أبيــض وأســود

مازال كثير من هواة السينما يمتدحون الأفلام القديمة المصورة بالأبيض والأسود، ويضعونها في مرتبة أعلى من الأفلام الملونة. يتضمن هؤلاء بعض الشباب المتحمسين من كل جيل من الأجيال لافلام فريتز لانغ وآيزنشتين وتشارلي تشابلن وفيتوريو دوسيكا وألفريد هتشكوك ووليام وايلر وديفيد لين وانغمار برغمان وأكيرا كوروساوا وجون شلزنغر وتوني ريتشاردسون وسواهم، وفي السينما العربية أفلام يوسف شاهين وصلاح أبو سيف وهنري بركات وتوفيق صالح. عندما ظهرت تقنية لتلوين الأفلام القديمة بواسطة المخابر، وجرى تلوين أفلام لوريل وهاردي الكوميدية وبعض أفلام الكابوي القديمة بألوان يغلب عليها اللون البرتقالي، هبت موجة من الاعتراض في هوليوود لوقف هذا الاعتداء على كلاسيكيات السينما، التي لا يقلل من روعتها انها صورت بالأبيض والأسود. وكان النجم الكبير الراحل جيمس ستيوارت ألد أعداء هذا التلوين المشوَّه لتلك الروائع الرائدة والخالدة.
نذكر من هذه الروائع بالأبيض والأسود، الفيلم الكوميدي الأمريكي "البعض يفضلونها ساخنة" للمخرج بيلي وايلدر من بطولة جاك ليمون وتوني كورتيس ومارلين مونرو، والفيلم الإيطالي "سارق الدراجات" لرائد الواقعية الجديدة فيتوريو دو سيكا، وفيلم الكاوبوي الجاد الشبيه في بنائه بالتراجيديا الإغريقية "شمس الظهيرة" للمخرج فريد زينمان من بطولة غاري كوبر وغريس كيلي، فضلاً عن بعض أفلام جون فورد الأولى مع بطله الأثير جون واين. وفي المجال التاريخي، يبقى فيلم البريطاني لورنس أوليفييه "هاملت" تحفة فنية، وكذلك بعض أفلام أورسون ويلز الشكسبيرية، فضلاً عن العظيم "المواطن كين"، (الذي يعتبره بعضهم أفضل فيلم في تاريخ السينما، رغم أنه أخرجه وهو في العشرينات من العمر) وكذلك فيلمه الأجد "القضية"، عنرواية فرانز كافكا الشهرية. ونضيف من الأفلام الاجتماعية الأمريكية الهامة فيلم "على واجهة الميناء" من إخراج إيليا كازان وبطولة الرائع "ترام اسمه الرغبة" مع براندو، فيفيان لي، كارل مالدن وكيم هنتر. كذلك نذكر فيلم جون هوستون "غابة الإسفلت"، وفيلم مايكل كورتيز "كازابلانكا". وفي مجال اقتباس الأعمال الأدبية الكلاسيكية، نجد ديفيد لين يتألق بشكل خاص في الأفلام المقتبسة عن تشارلز ديكنز، وخاصة في فيلمه "أوليفر تويست" و"الإرث العظيم".
في الزمن الحديث نسبياً، استمر بعض كبار المخرجين في العودة إلى الأبيض والأسود في عصر الألوان. نذكر المخرج الروسي يوري كوزنيتسوف في فيلمه الشكسبيريين "هاملت" و"الملك لير". كما نذكر مارتن سكورسيزي في "الثور الهائج" من بطولة روبرت دو نيرو عن قصة حياة ملاكم حقيقي محترف. هناك أيضاً فيلم المخرج ستيفن سبيلبرغ "ميونيخ" عن عملية الاغتيال الوحشية من قبل جهاز الموساد للفدائيين الفلسطينيين الذين قاموا بعملية أولومبياد ميونيخ، والشعور بالذنب الذي يعانيه أحدهم وهو يقدم على تلك الجرائم المريعة التي يذهب ضحيتها بعض الأبرياء من النساء والأطفال، بحيث لقي الفيلم هجوماً عنيفاً من الأوساط الصهيونية، التي اتهمت سبيلبرغ بالتعبير عن الشعور بالذنب من كونه يهودياً، رغم أن إدانته للعنف المخطط له كانت إدانته لإرهاب دولة. من جهته، حاول النجم جورك كلوني مجاراة نزعة أولئك المخرجين عندما قام بتصوير فيلمه "الألماني الطيب" بالأبيض والأسود، وذلك كي يحقق مصداقية أجواء الحرب العالمية الثانية. من جهته، بدأ المخرج العربي المصري يوسف شاهين مهنته الإخراجية بفيلميه بالأبيض والأسود "باب الحديد"و"صراع في الوادي"، مطلقاً عمر الشريف وفاتن حمامة. ونذكره كواحد من أقطاب السينما العربية، وإن كان صلاح أبو سيف وهنري بركات والمقل توفيق صالح يجاورونه في التجربة، وإن بتنوع أقل.
