الإنسان والزمان.... في عروض مختارة

عندما ابتدأ الوجود الإنساني ابتدأ تحرير الزمان، وظلت علاقته منذ منشأ وجوده بالزمان إشكالية لم تحل بعد، وفي محاولته لامتلاك الزمان واحتوائه فكّر في الخلود، وسعى في الماضي إلى امتلاك إكسير الشباب، فبحث عنه في السحر والشعوذة والأسطورة، مجسداً في بحثه هذا علاقته بالزمن، وعندما أدرك أن عمره محدد بين نقطتي الولادة والموت اللتين لا يملك في تحديدهما أية سلطة، وأن كينونته ليست كينونة نهائية، بل هي إمكانية كينونة، وبتعبير آخر : الإنسان هو مشروع لم يتحقق بعد بالكلية، بل هو في مسيرة تحقيق مستمرة تدوم ردح وجوده بأسره، وبذلك يشكل الزمان إطار الممكن الذي يفسح للإنسان مجال تحقيق كينونته الزمنية التي تفسح المجال أمامه كي يتصل بإمكانياته ويوحد وجوده، وهذا غير ممكن من دون ظاهرة المستقبل.. عندما أدرك الإنسان في علاقته مع الزمن هذا الأمر يئس من الخلود بمفهومه التقليدي الجسداني وراح يبحث عنه في مجال الفلسفة والدين الموسوم بخلود الروح، وفي مجالات المنتَج الإبداعي من شعر وفكر ومسرح ورواية وفن وعمارة، واتخذت علاقته بالزمان شكلاً جديداً بحيث انفتحت أمامه آفاق جديدة في علاقته مع ذاته أولاً، ومع العالم المحيط به ثانياً.. والعلاقة الثانية تتأسس على الأولى، وهي على صورتها.. وهكذا ارتبط الإنسان في علاقته مع الزمان بالسفر الدائم عبر الذات وعبر العالم .
الإنسان المسكون بالزمان في علاقته مع ذاته ومع العالم المحيط كان حاضراً بقوة في عدد من عروض الدورة الـ 15 من مهرجان دمشق المسرحي .
الإلياذة الكنعانية
في "الإلياذة الكنعانية" العرض الراقص الذي افتُتح به المهرجان في صالة الأوبرا لفرقة أورنينا كان الإنسان الكنعاني-الفلسطيني هو الحاضر عبر زمن تاريخي متطاول، يمتد حوالي أربعة آلاف سنة وحتى يومنا هذا إلى رؤية مستقبلة آملة .
نص الشاعر محمود عبد الكريم رؤية وإخراج وكريوغراف ناصر إبراهيم موسيقى وليد الهشيم سينوغرافيا وإضاءة ماهر هربش ديكور وإكسسوار ناصر جليلي ومحمد كامل .
شاء منتجو العرض أن يسموا هذا العمل "ملحمة غنائية تاريخية" قُسمت إلى سبعة عشر مشهداً تبدأ بزمن أسطوري وبداية نشوء الحضارة في أرض كنعان وعلاقة الإنسان مع البحر في لوحة للبحارة الكنعانيين على سواحل فلسطين، وأخرى لنوارس البحر وسط تشكيلات من الرقص والموسيقى وصوت أمواج البحر، والإنسان الكنعاني المسالم في عيش رخي يبني حضارته العريقة، والزمن يحمل الفرح إلى القلوب الوادعة.. وفجأة ينكسر الزمن الرخي، ويتصدع الحلم الجميل في المشهد الثاني بالهجوم الهمجي للقبائل العبرية والمذبحة التاريخية التي ارتكبها يوشع بن نون في مدينة أريحا الفلسطينية، وهكذا ابتدأت علاقة الإنسان الفلسطيني مع الزمن الصعب، وستستمر مع ميلاد المسيح (ع) رسول المحبة والسلام ومؤامرة اليهود وإلحاحهم وإغرائهم الحاكم الروماني هيرودوتس لقتله واستخدامهم المرأة/الراقصة سالومي لتحقيق مأربهم وذلك في المشهدين الرابع والخامس .
