أحلام افتراضية لمعتز ملاطية لي.. التمثيل بالرقص

ينطلق عرض «أحلام افتراضية » لمخرجه «معتز ملاطية لي » من أحلام محدودة يصقل معالمها من خلال إعادة بنائها حركياً بصورة ميكانيكية باهتة، ثم يتنقل عبر هيئات مختلفة للجسد؛ من تثاؤباته المديدة إلى يومياته البائتة، مروراً بفهم محدود لحساسيات الحركة، وقدرتها العالية على توليد الدراما عبر هشاشة الجسد أحياناً، وصلابته في أحيان أخرى، ليونته ومرونته، مراكز عطالته المختلفة، وعلاقة الأجساد ببعضها.

ويتابع العرض عبر الاتكاء على القصة البسيطة حدّ السذاجة، والمبالغة في إظهار المشاعر بما يتخطى أية عفوية سواء في تعابير الوجه أو الجسد، مما يؤدي إلى توليد دراماتيكية وتراجيدية تخرج عن تلقائية الحلم نحو تصنع مبتذل لا يغني في شيء، لاسيما في ظل غياب التقنية الجسدية وإلغاء أي إبهار لها، وتقليص حركة الراقصين إلى بضعة حركات يومية محضة خالية من السحر، ومحافِظة على وجهها الساذج والبعيد عن جمالياته البديهية.
كما أن تلك الأحلام تحشر ذاتها ضمن المراوحة بين خشبة المسرح وشاشتين سينمائيتين صغيرتين تظهر عليهما رسائل قصيرة ) SMS (، أو وجه عشيقة أحد الراقصين عندما يضع على عينيه نظارات غرائبية، أي أن استخدام تقنية السينما جاء بشكل مجاني دون أن يتم تحميله أي ثقل درامي حقيقي، ودون أن يساهم في تعزيز الفعل على الخشبة ودفعه باتجاه توتراته المتباينة، بل حافظ على كونه فذلكة فائضة عن الحاجة لا تحقق أي تعميق لتلك الأحلام الافتراضية الساذجة أساساً وقليلة البهاء، وإنما تزيد الطين بلة من خلال تقطيع صيرورة الحركة بصورة جائرة، وبتر امتداداتها الجمالية، وتناميها المتصاعد، وبالتالي قدرتها على حمل الجسد الراقص نحو بلاغاته الأكثر فصاحة، والأكثر قرباً من صيغته الحُلمية.
يُغلِّب هذا العرض أيضاً كفة ميزان التمثيل على الرقص في كثير من الأحيان؛ دون أن يعني ذلك مزجاً وظيفياً لمشاهد تمثيلية مع لوحات راقصة، وإنما التخلي عن الحركة وجمالياتها في مقابل استعراضات مجانية لجمال الجسد الأنثوي لممثلة وحيدة «رنا ريشة » في مقابل مجموعة راقصين أثناء خلعها ملابسها وارتدائها لملابس أكثر إغراءً لتتمكن من إغواء رجل يحبها وتخرج مع غيره في النهاية، أضف إلى ذلك أن تلك المشاهد كانت خالية من أية حساسية تجاه الشريك بوصفه راقصاً أو ممثلاً، ودون أدنى قدر من رسم جمالي للميزانسين على الخشبة، بل الاعتماد على توزيع بسيط للراقصين الذين يؤدون الحركات ذاتها أو يمشون في خطوط متوازية، أو إخفائهم وراء ستارتين قماشيتين )شاشتي السينما ذاتهما)، مع المحافظة على الراقصين دائماً ضمن ثنائيات حققت أقل قدر ممكن من رشاقة العرض، في حين كان من الممكن أن يتم التنويع في توزيع الراقصين دون التقيد بنمط واحد يختصر معظم اللوحات الراقصة بفعل وردِّ فعل متشابه من حيث رسم الحركة، مما ينتج عنه احتمالات أكثر غنى لبناء الجمل الراقصة التي تسهم أحلام افتراضية لمعتز ملاطية لي.. التمثيل بالرقص في ربط الجسد بالحلم، ليصبح بماديته أكثر التصاقاً بكيمياء الحلم، والأقدر على تفسيرها بواسطة الحركة وحدها دون أي وسيط آخر.
