.. الأخيرة ..

ما سكن الفن مكاناً إلى أحاله إلى جنة ترفل بالخضرة والجمال والنظافة والترتيب والحضارة، من أجل هذا، تحتاجه المدن والبلدات والقرى، سواء بشكله المجسم (كتلة في فراغ) أو المسطح (اللوحات الجداريّة المتعددة التقانات). وللفن الذي يسكن العراء، بين الناس في رواحهم وغدوهم، شروطه ومقوماته وتقاناته، لا يتكامل وجوده، ولا يؤدي دوره دونها، وهذا النوع من الفن يستدعي وجود الموهبة والخبرة في مبدعه ومنفذه، والوضوح في أشكاله وأفكاره، كونه اختار السكن بين الناس، على اختلاف أعمارهم وثقافتهم ووعيهم الاجتماعي. ولأنه في الأساس، صمم لهم، يجب أن تكون له علاقة بهم، وأن يوضع في المكان المناسب القادر من خلاله، التواصل معهم، بيسر وسهولة، وأن ينسجم ويتآلف في الوقت نفسه، مع محيطه المعماري والطبيعي.
للمدن والبلدات النظيفة، المرتبة، المنظمة التي تتنفس الهواء والضوء والعافيّة برحابة ويسر: نكهة خاصة. وللمدن التي تزاوج جيداً، بين الكتلة والفراغ، تاركةًَ للهواء والشمس ملاعبهما الفساح: وسامتها الخاصة، وشكلها الجميل والمريح. وللمدن المزينة بالعشب والشجر والزهر والنظافة: سحرها المميز، ووقعها المنعش على القلب والعين. وللمدن الناهضة على ضفاف الأنهار، وشواطئ البحار، وفوق الهضاب وأقدام الجبال والذرى، أو بين أحضان السفوح والسهول والغابات، يسكنها الفن والترتيب ورذاذ الماء: جمالها الآسر النافذ في العقل والوجدان والروح.
للمدن التي يسكنها الماضي والحاضر بتوافق وتآلف وانسجام: نكهة العتاقة الأصيلة، وشهية المستقبل الآمن الواثق. للمدن هذه، سحر لا يشيخ، وجمال لا يذبل، وتجدد لا يتوقف عن التناسخ السليم، والولادة الطبيعيّة، والاستمرار الصحيح. للمدن هذه، بوابات عريضة ووساعة مفتوحة على الحياة وللحياة.
وحده الفن مَن يصنع هذه المدن، مَن يرتبها وينظمها ويحقق معادلة انسجامها قديمها وحديثها. ولكي ينجح الفن بهذه المهمة، لا بد له من شروط ومقومات وخصائص تتوفر فيه أولاً، وتتوفر في المكان الذي يشغله ثانياً، وهو (للأسف) ما لم يتحقق في غالبية اللمسات الفنيّة التي بدأت تظهر في مدننا السوريّة مؤخراً، فهي مغرقة في ذاتيّة منتجيها، ما جعلها خارج مدارك الناس وفهمهم ومقحمة في الأماكن التي توضعت بها وبدت شاذة غير متوافقة مع محيطها.

أمين التحرير

إغلاق
يلزمك برنامج Adobe Acrobat للتمكن من تصفح العدد