الفتح الإسلامي والإنسان والزمن الهنيّ وعلاقته مع المحيط بإثنياته والتعايش السلمي وعهدة عمر بن الخطاب (ر) لأهل إيلياء (القدس) مع تمازج الموسيقى الإسلامية والكنسية بصهيل الخيول والرقصات المعبرة، والاستقرار الاجتماعي وازدهار الحضارة في بلاد الأنبياء جاءت في المشهدين 7-8، ويعود الزمن الصعب ثانية مع قدوم الفرنجة، إلى أن يحرر صلاح الدين القدس في المشهد الثامن.. ثم تتوالى المشاهد المؤلمة منذ دخول الجنرال اللنبي القدس في الحرب العالمية الأولى، ثم تسليمها للصهاينة، ومشاهد النزوح القسري الكبير، والحرب التي انتهت بالنكبة، وكأنما كُتِب على الإنسان الفلسطيني منذ الزمن الكنعاني أن يعيش المقاومة والزمن المر، لكن الحياة تستمر، وتحت ظلال الحرب يولد العشق–الفرح وحلم الزفاف بين محمد وفاطمة، وينكسر الحلم باستشهاد العريس ليلة العرس، ويلخص موال يما مويل الهوى في المشهد 14 الآلام الفلسطينية ممزوجةً بإرادة الحياة وتحدي الواقع الرديء والتمسك بالأرض وحب الوطن والمقاومة البطولية، وبالرغم مما يجري من محاولات تهويد المدينة المقدسة وتغيير للمعالم العربية الإسلامية إلا أن الأمل بعودة الفرح والزمن الطيب والحرية المقدسة لا يخبو، وهذا ما تعبّر عنه مجموعة الأغاني والرقصات والموسيقى الفولكلورية الفلسطينية في المشهد السابع عشر والأخير .
ودائماً تظهر شخصية كنعان المحورية لتكون الرابط التاريخي بين المشاهد والأزمنة والأجيال الإنسانية .
تقوم "الإلياذة الكنعانية" على سردية كبرى ملحمية، واحتفال مسرحي لتاريخ فلسطين وحكايتها مع الإنسان والزمن وقوى الشر تتجسد في سرديات متتالية تعبيرية حركية راقصة، وروائية منطوقة بصوت كنعان، وغنائية بصوت المجموعات ومنشد الفرقة وتستمد الأغاني مفرداتها من أناشيد الكنعانيين القدماء إلى أشعار محمود درويش لتجسد جميعاً صراع الإنسان الفلسطيني الذي امتد آلاف السنين ولا يزال في أزمان القهر والطغيان من أجل الحرية والسلام، ومن أجل الأرض والحياة الكريمة .
حقائب
العرض التونسي "حقائب" تأليف يوسف البحيري وإخراج جعفر القاسمي قُدِّم في صالة الأوبرا، يعرض لنا على خشبة عارية تماماً رحلة الإنسان (الممثل) إلى جوّانياته (الزمن الداخلي) وإلى العالم المحيط به (الزمن الخارجي) فهو على سفر دائم، غير أن ظهور الزمان وتجسداته في عرض موغل في الشكل والتجريب كهذا العرض لا يأتي تراتبياً كما في العروض الكلاسيكية التاريخية والاجتماعية، فليس هنا ما نسميه زمن الحكاية، لأنه لا حكاية في العرض، وإنما هو زمن لحظي، زمن الفكرة والحالة والتداعيات، زمن الممثل نفسه على الخشبة والمتشظي في لعبة بصرية مدهشة في الأداء والموسيقا والإضاءة، فالممثل هنا يتوحد مع الزمن اللحظي، حيث نرى ثمانية ممثلين على الخشبة يفتحون حقائب النفس والجسد فيبوح كل منهم بما يسكنه في هطول لفظي كما المطر أحياناً، أو صمت ثقيل كالذي يسبق العاصفة، ويفتحون حقائب الحكايات القديمة : أنتيجون، عطيل، ميديا، شبح هاملت، لتكون الشخصية المستحضرة شاهدة على عصرها، وهم مشغولون بالرقص وغناء الجسد أو نزقه وتوتره للتعبير عما يعتلج في جوّانياتهم التي يحتشد فيها الخوف والقلق والغضب والأمل المنطفئ، فالفتاة المتوترة دائماً تبدو غاضبة من البحر وتريد أن تقتله أو تغرق