وما يؤخذ على التكوين الدرامي ل"أحلام افتراضية » أيضاً ترسيخه لقاعدة اللوحات المتعددة من أجل بناء العرض، لاسيما في ظل عدم وجود خيط درامي يصل بين تلك اللوحات، ويدفع الدراما باتجاه ذروتها القصوى بكل ما تتضمنه من مغامرات جمالية وتصاعد في زخمها الدرامي حتى النهاية، فما شهدناه اقتصر على 15 لوحة حملت عناوين مختلفة مثل )تصبحون على خير، كابوس راقص، كائنات منتصف الليل، أصدقاء، اندماج الأحلام، عزلة، وهم( وكان بالإمكان تبديل مجموعة فقرات بين بعضها دون أن يؤثر ذلك في بنية العرض، بمعنى أننا كنا أمام نمرة للرقص ينقطع فيها خط الفعل الدرامي مرات عديدة، مما يضعف العمل ككل، ويصب ذلك إما في خانة الاستسهال، أو عدم الإدراك لأهمية دور الدراماتورج في العرض الراقص، فهو القادر على إعادة هيكلة المفاصل الدرامية لكل لوحة، وتحقيق انسيابية بينها، بحيث يصعب التخلي عن أي منها، وليس كما في «أحلام افتراضية » التي نستطيع إسقاط أكثر من نصفها دون أن نؤثر على بنية العرض كما يراها «ملاطية لي »، وكذلك يستطيع الدراماتورج إعادة النظر في رسم الشخصيات الراقصة؛ بحيث لا نبقى في خانة مجموعة من العشاق يحبون بعضهم بالطريقة ذاتها، ويتخلون عن شريكهم في العشق بالأسلوبية نفسها، أو حتى يحلمون الأحلام عينها، وربما يتحقق ذلك عندما نتخلى عن تأسيس العرض الراقص على مقطوعات موسيقية جاهزة، معتمدين على زواج شرعي يمزج بين النوتة الموسيقية ونوتة الجسد، بدل البقاء في إطار السِّفاح الذي تقوم به معظم عروض الرقص المعاصر السورية -ومنها أحلام افتراضية- من توليد جمل حركية تتخصَّب من مقطوعات موسيقية غريبة عن بيئة العرض، ومن منشأ درامي مختلف، وبالتالي فإنها تنتج حركة تعاني من تشوهات خلقية، فلا يكفي أن نؤسس جملة جسدية رقيقة بالاعتماد على موسيقا ناعمة ل «ياني » ولا أن نشكل حركة حيوية على أساس مقطوعة ل «أنور إبراهيم » أو «رينود غارسيا »، فالمهم أن تنشأ الحركة بالتوازي مع الموسيقا وتتناميان بالاتجاهات ذاتها.
لذلك نستطيع القول إن البقاء في الإطار الافتراضي لم ينتج في الواقع عرضاً بالمستوى المطلوب لفرقة المعهد العالي للفنون المسرحية على الرغم من مشاركة راقصين لديهم إمكانيات متميزة مثل )يارا عيد، حور ملص، فادي شاهين، حسن ملاك، ميلندا ماروكي، سعيد جربوع(، وأيضاً فإن استخدام الموبايل على الخشبة لم يسهم في تحقيق تواصل أكبر مع الجمهور، كما أن تضمين العرض لمشاهد تمثيلية لم يؤدّ إلى الارتقاء بالحركة وتعزيز قوتها الدرامية، وفوق كل ذلك فإن الرؤية الكريوغرافية الضامرة لمثل هذا النوع من العروض جعل من «أحلام افتراضية » بمثابة تمثيل بالرقص وبأجساد الراقصين، بدل أن يكون تصعيداً للجسد من واقعيته المادية إلى صيغته الحُلمية الأبهى والأكثر جمالاً.

بديع منير صنيج

إغلاق
يلزمك برنامج Adobe Acrobat للتمكن من تصفح العدد