جدير بالذكر أن من ذكرنا في مستهل المقال من كبار المخرجين الرواد ما لبثوا أن أخرجوا أفلاماً عديدة بالألوان، لم تكن أقل من تلك القديمة التي صوروها بالأبيض والأسود. نذكر من بين هؤلاء ألفريد هتشكوك، الذي قدم روائع مثل "الدوامة" و"شمال-غرب" و "فضائحي" و"الطيور" بالألوان، بعد أن قدم من قبل روائع مثل "الحبل" و"المأخوذ" و"نفوس معقدة" بالأبيض والأسود، دون فرق في المستوى الفني والتأثير. والحسم حول موضوع أهمية الألوان أتى في بحث رائد للمخرج الروسي الفذ سيرغي آيزنشتين، الذي أشاد بالإمكانيات التعبيرية للألوان في السينما، رغم أنه صاحب "المدرعة بوتيمكين" و"الإضراب" و"إيفان الرهيب" بالأبيض والأسود. ويلاحظ المتابعون للسينما الحديثة لجوء بعد المخرجين إلى استخدام مدروس للألوان في "ساتيريكون". وعلى نهجه مشى الإيطالي بازوليني في أفلامه المستقاة من الأساطير والقصص الديني والشعبي، فمن "أنجيل متى" بالأبيض والأسود، انتقل إلى استخدام اللون في "أوديب" و"ميديا" و"ألف ليلة وليلة". كذلك فعل الفرنسي جان-لوك غودار بين "على آخر نفس" و"بييرو المجنون"، وكلاهما من بطولة جان بول بلموندو. وبعد إصرار طويل من المخرج السويدي انغمار برغمان على الأبيض والأسود في "الختم السابع" و"الفريز البري" و"ابتسامات ليلة صيف" وسواها، إلى الألوان في فترة لاحقة من حياته الملهمة. أما جورج كيوكور الذي قدم رائعته "المصباح الغازي" بالأبيض والأسود مع النجمة أنغريد برغمانن فقد أخرج بالألوان الفيلم الغنائي ذائع الصيت "سيدتي الجميلة" من جهته ، قدم البولندي فايدا عدداً كبيراً من روائعه بالأبيض والأسود، إلى أن اقتنع بأهمية الألوان في أفلامه اللاحقة، ومنها رائعته "دانتون" من بطولة جيرار دوبارديو. ويعتبر الياباني كوروساوا أحد أفضل من انتقلوا من الأبيض والأسود في شكسبيرياته من "عرش من الدم" إلى الألوان في "ران"، وكذلك "راشومون" و"الساموراي السبعة" إلى دودسكادين" و"ديرسو أوزالا" و"أحلام". أما أوليفر ستون الذي صور فيلمه "ج.ف.ك" عن اغتيال جون كيندي، فانتقل إلى الألوان في "الفصيل" و"4 تموز/يوليو"، وبالأخص في "الاسكندر الأكبر" بالرغم من فشل الأخير النسبي، وأخيراً في فيلمه "شارع المال2". واهتم فرانسيس فورد كوبولا بالألوان منذ إنجازه "القيامة الآن"، وانتهاء بفيلمه الجميل والخاس تجارياً "واحدة من القلب". ومن الأفلام الملونة التي تذكرنا بالأبيض والأسود بواقعيتها، نذكر فيلم "قدمي اليسرى"لجيم شريدان ومن بطولة دانيال داي لويس، عن معاق ينجح في أن يصبح رساماً مرموقاً بأصابع قدمه. وكذلك فيلم "بيلي إليوت" عن فتى يعشق الرقص، ويكافح ليقنع والده عامل المناجم القاسي أن يحقق حلمه في دراسة الباليه في أكاديمية لندن. كما تلاحظ العين المدققة أن فيلماً حديثاً جداً هو "300" صور بألوان وتقنيات خاصة أعطته طابعاً عتيقاً.
إن تلوين أفلام الأبيض والأسود أمرٌ مرفوض ومسيء. أما اختيار تصوير الأفلام حديثة بالأبيض والأسود فيحمل مبررات قوية من قبل صناعها، تتحرى إقناع المشاهدين بقدمها الزمني وواقعيتها، وربما بطابعها التسجيلي. أما الوقوف موقف المتعالي تجاه الألوانن وتكرار ترديد أن أفلام الأبيض والأسود هي الأفضل، فهو موقف غير سليم منطقياً، وإلا لماذا أقبل المنتجون على الألوان؟ هناك من أفلام قديمة بيضاء وسوداء ضعيفة، وبالمقابل كم هناك أفلام ملونة رديئة. يحرز الفيلم الفني مكانته بفضل عدة عوامل، ليس منها كونه بالأبيض والأسود أو بالألوان. الفيلم الناجح يتكامل فيه الموضوع القوي، مع السيناريو البارع، مع التمثيل الرائع، مع الإخراج المبدع، مع التقنيات المتقنة، بحيث تحدد هذه العناصر جميعاً قيمته. أما استخدام التصوير بالأبيض والأسود في زمننا الراهن فيجب أن ينبع من ضرورة وحاجة تشكلان إضافة لمضمونه. جدير بالذكر أن سيرغي آيزنشتاين، الذي أبدع في سينما الأبيض والأسود روائع خالدة مثل "المدرعة بوتمكين" و"الإضراب" و"إيفان الرهيب"، كان أول من اعتراف بأهمية وفنية استخدام اللون في السينما، وكتب باستفاضة عن جمالياته. وهكذا، نجد يوسف شاهين تأقلم مع دخول الألوان في السينما، فصوّر "الناصر صلاح الدين" و"الأرض" و"بياع الخواتم" و"العصفور" و"اليوم السابع"و"بونابرت" و"المصير" و"سكوت حنصَّور" بالألوان، مدركاً أهمية اللون التعبيرية. كذلك نجد سبيلبرغ واحداً من أفضل من استخدموا الألوان في فيلميه "اللون الأرجواني" و"امبراطورية الشمس"، مما يقودنا إلى الاعتراف بقيمة اللون التعبيرية في السينما.