فيه، وأخرى مولعة بالفن والمسرح والسينما، وثمة من لا يرضى لها هذه الطريق، فهي تخاطب في ذلك شخصاً افتراضياً يأتي صوته تسجيلياً رزيناً، في حين أنها تبدو عصبية نزقة متوترة، وفي ذلك خروج عن الحوار التقليدي إلى خطاب تجريبي.. وبسبيل آخر فالزمن هنا لم يعد حاضناً للسرد كما في الرواية والمسرحية التاريخية أو الاجتماعية أو الأسطورة، ولم يعد الزمان متساوقاً مع تنامي الحدث الدرامي كما في الدراما الكلاسيكية، لأنه لا حدث درامياً هنا، وما نراه هو تقطيع للزمن وتشظٍ، ويأتي في الطرف الآخر من المعادلة الإنسان–الممثل، الأعزل في الفضاء المعزول وحيداً رغم الجوار مع غيره من الممثلين وعناصر الحوار، متشظياً في حقائبه الداخلية الجوانية والبرانية الجسدية التي يفتحها أمام جمهور استغلقت عليه مضمونات العرض مما يجعلنا نسأل هل تكفي الصورة لأن تحتل مكان الكلمة في إيصال المضمون؟ وهل يكفي أن نملأ فضاء المسرح بالدخان الأسود مع بضع كلمات متناثرة عن الحرب لأن نحمل إلى المتفرج قصة الحروب والإحساس المؤثر بها؟ ألا يصرفنا الجمال، جمال الصورة عن التسربل بالمضمون، فيصبح الجمال والإبهار البصري والدهشة المشهدية غاية في نفسه؟
نحن إذن أمام مسرح الصورة القائم على مسرحة الأفكار، وهو اتجاه سائد في التجريب، مقترناً بمسرح الجسد/الممثل بمهاراته الجسدية كتعبير وبوح حركي.. نحن أمام لعبة بصرية حقيقية موغلة في التجريب في أداء الممثل وإلقائه، و أمام سينوغرافيا الجسد وعودة أخرى إلى تجارب غروتوفسكي على الممثل، ونحن أيضاً أمام إحلال الموسيقا والإضاءة محل الكلمة في التعبير.. وفي النهاية نحن أمام كوميديا بصرية ساخرة سوداء .
يبدو لك الممثل في عرض "حقائب" أنه يرتجل، وربما لا يرتجل، يبدو لك أنه يمثل وربما لا يمثل.. الفضاء أمامه مفتوح تماماً، والفضاء أمام المتلقي أيضاً مفتوح على المشاهدة والرؤية والتأويل.. الممثل هنا يحمل الزمان في جوانياته ليولد الزمن على الخشبة لحظة التمثيل، والزمن مفتوح كما الفضاء المسرحي وكما الممثل، وكما الدخان الذي كاد ألا ينقطع بمختلف ألوانه مدة العرض، وكما الإضاءة والموسيقا فهما كتابة في هذا الفضاء المسرحي.. كل شيء مفتوح وخاضع للتجريب، ومضمون العمل مفتوح على كل الاتجاهات لمن أراد البحث .
يقول مخرج العرض عن (حقائبه) :
"ممثل أعزل في فضاء معزول في مواجهة جمهور مدجج بأفكار وآمال وقلق، وبينما الحكاية تبدو بسيطة، لكنها دقيقة، فكل شيء من حول الممثل حقيبة بشكل ما، فإحساسه حقيبة، وجسده حقيبة، وملابسه حقيبة، وصمته حقيبة، وموسيقاه حقيبة، أما خشبة المسرح فهي مفتاح كل حقيبة" .
ويقول عن تجربته هذه وعن علاقة الزمن بالممثل/الإنسان :
"هذا العرض لم يكن مشروعاً مسرحياً ولكنه كان مسرحاً مشروطاً، فأنا أتأرجح بين التفاهة والعمق مثل امرأة باعت جسدها من أجل أن تشتري حليباً لطفلها، ونحن جميعاً نعيش الصراع نفسه.. المسرحية تعبّر عني وعن هواجسي، والممثل هو الزمن غير الواقعي، لأن الزمن في حقائب، وبذلك يكون الزمان هو الزمان النفسي" .
عرض "حقائب" لفرقة المسرح الوطني التونسية هو مسرح الصورة والممثل، وقد اشترك في التمثيل : سماح الدشراوي، نبيلة دويشر، سماح التوكايري، الصادق حلواس، أسامة الجامعي، رضا جاب الله، أحمد بن علي، يوسف مارس .
