البيروني
برهان الحق، وبطليموس العرب

أحسب أن البيروني كان أضخم جسر ثقافي عبرت عليه الحضارات وتفاعلت عبر ترجماته ومؤلفاته خلاصة تجارب اليونان والعرب والفرس والهنود، وأحسب أن الحضارة الإنسانية لم تعرف عقلاً علمياً موسوعياً يضاهي عقل أبي الريحان البيروني، لقد فتن به المستشرق إدوارد ساخاو فقال "إنه صاحب أعظم عقلية عرفها التاريخ"، أما جورج سارتون أكبر مؤرخ للعلم فقد سمّى أواخر القرن العاشر الميلادي حيث ولد أبو الريحان حتى وفاته أواسط الحادي عشر "عصر البيروني". وقد ولد البيروني نحو سنة 973م في مدينة كاث وهي عاصمة خوارزم، وهي اليوم في أوزبكستان وقد أطلق عليها اليوم اسم البيروني تخليداً لذكراه، وكانت في عصره تابعة للسامانيين من فارس، وقيل بل ولد في مدينة بيرون وإليها ينتسب، وهي اليوم في باكستان، وبعض العلماء فسروا اسم بيروني بأن معناه "الغريب" اشتقاقاً من كلمة "البراني" لأنه كان غريباً في البلدان التي يقيم فيها، ولا أظن هذا التفسير دقيقاً، فجلّ العلماء عاشوا في بلدان غير بلدانهم وتنقلوا بين العواصم، والثابت أنه من بيرون وربما كانت قرية صغيرة قرب كاث في خوارزم، وقد قال البيروني إنه لا يعرف لنفسه نسباً ولا يعرف من كان جده، وبوسعنا أن نفهم ذلك في عصر حروب ونزوح وهجرات، لكن المؤكد أنه رحل إلى جرجان وهو في الخامسة والعشرين من عمره، والتحق ببلاط السلطان أبي الحسن قابوس بن وشمكير (شمس المعالي) ودرس هناك على عالم الرياضيات الشهير منصور بن عراق، قد عاصر ابن سينا وابن مسكويه، وتعلم اليونانية والفارسية والسنسكريتية وقيل إنه تعلم العبرية كذلك، رغم أنها ليست من لغات العلم. وقد كتب جلّ مؤلفاته بالعربية. وقد فتن البيروني بالفلسفة الإغريقية وكان قد درس فلسفة الهند وفارس، لكنه قال "إن كل الفلسفات لم تنجب مثل سقراط". ويبدو أنه عاش زمناً من صدر شبابه في الهند، وتنقل في بلدان الفرس وفي منطقة قزوين، وهناك التقى العالم الرياضي أبي السهل عيسى بن يحيى. ومن الواضح أنه تأثر بابن سينا، ففي مؤلفاته رسائل حوارية فلسفية بلغت عشرين رسالة تدل على مزاج خاص يعكس قسوة معاناته في شبابه. كما يتضح أنه تأثر بالرازي فقد ألف كتاباً عنه ، ولكنه لم يأخذ في المعتقد رأي الرازي. وقد تشيع البيروني مدة ثم عاد إلى رأي أهل السنة في الفقه. وكان متعصباً للغة العربية ويرى أنها لغة العلم. وقد ألف البيروني في مختلف العلوم والمعارف الإنسانية. والعجيب أن نجده علماً في كل باب من أبواب المعرفة، فهو مؤسس في علوم الأرض والجيولوجيا، وباحث بارع في علوم الفيزياء والصيدلة والرياضيات، ومؤرخ كبير، وفلكي معلم، وفقيه حافظ للقرآن الكريم ومحدث ولغوي، وفيلسوف محاور، ولم تعرف قيمته العلمية جيداً في عصره. وقد قرأت أن أهل الأندلس في القرن الرابع الهجري لم يعرفوه، وأن أوربا لم تترجم كل مؤلفاته في العصور الوسطى إلى اللاتينية، وأنها اكتشفت قدره العلمي الضخم أواخر القرن التاسع عشر، حين ترجم إدوار ساخاو كتاب البيروني الشهير ((كتاب الآثار الباقية من القرون الخالية)) إلى الإنكليزية، ورأى الأوربيون أن هذا الكتاب موسوعة تاريخية ثقافية وفكرية وعلمية هامة لكل شعوب الأرض، فقد حفظت فيه خلاصة الحضارات. وكان البيروني يرى أن العلم تراكمي، تزيد فيه كل أمة بمقدار ما تكتشف، وأن الحفاظ على التراث الإنساني ضرورة لكل أمة إذا أرادت النهوض، فتراث الأمة يحقق لها أصالتها وهويتها. والبيروني لم يقم بجمع هذا التراث جمعاً كمياً، وإنما قام بجمعه جمعاً نقدياً، فقد كان يعلق