أغنية في جزيرة السندباد

يضم كتاب «ديوان العراق» الذي صدر حديثاً للشاعر سليمان العيسى كتيباً في حوالي مئة صفحة بعنوان «أغنية في جزيرة السندباد»، على طريقة الدمى الروسية المتداخلة، أو قصص «كليلة ودمنة»، أو قصص «ألف ليلة وليلة» أيضاً. ولهذا الكتيب قصة.
في أواخر عام 1969، والعراق الشقيق يعيش فترة استثنائية من الاستقرار والازدهار، راحت الأنشطة الثقافية تترى، من مهرجان للأدباء العرب، إلى مهرجانات أدبية للاتحاد النسائي، إلى ندوات أدبية وعلمية في جامعاته العريقة، إلى إحياء لسوق المربد في البصرة، إلى احتفال ضخم بتكريم الشاعر الراحل بدر شاكر السياب مطلع عام 1971؛ ذلك الاحتفال الذي تخلله إقامة تمثال عملاق للشاعر في مسقط رأسه البصرة. وكان سليمان فيه من المدعوين المميزين الذين استضيفوا في جزيرة خلابة وسط شط العرب، أقيمت فيها دارات صغيرة مستقلة (شاليهات) للاستجمام، وأسميت «جزيرة السندباد». وكنت سعيدة لشهودي ذلك الاحتفال، وزيارتي تلك البقعة الرائعة من وطننا الكبير. يقول الشاعر عنها:
«..بقعة صغيرة من وطني الكبير،
حديقة ندية التربة، رائعة الشجر.
حديقة على شاطئ البصرة..
تبلغها بعد أن تجتاز جسراً طويلاً فوق النهر،
ما تكاد تتوسطه حتى ترى نفَسك في دنيا من الأحلام والأساطير..
يختلط فيها الماضي بالحاضر..
وتمتزج الحقيقة بالحلم.
خطواتٌ أخرى على الجسر..
وإذا أنت في «الجزيرة»
مع السندباد...»
مكان أسطوري ما أن تحط قدماك فيه حتى تشعر بنفسك محمولاً على أجنحة التاريخ، يحيط بك:
السندباد ورحلاته السبع الرائعة..
شهرزاد وحكاياتها التي لا تنتهي..
البصرة العظيمة التي أنتجت العلماء والأدباء والمغامرين؛ أولئك الذين أبدعوا علم النحو وأوزان الشعر، وروّضوا القوافي، وجالوا البحار وربطوا بين جزيرة العرب ومشرق الوطن العربي وأطراف العالم. أولئك هم المشاعل التي أضاءت يوماً هذه الصحراء وحوّلتها إلى جنة غنّاء. وهم الزاد الذي نشأ عليه الشاعر منذ الطفولة ونما حتى أصبح الإنسان، الشاعر، المناضل لتحقيق وحدة أمته.
كان جلُّ الحضور يمضون أوقات الفراغ في الاستمتاع بهذه الطبيعة الجميلة، والتجوال في مدينة البصرة الحديثة. أما الشاعر فكانت له جولة أخرى يخطط لها في ذهنه، وعلى وريقات يحملها في جيبه؛ جولة تعيده، برفقة شخصية أسطورية أسماها «شهرزاد الجزيرة»، إلى أزمان تكوّن الثقافة العربية ـ الإسلامية، وإلى الأعلام الروَّاد الذين كان لهم فضل كبير في تكوينها.
إنها: «... شهرزاد التي تنامْ
في أراجيحَ من غمامْ..
في دمِ الشرقِ مخدعي
في أساطيرهِ أنامْ
في ثنيّاتِ قصةٍ
عمرُها ألفُ ألفُ عامْ..»
وهي تملك قدراتٍ خارقةٍ:
«همسةٌ من إصبعي تُدْني القصِيّا
تصهرُ الأبعادَ، تجلو عالَماً
لم يزل مفتاحُه الغالي لديّا
القناديلُ التي عاشت هُنا
إرثُنا الماضي يعودُ الآن حَيّاً
وتسأله:
أيَّ سراجٍ غابرٍ أُشعِلُ الساعةَ
أدعوهُ إليّا؟»
ولكنه أراد أن يبدأ الجولة عند زميل صباه في الدراسة والشعر، الراحل بدر شاكر السياب؛ وهو بالمناسبة ابن البصرة التي كانت تحتفل بنصب تمثاله في إحدى ساحاتها، عساه يشاركه في هذه الجولة. فيناديه:
«...تعالَ يا بدر، شاركنا عَشِيَّتَنا
عنك الحديثُ، ومن ديوانِك الخَبَرُ
تعالَ من عَذَباتِ النخلِ وشوشةً
من شرفةٍ راح عنها يرحلُ القَمَرُ
إنا ضُيوفُك فانزِلْ.. غابَتاك هناك
عينانِ يورِقُ في غَوْريهما السَّحَرُ»(2)
ثم ينتقل إلى شهرزاد مبدياً رغبته في لقِاء الخليل بن أحمد الأزدي، مبدع العروض في الشعر، وصاحب كتاب «العين» أول معجم في العربية، ثم الجاحظ الأديب العالِم، ثم الأصمعي النحوي والراوية، والانتقال بعدئذٍ إلى أبي نواس الشاعر (الماجن) كما يسمونه. وحين تنتهي الجولة تسأله شهرزاد أن يحدثها عن نفسه، فيعقد فصلاً بعنوان: السندباد يروي حكايته الثامنة، متابعاً بذلك رحلات سندباد في ألف ليلة وليلة. ويتوقف أخيراً مع أطفال الجزيرة، ذلك أنه كان قد بدأ الكتابة للأطفال، شعراً ونثراً، منذ 1967.

د.ملكة أبيض

إغلاق
يلزمك برنامج Adobe Acrobat للتمكن من تصفح العدد