حكاية علاء الدين
مسرحية "حكاية علاء الدين" التي قدمها المسرح القومي بدمشق في صالة الحمراء، هي فرجة واحتفال مسرحي غنائي، قوامه خيوط من الحكاية السالفة والغناء والإضحاك، تأليف كفاح الخوص وإخراج أسامة حلال، وبحثاً عن المتعة كغايةٍ للعرض المسرحي تم اللجوء إلى الفارْس كقالب مسرحي قوامه التهريج بعيداً عن شحن المشهد بالمضمون والدلالة، وإلى تكرار الحركات التي تجتذب التصفيق، والعربات التي تقطع المسرح يميناً ويساراً وعليها الممثلون لتحقيق مفاجآت قائمة على الشكل وحده، ويبدو أن بناء النص في الأساس يقوم على الاستجابة والتنفيذ لرغبات المخرج وتصوراته الشكلانية على الخشبة، وليس على الانفراد مع الذات والتفكّر لخلق بنية حكائية ودلالية سابقة يتعامل معها المخرج "كذات مسرحية ومنتَج إبداعي" ومنها يتولد الشكل المسرحي لاحقاً، وهكذا أصبح منتجو العرض المسرحي الأكثر شباباً يتنافسون اليوم في تقديم المتعة الخالصة لوجه المتعة، والخاوية من المضمون أو الفقيرة به، اجتذاباً للجمهور، ولا ينكر المخرج ذلك إذ يقول في الندوة النقدية للعرض :
"إن المتعة هي التي أسعى إليها لأنها تجلب الجمهور إلى المسرح، ولكنها المتعة التي تحترم المتلقي وذلك بعدم الإسفاف، وعلى هذا بنينا الخطة الإخراجية" .
وأقول : إذا استمر مفهوم المتعة كغاية في العرض المسرحي وأوغل فيها فمن يستطيع بعدها أن يتلمس الجدار الفاصل بيننا كمسرح فني وبين المسرح التجاري الاستهلاكي؟ وإذا كانت الغاية تقديم المتعة وحدها فقد نجح العرض، فثمة كوميديا وفارْس وإضحاك، وثمة فنانون محترفون يمثلون ويغنون، يمتلك بعضهم أصواتاً مطربة غنوا فأجادوا مثل حسام الشاه وعاصم حواط .
لعل المقولة التي غابت في ثنايا هذا الاحتفال المتْعوي المفتوح هي "زيف فكرة المخلّص" فعلاء الدين الذي يقارع الوحش ويتصدى لإنقاذ وتحرير ياسمين ابنة شهبندر التجار المخطوفة من قبل المارد لا نعرف في النهاية هل أنقذها أم لا، ولسنا نسعى وراء معرفة ذلك وإنما وراء التأكيد على زيف فكرة المخلِّص إن كان العرض يود قول ذلك.
ومن الطبيعي أن يتماهى الإنسان والزمان وتغيب ملامحهما في عرض كهذا مصنوع للفرجة والمتعة فقط، فالإنسان –علاء الدين– بطل المسرحية ليس هو البطل الأسطوري الذي تحدد وترسم ملامحه الحكاية التراثية، وليس هو الإنسان المعاصر المحمّل بقلق العصر وقيمه المتناقضة، وليس هو الإنسان المقزّم المذعور المهمّش، ولكنه إنسان تغيب ملامحه، أو غيّبت الشكلانية المفرطة في العرض ملامحه، فهو في النهاية إنسان خشبة المسرح ولحظة العرض، لا يتبقى منه أثر في الأذهان بعد إنزال الستارة .
وليس الزمان هو زمن الأسطورة وحكايات ألف ليلة وليلة، وليس الزمن الحاضر أيضاً، وإنما هو الزمن المرهون بمدة العرض، مع الإشارة إلى حالة القطع وانعدام العلاقة بين إنسان العرض وزمنه على الخشبة .
اشترك في التمثيل : أيمن عبد السلام، جهاد عبده، حسام الشاه، رنا شميس، عاصم حواط، عدنان أبو الشامات .
أنا.. أنت.. الإنسان
العرض القطري "أنا.. أنت.. الإنسان" تأليف دلال خليفة وإخراج فهد الباكر، وقُدم في الصالة المتعددة الاستعمالات .