على كل ظاهرة أو مسألة، ويعرضها مبسطة يسيرة، ويفحص المعلومة ويوازنها مع سواها، ويخرج للقارئ بنتيجة علمية بما وصل إليه العلم في عصره، لكن من المؤكد أن مؤلفات البيروني في الفلك وعلم الأرض والجاذبية كانت معروفة للباحثين في القرون الوسطى، لكثرة ما أخذ عنه العلماء بعده، ولم يكن بوسع أحد من علماء الأرض والفلك أن يهمل كتاباً مثل ((القانون المسعودي))، فهذا الكتاب واحد من أهم الكتب العلمية تاريخياً، وهو في علم الهيئة والنجوم وقد ألفه في سنة إحدى وعشرين وأربعمائة وحذا فيه حذو بطيلموس في ((المجسطى)) ثم قدمه للسلطان مسعود بن محمود الغزنوي. وكان هذا السلطان عالماً في الفلك والرياضيات ويعرف قدر العلم والعلماء، وكانت عاصمته غزنة وهي كابل في أفغانستان اليوم، ويقال إن السلطان سيّر إليه ثلاثة جمال محملة بالفضة تقديراً لجهده، فأعادها البيروني إلى السلطان قائلاً إنني أخدم العلم للعلم، وليس من أجل المال. ويحار المرء في تفضيل ما ترك البيروني من مؤلفات، فلا يستطيع الباحث أن يقول إن هذا الكتاب هو الأهم، لأن في كل ما كتب إضافة هامة للعلم. وقد ترك لنا وللبشرية نحو مائة وثمانين مؤلفاً ورسالة بينها أربعون كتاباً. وقد قال ياقوت الحموي إن مؤلفات البيروني تزيد على حمل بعير. ومن الكتب النادرة كتابه ((استخراج الأوتار في الدائرة بخواص الخط المنحني الواقع فيها)). وكتبه الأخرى تحمل عناوين موضوعاتها، مثل ((علم الهيئة))، ((تقسيم الأقاليم))، ((منازل القمر))، ((المسائل الهندسية))، ((النسب بين الفلزات والجواهر في الحجم))، ((الصيدلة في الطب))، ((حركة الشمس))، وسوى ذلك كثير، لكن الكتاب الذي حقق شهرة أكبر هو كتابه الفريد ((تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة أو مرذولة))، وقد ترجم إلى لغات عديدة، ثم كتاب ((القانون المسعودي)) الذي أشرنا إليه، فضلاً عن كتابه الضخم ((الآثار الباقية في القرون الخالية)).
ومن أهم إضافاته العلمية قيامه بتحديد طول وتر الدائرة، وأوتار القوس، وتثليث الزاوية، وإيجاد معادلة لحساب نصف قطر الأرض وقد سميت قاعدة البيروني، وقد قام بتفريق سرعة الضوء عن سرعة الصوت، ووضع الوزن النوعي لفلزات الجواهر والمعادن، ومن أهم ما توصل إليه البيروني قبل كوبرنيكوس بخمسمائة عام اكتشافه دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس، فقد قال بشكل واضح "ليست الشمس هي سبب تفاوت الليل والنهار بل إنّ الأرض ذاتها هي التي تدور حول نفسها وتدور مع الكواكب والنجوم حول الشمس".
وفي كتابه ((القانون المسعودي)) تحدث البيروني عن الجاذبية وجعلها في نوعين هما جاذبية الأرض لما عليها وحولها، ثم جاذبية السماء للأرض، وقال إن الجاذبية القصوى تقع في باطن الأرض. وهو لم يحدد قانون الجاذبية لكنه مع أقرانه من علماء المسلمين مثل ثابت بن قرة وسواه فتحوا الطريق أمام نيوتن كي يحدد قانون الجاذبية. وقد تحدث البيروني عن ضغط السوائل فصار مؤسساً في علم الهيدروستاتيك. وفي أدوات الفلك ابتكر البيروني الإسطرلاب الإسطواني الذي مكنه من تحديد أبعاد الأجسام البعيدة عن سطح الأرض ومن معرفة ارتفاعها. ولئن كان علماء اليوم قد اختاروه من بين ثمانية عشر عالماً من علماء الحضارة الإسلامية لإطلاق أسمائهم على سطح القمر حيث سميت فوهة بركانية باسمه تخليداً لذكراه، فإنه جدير بأن يستعيد مكانته علماء العرب والمسلمين في تحقيق مؤلفاته، ونشرها في العالم فهو أهم برهان يقدم على ضخامة مساهمة الحضارة العربية الإسلامية في نهضة العلم المعاصرة.


