الأمية البصرية !!..إشكالية تلقي الحداثة..
في الفن التشكيلي العربي؟؟..

- التلقي و محدودية الاستجابة :
1.1 قراءة الأثر الفني كنسق مفتـوح : لم تقتصر شمولية الحساسية الجمالية على الاشتغال خارج نمطية المنطوقات اليومية، و ما يعتمل داخلها من إحداثيات، بل عمدت إلى توريط المخيلة الفنية، وجرّها إلى تخوم المكاشفة البصرية، باستقطار اشتغالاتها، المنزاحة عن اللغة وآلياتها التعبيرية، وتحديداً تاريخ الأفكار، والمسارات السياقية للمعرفة النصية.ذلك أن الرسم جهاز من المفاهيم الأيقونية ، تُمارس رحلتها الاستكشافية ، وتُعمل معولها الأركيولوجي في التنقيب عن المغيب من المشاهد البصرية .
و لئن كانت لهذا المسار علاماته وإشارياته التشكيلية، « فإن المحرك الجوهري للمبدع الحديث هو تفكيك النسق، كل أشكال النسق، والخروج من الدوائر التي رسمها الآخـرون » (1) و استباق النزعة الذرية في مجابهتها لشمولية النزعة الكلية، فإن « النسق يبقى قابلاً للتحول فهو إما أن يكون معطى أولياً كما تزعم البنوية الصورية ، و إما يحدد الوعي الجمعي كما تنشـد ذلك البنوية التكوينية ، وإما أن يُسهم القارئ أو المتلقي في بنائه و تشييده و هو جوهـر نظريـة القراءة وجمالية التلقي » ، (2) تمهيداً للدخول في عملية استحداث تركيبية معقدة « تتصرف كفعل شمولي، كلي، في مضمونه وتكوينه، وتأخذ في اعتبارها المعطيات والمضامين الحداثية للثقافات البصرية في أوسع مجالاتها لتأتينا بفعل كلي مفتوح يعبر عن مواجهة الإنسان لأشياء العالم ، وتناقضاته، ورغبته المتحركة في إنتاج جمالية جديدة»(3) تستدعي قراءة الأثر المفتوحL'oeuvre Ouverte بتعبير أمبرتو إيكو Umberto Eco كعلامة، أو نظام كلامي على اعتبار أن «كل عمل فني يظل مفتوحا ومنفتحا مادام عملاً فنياً ، أي مادام مؤثراً وفاعلاً. وهذا الكلام ينطبق على كل الأعمال الفنية أيّا يكن نوعها ( أدب، فن تشكيـلي، موسيقى...إلخ)»(4) وثمة أيضا علامـات تعتمد الخبرة البشرية لتحل محلّ الأشياء الغائية العارفة كـ « نوع من الكشف التلقائي الذي يأتي من تراكم المعطـيات. فالمعرفة هي نقطة الالتقاء بين الذات (آفاقها) والعالم. الحياة (بكل آفاقه)»(5) سواء أكان إعلاء لشعرية العمل الفني المفتوح على شبكة من العلاقات الإدراكية المضاعفة، أو تحريراً للذائقة البصرية من سطوة المفردة التشكيلية.
إن مسألة إدراك أن الجميل هو الذي يحرّرنا من سطوة المباهج على نحو كلي، في غياب مدوّنة المتصورات السابقة، فإن فيكتور شكلوفسكي V.Chklovski أحد منظري الجناح الإستيطيقي في المدرسة الشكلية يذهب في معالجته للمقولة السائرة:«الفن تفكير في صُوَر» إلى ترشيد الطاقة الفنية، أوبما يسمى «الإقتصاد في الجهد الذهني » كطريقة تسمح بتوليد الشعور الجمالي، مستثمراً أدوات التعامل مع الفن ومناهجه بنفس التكنيك الذي نظر فيه بوتبني potebnya من أن «العلاقة بين الصورة وما توضحه هي : أ ) الصورة محمول معين predicate لمتغير- أ هي الوسيلة اللامتغيرة لالتقاط ما يدرك كمتغير. ب) الصورة أوضح و أبسط مما تشير إليه »(6) والملاحظ أن مثل هذا التقنين يبدو منطقياً حيال الاقتصاد في الطاقة الإبداعية وتكثـيفها بمعنى أن :(الصـورة =الرمز). ولكن غـزو الفنية Technicité إلى أثر ما - حسب التقنيات الخاصة به - تتأتى وضوح فنّيتها فيؤ من موقع تلقيها .