أراد العمل أن يتصدى للإنسان في غرائزه ورغباته وآلامه، وأن يطرح قضية الوجود الإنساني وصراعه مع نفسه والآخرين، وأن يعبّر من خلال لوحات العرض الثلاث عن الوجود الإنساني ويبحث عن إنسانية الإنسان في زمن الضياع، وهذه الأفكار تتردد باستمرار على لسان شخصيات المسرحية التي تمثل هذه الحالات، فهي كما حدثني المخرج وكان يتكلم بحماسة كبيرة وغضب مسرحية وجودية، وراح ينعى على جلسة النقد الخاصة بالعرض أنها لم تدرك هذه المعاني، ولم تنصف المسرحية، ولم تعطها حقها!
في حقول الإبداع المسرحي والروائي والفني عامة إذا أردت أن تحمِّل عملك حمولة فلسفية فلا تنظِّر ولا تتفلسف، ولا تكن خطيباً، ودع منطق الأحداث وبنية الشخصيات هي التي تتمثل وتتسربل الفكرة التي تريد .
تؤكد الفلسفة الوجودية على أن الإنسان هو خالق ذاته، بمعنى أنه خالق أفعاله، وبهذا تؤكد على حريته المطلقة، وفي العرض القطري نجد أن الإنسان "الفنان" هو خالق شخوصه الرملية التي تتجسد وسرعان ما تتلاشى، ويتم التأكيد على هذا التلاشي في الحركة الإخراجية حين يقبض الفنان الرسام قبضة من الرمل وينثرها على الأرض، وفي اللوحات الثلاث التي يرسمها الرسام على الرمل ثم تتجسد شخوصاً نجد أن الإنسان لا يستطيع أن يخرج عما كان عليه، فهو يفشل دائماً في خلق أفعال جديدة مغايرة، ففي اللوحة الأولى نجد الشخصية تجلس مع ذاتها المجسّدة بشخص مماثل في المطعم يتحاوران، لإظهار صراع الإنسان مع نفسه، وبينهما طعام لا يتناولانه، وفي النهاية هما كائن واحد ووجهان لعملة واحدة، وليس من فعل جديد يُخلق.. وفي اللوحة الثانية نجد الفيلسوف العجوز الشارد يفكر في مشكلات الحياة ولكنه عاجز عن أن يجعل زواجه ناجحاً، وحينما يقرر ذلك يشتري لزوجته سفرجلتين لإرضائها لكنهما كانتا فاسدتين فترفضهما ويبقى عاجزاً عن إصلاح زواجه.. وفي اللوحة الثالثة تعيش الزوجة في مواجهة مقبرة فتطلب من زوجها الرحيل إلى بلد لا مقابر فيه، وعندما يجدانه يعلمان أن السبب هو أن الناس هنا يأكلون جثث موتاهم فيعودان إلى دارهما .
من دواعي الغرابة أن "الأكل" هو القاسم المشترك في هذه اللوحات الثلاث، وأن الناس في هذه اللوحات التي رسمها الفنان على الرمال محكومة بقدر غامض كائن داخل النفس، وهذا ضد أفكار الفلسفة الوجودية التي تؤكد على حرية الإنسان بخلق أفعاله، وأنه هو إله نفسه، لكن أناس هذه اللوحات ينقلبون في النهاية على الفنان، وتتمرد الشخوص على ما رسمه لها، وتعلن بأنها تريد أن تحيا بحرية تامة، وهذه نقطة لصالح العرض وفكرة الكاتب، ولكن سرعان ما تتلاشى حين يعلن الفنان بأنه لن يرسم بعد اليوم على الرمال وإنما سيرسم على السحاب.. وهكذا يبقى الإنسان مغلوباً مقهوراً ومحكوماً بقاهر شرير كائن في داخله، وتبقى هذه الشخصيات الرملية المتخيلة أبداً في صراع مع قدرها الممثل في وجود الرسام الذي يشكِّلها كما يريد، علماً بأن الوجودية تلغي فكرة القدر المهيمن على الإنسان وتجعله إله ذاته .
