقدّس” إلى الإنجليزية

إذا كانت كلّ قراءة، كما يكثر القول في هذه الأيام، ضرباً من إعادة إنتاج النصّ المقروء وتأويلاً جديداً يضاف إلى تأويلاته، فلا بدّ أن نقبل، لأسباب كثيرة، أنّ الترجمة من لغة إلى أخرى هي من أشدّ الأمثلة على ذلك وضوحاً وصفاءً. وإذا كانت الترجمة تأويلاً وإعادة إنتاج وقراءة جديدة، فنحن إذاً في نطاق يتعدّى معنى الترجمة التقني ليدخل في ما يمكن أن ندعوه سياسات الترجمة؛ أي ما تنطوي عليه من مؤثّرات ومقاصد وما تحدثه من مفاعيل، مما يتعلّق بالسياق الذي تتم فيه، وأسئلته التي تأتي الترجمة كنوع من الاستجابة لها، وشكل هذه الاستجابة أو نوعها إذ تتأثّر بإيديولوجية المترجم وبجماع تكوينه المعرفي والفكري الذي يؤثّر على خياراته وأدائه ومقاصده، كما يتعلّق بمدى التطابق بين ما يتوّخاه لترجمته من آثار ومفاعيل وما يتحقق لها فعلاً، سواء على صعيد الذات أم على صعيد العلاقة بالآخر، ما إن يتوضّع النتاج في سياقاته المستقلة.
والحال، أنّ ترجمة الكتاب المقدّس إلى مختلف اللغات، وكذلك ترجماته المختلفة في اللغة الواحدة، هي من أوضح الأمثلة على تأثّر الترجمة بكلّ من الثقافة والسياسة والتاريخ والاجتماع، وتأثيرها على كلّ من الثقافة والسياسة والتاريخ والاجتماع. وهذا ما لا تشذّ عنه ترجمة الكتاب المقدّس إلى اللغة الإنجليزية، بل تبرز بوصفها واحداً من أنصع الأمثلة عليه. فلو أردنا أن نلخّص قصة ترجمة الكتاب المقدّس إلى الإنجليزية لأمكننا القول إنّها قصة انفلات هذا الكتاب من قبضة الكهنة الذين استأثروا به لينتقل إلى أيدي العامة من الناس، كما أنّها قصة تشكّل اللغة الإنجليزية ذاتها من خليط من الفرنسية، والأنجلو-نورمانديّة، والأنجلو-ساكسونيّة. فعلى الرغم من وصول المسيحية إلى إنجلترا منذ القرن الثالث الميلادي، إلاّ أنّ الكتاب المقدّس بقي طوال ألف من السنين طيّ اللغة اللاتينية التي كادت أن تكون محصورة بالكهنة وحدهم. ولذلك، فإنّ المحاولات الأولى في ترجمة النصوص المقدّسة من لغتيها الأصليتين -العبرية واليونانية- إلى الإنجليزية كانت محلّ صراع اجتماعي وسياسي، ومحلّ سجال ومناظرات دينية عنيفة، كثيراً ما اكتنفتها المؤامرات والدسائس التي رسمت لأولئك المترجمين الذين لم يكونوا مجرّد مترجمين بقدر ما كانوا، في ترجماتهم وفي مجمل مسيرتهم، حملة مشروع للإصلاح الديني والاجتماعي الذي يمكن أن يسوق حامليه، وكثيراً ما ساقهم، إلى حتفهم .