الزمن في المسرحية هو زمن الأفكار، بمعنى أن هنالك هدم للزمن بمفهومه التقليدي أو التراتبي، والأفكار تبقى مجرد أفكار خالية من الزمن، ولا يبقى من الزمان سوى زمن عرض المشهد على الخشبة، وهو زمن إجرائي .
بقي العرض صرّة من الأفكار المجرّدة، وبالرغم من قدرات الممثلين الجيدة فإن شخوصه كانت غير نابضة بالحياة، بالإضافة إلى ملاحظات حول وحدة العمل، فقد كان المشهد الحركي في بداية المسرحية طويلاً جداً حتى خِلنا أن المسرحية لا تنتمي إلى مسرح الحكي وإنما إلى المسرح الحركي .
استخدم المخرج الستائر القماشية لتجسيد بعض أفعال الشخصيات، كما استخدم التقنيات السينمائية لإسقاط صورة الباخرة وفكرة الارتحال الدائم .
اشترك في التمثيل : مشعل الدوسري، فهد القرشي، يوسف الكواري، محمد الزيارة، عبد الله الزيارة، حسن محمد، أمجد راشد، سارة علي، شيخة زون، محمود زين العابدين .
جمهورية الموز
العرض الأردني "جمهورية الموز" لفرقة المسرح الحر تأليف د.رياض عصمت وإخراج إياد الشطناوي وقد عُرِض في الصالة المتعددة الاستعمالات، ويقدم لنا الإنسان ممثَّلاً بجنرالات الحرب الذين غادروا مواقعهم ومهماتهم الأصلية إلى مواقع السياسة ولعبة الحكم في زمن الانقلابات العسكرية التي شهدتها المنطقة العربية، ولكن العمل لا يفضح التردي السياسي الاجتماعي والاقتصادي وآليات وصولهم إلى السلطة فحسب وإنما يفضح أيضاً جوهر هؤلاء الضباط الحاكمين من وراء الجنرال الذي وجد نفسه قائداً لانقلاب عسكري لا يد له فيه، ويمعن في تصوير الفساد والانحلال الأخلاقي لدى هذه الفئة المسيطرة الحاكمة التي تتلاعب بها عاهرة القصر .
ليس هنالك من زمن معين يتناوله العمل، أو مكان محدد ببلد أو قطر، فالعرض يتفادى ذكر الأشياء بمسمياتها أو الإشارة إليها، وإنما هو الزمن العربي المتردي بعد أن خبت أفراح الاستقلال وانطفأت مشاعل الحرية، وهو المكان الوسيع الممتد من المحيط إلى الخليج، أما الإنسان فهو إنسان السلطة، الجاهل بأمور الحكم والسياسة والذي اختطف الدولة ليقيم مملكة القهر والفساد، وسيأتي من بعده من يختطف السلطة منه.. هذه اللعبة العبثية السياسية التي لا تنتهي عبّرت عنها بنجاح في الخلفية في بداية العرض ونهايته مقاطع من الفيلم الكرتوني الشهير توم وجيري .
المبالغة في الفارْس والسخرية وتضخيم التشوهات في الأداء والإلقاء والحركة لدى الشخصيات التي تشكل واجهة السلطة السياسية والعسكرية للدلالة على ما تحمله من قبح داخلي وعلى ما تتصف به من خواء فكري امتدت على مساحة العرض منذ البداية وحتى نهاية العمل مما جعل اللغة الفنية المعتمدة في العرض تجعل كل شيء مكشوفاً منذ المشهد الأول، ومع تكرار الحركات الفيزيقية للشخوص تكثَّف الإحساس برتابة العرض وخلوّه من المفاجآت أو الخروج إلى فضاءات مغايرة، وتحيلنا مشاهد استقبال العاهرة للضباط الواحد تلو الآخر ثم إخفائها لهم وراء الستارة كلما جاء وافد آخر إليها إلى مفارقات القصة في ألف ليلة وليلة وإلى مجريات الحدث في مسرحية "حفلة على الخازوق" .
اعتمد الإخراج عامة الرسم الكاريكاتوري للشخصيات مما جعل العرض يبدو كهجائية كاريكاتورية في السلطة ورجالها .
أعد العمل علي عليّان وقام أيضاً بدور الجنرال، واشترك في الأداء : رامي شفيق، بيسان كمال، محمد السميرات، رائد شقاع، معتصم فكماوي، نهى سمارة، دلال فياض، نبيل مرار .


